قلب طاهر الجزء الثالث
وشوشة الماضي وصدى المستقبل
بقلم سارة العمري
كانت الأيام تمضي ببطء وثقل على قلب نور، تحمل معها عبء الانتظار المقلق. زواجها من خالد، الذي طالما داعبت خيالاته قلبها كالنسيم العليل، بات الآن قاب قوسين أو أدنى، ولكن shadows of doubt بدأت تلقي بظلالها على سعادتها المرجوة. لم تكن الشكوك مجرد وساوس عابرة، بل كانت تستند إلى حقيقة مزعجة بدأت تتكشف تدريجياً، حقيقة مرتبطة بشخصية لطالما عرفتها نور جيداً: ندى.
كانت ندى، ابنة عم خالد، تتصرف بشكل غريب منذ الإعلان عن الخطبة. ابتسامتها المصطنعة، نظراتها الخاطفة التي تحمل مزيجاً من الحسرة والغضب المكتوم، كل ذلك لم يغب عن عين نور الثاقبة. تذكرت نور الأيام الخوالي، حين كانت هي وندى تشاركان كل شيء، الأسرار الصغيرة، الأحلام الكبيرة، وحتى العشق الصامت لشخص واحد. واليوم، كان هذا الشخص هو خالد.
في إحدى أمسيات الشهر الفضيل، وبينما كانت رائحة التوابل العطرية تفوح من مطبخ منزلهم، وجلست والدة نور تعدّ السحور، طلبت نور من والدتها أن ترافقها إلى منزل عمها. كان لديها شعور قوي بأنها بحاجة إلى التحدث مع خالد، وإلى لمس الحقيقة بيدها.
"يا أمي، هل لي أن أذهب عند عمي قليلاً؟ أشتاق لرؤية خالد." قالت نور، وصوتها يحمل رجفة خفيفة.
ابتسمت والدتها بحنان. "بالتأكيد يا ابنتي. لكن لا تتأخري. فالسحر له طعم آخر في البيت."
ارتدت نور حجابها الجميل، وأخذت معها طبقاً من التمر المحشو بالجوز، كهدية بسيطة. حين وصلت إلى منزل عمها، استقبلتها العمة فاطمة بترحيب حار. كان المكان هادئاً، إلا من صوت التلفاز الخافت في غرفة المعيشة.
"أهلاً بك يا ابنتي. خالد في مكتبه، مشغول ببعض العمل. تفضلي بالجلوس." قالت العمة فاطمة، وهي تقدم لنور كوباً من الشاي بالنعناع.
جلست نور، تتأمل تفاصيل الغرفة التي تحمل ذكريات طفولتها. الأرائك الوثيرة، السجاد الفارسي العتيق، اللوحات القرآنية المزخرفة. كل شيء كان كما هو، لكن شعوراً غريباً بالتغيير كان يخالجها.
بعد قليل، خرج خالد من مكتبه. كان يرتدي ملابسه المنزلية، وبدا عليه الإرهاق. ابتسم فور رؤيتها.
"نور! ما الذي أتى بكِ في هذا الوقت؟" قال وهو يقترب منها، احتضنها برفق.
شعرت نور بالارتياح لوجوده، ولكن لم يزدها هذا إلا إصراراً على معرفة ما يدور في ذهنها.
"أتيت لأراك يا خالد. ولأطمئن عليك." قالت، وهي ترفع رأسها لتلتقي بعينيه.
جلسا يتحدثان، عن يومهما، عن ترتيبات الزواج. ولكن نور لم تستطع أن تتخلص من شعور بأن هناك شيئاً مفقوداً.
"خالد، هل أنت سعيد؟ حقاً؟" سألت فجأة، بنبرة تحمل ثقلاً غير متوقع.
توقف خالد قليلاً، ينظر إليها بتعجب. "بالطبع يا نور. لماذا تسألين؟"
"لا أعرف. فقط... أشعر أن هناك شيئاً ما. هل كل شيء على ما يرام بينك وبين ندى؟"
تجمدت ملامح خالد للحظة. كان يراقبها بعمق، محاولاً أن يقرأ ما وراء سؤالها.
"ندى؟ ندى بخير. نحن أبناء عم، وكنا دائماً على وفاق." قال، وصوته يحمل مسحة من الحذر.
