الحب الأول الجزء الثالث

نداء الصحراء وصمت المدينة

بقلم مريم الحسن

لم يكن صوت الأذان هو ما أيقظ سارة هذه المرة، بل كان أشبه بنداء قادم من عمق الصحراء، يتردد صداه في روحها. فتحت عينيها ببطء، لتجد أن ضوء الفجر قد بدأ يتسرب إلى الغرفة، يحمل معه وعدًا بيوم جديد، ولكنها لم تكن متأكدة ما إذا كان هذا الوعد يحمل بشرى خير أم نذير شؤم. استقامت في جلستها، وشعرت ببرودة الأرض تحت قدميها وهي تنهض. كانت قد نامت لساعات قليلة، ولكنها شعرت بأنها لم تنم على الإطلاق.

نظرت إلى هاتفها الذي وُضع على منضدة السرير، وكأنها تخشى أن تلمسه. لم يكن مجرد جهاز، بل كان بوابة لعالم آخر، عالم قد يعيدها إلى الدوامة، أو قد يمنحها الخلاص. لقد تلقت رسالة أخرى من أدهم قبل ساعات، رسالة كانت تحمل في كلماتها حرارة، ولهفة، وشوقًا للقاء.

"سارة، لقد تأكد حضوري لورشة العمل. الأيام المتبقية قبل انطلاقها تبدو لي كأنها سنوات. أتمنى حقًا أن نتمكن من التقاء. لو أمكن، أخبريني بقراركِ. أنتِ تعرفين أنكِ تشغلين تفكيري."

كانت كلماته كأنها سهم اخترق صمتها، وأثار في داخلها مشاعر متضاربة. كان يشجعها على المضي قدمًا، بينما كانت أسرتها تدفعها في اتجاه آخر. كانت تشعر بأنها عالقة بين عالمين، لا تستطيع الانتماء لأي منهما بشكل كامل.

في الخارج، بدأت أصوات الحياة ترتفع تدريجيًا. سيارات تمر، بائع يقف خلف بسطته، أصوات أطفال يخرجون من بيوتهم. المدينة تستيقظ، وتستعيد إيقاعها المعتاد، لكن إيقاع سارة كان مختلفًا، إيقاعًا بطيئًا، مضطربًا، يكاد يتوقف.

ارتدت سارة حجابها، وتوجهت إلى المطبخ. والدتها كانت قد استيقظت بالفعل، وطاولة الإفطار كانت قد أُعدت. رائحة القهوة تفوح، والشمس بدأت تملأ المكان بضيائها الذهبي. جلست سارة، وبدأت تأكل ببطء، وقلبها يخفق بعنف.

"صباح الخير يا ابنتي،" قالت الأم بابتسامة خفيفة، ولكنها لم تخفِ قلقها. "هل أنتِ بخير؟ بدوتِ مرهقة الليلة الماضية."

"صباح النور يا أمي،" أجابت سارة، محاولة أن تبدو طبيعية. "نعم، كنتُ أفكر فقط."

"أفكر؟" رفعت الأم حاجبها. "لا أظن أن التفكير هو ما يشغل بالكِ يا سارة. إنما هو قرار. قرار مصيري. الأستاذ خالد سيأتي لزيارتنا هذا الأسبوع. لقد اتفقتُ مع والدته على موعد."

شعرت سارة وكأن الأرض تميد بها. "الأسبوع القادم؟ بهذه السرعة؟"

"لماذا الاستعجال؟" ردت الأم، وقد خفتت ابتسامتها. "الزواج أمر جدّي، ويحتاج إلى تخطيط. ولكن بما أن الفرصة أمامكِ، والأستاذ خالد مناسب، فمن الأفضل عدم إضاعة الوقت. أليس كذلك؟"

نظرت سارة إلى طبقها، ولم تجب. لم تستطع. كيف تشرح لوالدتها أن قلبها لم يعد جاهزًا، وأن هناك شيئًا آخر يشدها، شيئًا مجهولاً، ولكنه يحمل في طياته كل ما كانت تحلم به من عمق، ومن فهم، ومن شغف؟

"سارة،" نادت الأم، وبدا صوتها يحمل شيئًا من اللوم. "هل لديكِ شيء تخفينه؟ هل هناك شخص آخر في حياتكِ؟"

ارتعشت يدا سارة وهي تمسك بكوب الشاي. "لا يا أمي، لا يوجد أحد."

"إذن، لماذا هذا التردد؟ لماذا هذا الارتباك؟"

"إنني أفكر فقط في المستقبل يا أمي،" قالت سارة، وهي تحاول أن تسيطر على صوتها. "أفكر في مسؤولية الزواج، وأريد أن أكون مستعدة تمامًا."