"لكنها تبدو لي مختلفة. حزينة. وكأنها تخفي شيئاً." أصرت نور.
تنفس خالد بعمق. "نور، ندى مرت ببعض الظروف الصعبة مؤخراً. هي تعاني من بعض الضغوط. هي فقط بحاجة إلى بعض الوقت."
لم تكن إجابة خالد مقنعة لنور. شعرت بأنها لم تسمع الحقيقة كاملة. كان هناك شيء أكبر، شيء يتعلق بندى وخالد، شيء يمس قلبها مباشرة.
في تلك الليلة، لم تستطع نور النوم. راحت تتصفح صورها القديمة مع ندى، صور تجمعهما ببراءة الطفولة، بضحكات لم تكن تعرف معنى الحسرة. تذكرت كيف كانت ندى تتحدث عن خالد، كيف كانت عيناها تلمعان حين تذكره. هل كانت ندى تحب خالداً؟ هل كانت تخطط لشيء ما؟
في صباح اليوم التالي، قررت نور أن تتصل بندى. كان قراراً صعباً، يخشى منه أن يفسر بشكل خاطئ، ولكنه كان ضرورياً.
"ألو، ندى؟"
"نور؟ كيف حالك؟" جاء صوت ندى، يحمل إرهاقاً واضحاً.
"الحمد لله. أنا بخير. وأنتِ؟ كيف حالك؟"
"أنا... بخير. لماذا اتصلتِ؟"
"أردت فقط أن أطمئن عليكِ. سمعت أنكِ لستِ على ما يرام. إذا كنتِ بحاجة إلى أي شيء، فأنا هنا."
صمتت ندى لبرهة، ثم قالت بنبرة مختلطة بين الامتنان والندم: "شكراً لكِ يا نور. أنتِ كريمة جداً. لا، لا أحتاج شيئاً."
"أتمنى لكِ كل الخير يا ندى. وأتمنى أن نلتقي قريباً."
"بإذن الله."
بعد المكالمة، شعرت نور بالأسى على ندى، ولكنها لم تستطع أن تنكر قلقها العميق. كان عليها أن تبحث عن الحقيقة، مهما كان الثمن، قبل أن يتجاوز الزمن بها وبخالد إلى ما لا يمكن إصلاحه. كانت تعلم أن سر ندى، إن وجد، سيؤثر بشكل مباشر على مستقبلها.
وفي هذه الأثناء، كان خالد نفسه يعاني من صراع داخلي. كانت كلمات نور قد أثارت شيئاً دفنه في أعماقه. كان يعلم أن ندى تخفي سراً، سراً يتعلق به، وسراً لم يكن يعرف كيف يتعامل معه. هل كان عليه أن يكشفه؟ أم أن إخفاءه هو الحل الأفضل؟ كانت هذه المعضلة تثقل كاهله، وتجعله يقضي ليالي طوال يتأمل في سقف غرفته، متسائلاً عن الطريق الصحيح.
في منزل آل يوسف، كانت الأجواء تتسم بالترقب. الاستعدادات للزواج تسير على قدم وساق، ولكن وراء الابتسامات الظاهرة، كانت هناك مخاوف تتغلغل، وشكوك تتنامى. نور، بقلبها الطاهر، كانت على وشك مواجهة حقائق قد تغير مسار حياتها، وحياة من تحب.
وفجأة، رن هاتف نور. كانت رسالة من رقم غير معروف. ترددت نور قبل أن تفتحها. وعندما قرأت محتواها، اتسعت عيناها بصدمة، وكأنها تلقت ضربة قوية. كانت الرسالة تحمل كلمات قليلة، ولكنها كانت كافية لتشعل نار القلق في قلبها. "لا تصدقي كل ما ترين. ندى ليست مجرد ابنة عم."
أغمضت نور عينيها، تتنفس بعمق، تحاول أن تستوعب ما قرأت. من يكون مرسل هذه الرسالة؟ وماذا يقصد؟ وهل لهذا علاقة بالصراع الداخلي الذي تشعر به؟ كانت تلك الليلة، ليلة التحولات، ليلة تتكشف فيها الأسرار، ليلة يعلو فيها صوت الماضي ليوشوش في أذن المستقبل.