"الاستعداد يأتي مع التجربة يا ابنتي،" قالت الأم، وقد بدت كلماتها أكثر ليونة. "والأستاذ خالد سيكون سندًا لكِ. لا تقلقي."

بعد الإفطار، أغلقت سارة باب غرفتها، وشعرت بالاختناق. أمسكت هاتفها، وفتحت الرسالة من أدهم. كانت هناك تغريدة له على حسابه، صورة لشمس وهي تغرب على الصحراء، وكتب تحتها: "مهما اشتدت قسوة الصحراء، يبقى فيها جمال لا يضاهى، ويبقى فيها أمل الحياة."

تذكرت سارة لقاءها الأول بأدهم. لم يكن لقاءً جسديًا، بل كان من خلال كتاب. قرأت له في إحدى المناسبات، وكانت كلماتها تحمل شغفًا صادقًا بالأدب. بعد ذلك، وجد أدهم طريقًا للوصول إليها عبر منصة إلكترونية، ودار بينهما حديث طويل عن الشعر، وعن الرواية، وعن الحياة. كان يعيش في مدينة أخرى، وكان يشجعها دائمًا على تطوير موهبتها الأدبية.

لم يكن لقاؤهما عن طريق الصدفة، بل كان عن طريق الشغف المشترك. كان لديهما روح متشابهة، تبحث عن الجمال، وعن المعنى، وعن العمق في كل شيء. كانت كلماته دائمًا ما تلامس وتراً حساسًا في روحها، وتمنحها القوة والثقة.

لكن هذا لم يكن كل شيء. كانت هناك لحظة فارقة، لحظة قد تكون هي السبب في كل هذا الارتباك. في إحدى الرسائل، كتب أدهم لها: "لديّ شعور بأن بيننا شيئًا أكبر من مجرد صداقة ثقافية. هل أنتِ تشعرين بهذا أيضًا؟"

تلعثمت سارة وهي تقرأ هذه الكلمات. لم تكن تعرف كيف تجيب. كانت تشعر بالانجذاب نحوه، بالإعجاب العميق. ولكنها كانت تخشى أن تتجاوز الحدود، تخشى أن تقع في فخ ممنوع.

"أنا... أنا معجبة بك جدًا يا أدهم،" كتبت له في النهاية. "ولكنني أخشى أن تكون هذه المشاعر مجرد وهم. إنني ملتزمة بتعاليم ديني، وأؤمن بأن الزواج هو الطريق الصحيح لأي علاقة."

كان رده مفاجئًا. "وأنا أؤمن بذلك أيضًا يا سارة. ولكن قبل أن نصل إلى ذلك، علينا أن نتأكد من توافق قلوبنا وأرواحنا. ورشة العمل هذه فرصة لنا لنتعرف على بعضنا البعض بشكل أعمق. أرجو أن تأتي."

الآن، وبعد أن اقترحت والدتها موعدًا لزيارة الأستاذ خالد، شعرت سارة بأنها وصلت إلى مفترق طرق حقيقي. كان أمامها رحلة إلى ورشة العمل، ورحلة نحو المستقبل. ولكن هل كانت هذه الرحلات متوافقة؟

تذكرت سارة كلمات والدتها: "واقع الحياة مختلف. الزواج ليس مجرد حلم وردي." كانت والدتها على حق. الحياة واقع، والواقع يتطلب قرارات حاسمة. لكن هل كان الأستاذ خالد هو الواقع الذي تريده؟ أم أن الواقع الذي تبحث عنه يتطلب منها أن تغامر؟

كانت الشمس قد ارتفعت الآن، ومالت أشعتها الذهبية إلى الداخل، لتلامس وجهها. أغمضت عينيها، وتمنت أن تمنحها هذه الأشعة القوة، الوضوح، والشجاعة لتتخذ القرار الصحيح. نداء الصحراء الذي سمعته في الصباح، كان يتجسد الآن في قلبها. نداء للبحث عن الأمل، عن الجمال، عن الشغف، حتى في أقسى الظروف. وكان صمت المدينة، الذي لطالما احتضنها، يبدو الآن كصوت داخلي يدعوها للثبات، وللمحافظة على ما هو ثمين.

هل يمكن أن تتجاوز مشاعرها مجرد الإعجاب؟ هل يمكن أن تتحول إلى شيء أعمق، شيء يقودها إلى السعادة الحلال؟ أم أن هذه المشاعر ستظل حبيسة في سرها، مجرد همسة ريح في صحراء الحياة؟

شعرت سارة بأنها في قلب عاصفة، عاصفة لا يمكنها التحكم بها، ولكنها تستطيع أن تقرر كيف تواجهها. هل ستنجرف مع الرياح، أم ستقف ثابتة، مستندة إلى مبادئها، ومتطلعة إلى شروق شمس جديدة؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%