قلب طاهر الجزء الثالث
الجسر فوق الهاوية
بقلم سارة العمري
كان الصباح التالي يحمل معه شعوراً مختلفاً. لم تكن العاصفة قد انتهت، بل بدأت تتشكل قوى جديدة لمواجهتها. استيقظت ريم مبكراً، وشعرت بأن جسدها كله متوتر. كانت المكالمة الهاتفية مع يوسف بالأمس قد غرست فيها بصيص أمل، ولكن لقاء والديها مع والد يوسف كان يلوح في الأفق كمنعطف حاسم.
عندما رن هاتفها، وجدت الرقم يوسف. "صباح الخير يا حبيبتي،" قال يوسف بصوته المفعم بالحيوية، "هل أنت مستعدة؟ أنا ووالدي في الطريق لزيارة والدك."
"صباح النور، يوسف،" أجابت ريم، "مستعدة قدر الإمكان. هل أنت واثق أن هذه هي الخطوة الصحيحة؟"
"أنا واثق من شيء واحد، ريم،" قال يوسف. "أننا سنواجه هذه المشكلة معاً. الوحدة هي أقوى سلاح لنا الآن. أرجو أن يكون والدك على استعداد لسماع ما سيقوله والدي."
"أتمنى ذلك،" قالت ريم، وشعرت بأن قلبها يغوص. كانت تعلم أن والدها عنيد، وأن سمعة العائلة هي هاجسه الأكبر.
وصل يوسف ووالده، الشيخ محمد، إلى منزل الشيخ أحمد. كان الشيخ أحمد ينتظرهم، وقد استقبلهما بترحيب مهذب، ولكن وجهه كان يحمل تعابير الجدية. جلسا جميعاً في غرفة الاستقبال، وكان الصمت يخيم على المكان، صمت ثقيل مليء بالترقب.
بدأ الشيخ محمد الحديث بصوته الهادئ والموزون. "أخي أحمد، أشكرك على استقبالنا. جئنا اليوم لنوضح لك موقفنا بخصوص الأمر الذي أبلغت به ابنتنا ريم."
أومأ الشيخ أحمد برأسه. "أهلاً بك يا شيخ محمد. ابنتي لم تخطئ في إبلاغك. القضية دقيقة، وتتطلب حكمة."
"بالتأكيد،" قال الشيخ محمد. "لقد علمت من ابني يوسف أن هناك عائلة تطالب بحق مالي قديم يتعلق بوالدي. ونحن، عائلة الغانم، لسنا ممن يتهربون من المسؤولية. إذا كان هناك حق، فسندفعه. وإذا كان هناك سوء فهم، فسيوضح."
كانت كلمات الشيخ محمد تحمل صدقاً وثقة، ولكن الشيخ أحمد لم يكن ليتنازل عن حذره بسهولة. "أنا أقدر صدقك يا شيخ محمد. ولكن، هؤلاء الأشخاص الذين يطالبون بالحق... يبدون غير عاديين. أخشى أن تكون وراءهم دوافع أخرى، وأن يتم استغلال هذه القضية للنيل من سمعة عائلتكم، وبالتالي، سمعة ابنتي. سمعة ريم هي كل ما أملك."
تنهد يوسف وريم، اللذان كانا يجلسان بصمت، يستمعان لكل كلمة. كانت ريم تشعر بأن والدها يضع وزناً أكبر على سمعته من سعادتها، وهذا مؤلم.
"أنا أفهم خوفك يا أخي أحمد،" قال الشيخ محمد. "ولكن، أليس من الأفضل أن نواجه هذا الخطر معاً؟ إذا افترقنا الآن، فقد نصبح هدفاً أسهل. أما إذا وحدنا جهودنا، وتصرفنا بشفافية، فقد نحمي أنفسنا وعائلتيهما. ابني يوسف يحب ابنتك ريم حباً صادقاً. وقد قال لي إنه لن يسمح لظل من الماضي بأن يدمر مستقبلهما. وهو مستعد لمواجهة أي شيء من أجلها."
نظر الشيخ محمد إلى يوسف، ثم إلى ريم. كان يوسف ينظر إلى ريم بعينين تلمعان بالإصرار. كانت ريم تبادله النظرات، وتشعر بأن قوتها تتضاعف.
"والدي،" قالت ريم، وصوتها ثابت، "أنا أحب يوسف. وأعتقد أنه خير زوج لي. لا أريد أن أفقد هذه الفرصة بسبب ماضٍ لم نرتكب فيه شيئاً. إذا واجهنا هذه المشكلة معاً، فقد نستطيع حلها. إذا انفصلنا، فسأكون قد خسرت كل شيء."
شعر الشيخ أحمد بصدق ابنه يوسف، وبإصرار ريم. لقد رأى في عينيهما حباً حقيقياً، ولكنه كان لا يزال متردداً. "ولكن، كيف سنتعامل مع هؤلاء الأشخاص؟ وماذا عن سمعتي؟"
"سنحتفظ بالحذر،" قال الشيخ محمد. "وسنتعامل بحكمة. سأقوم بالتحقيق في هذه المسألة بنفسي. سأعرف من هم هؤلاء الأشخاص، وما هي دوافعهم الحقيقية. وإذا كان هناك حق، فسنعمل على تسويته بأفضل طريقة ممكنة، دون أن نؤذي أحداً. ولكن، الشرط الأساسي هو أن نثق ببعضنا البعض، وأن نقف معاً."
كانت هذه الكلمات هي الجسر الذي ربط بين الهاوية. لقد عرض الشيخ محمد حلاً، عرض شراكة، عرض مواجهة.
"إذا كنت متأكداً من هذا يا شيخ محمد،" قال الشيخ أحمد بتردد، "وإذا كنت مستعداً لتحمل هذه المسؤولية معك، فأنا موافق. ولكن، أريد أن أكون على اطلاع كامل بكل خطوة."
"بالتأكيد،" قال الشيخ محمد. "سنكون يداً واحدة. وسنتواصل باستمرار. أما بالنسبة لسمعتك، فلا تقلق. أنا أقدرها، وسأعمل جاهداً على حمايتها."
تبادلت ريم ويوسف النظرات. كانت ابتسامة صغيرة ترتسم على وجهيهما. لقد نجحا في تجاوز العقبة الأولى. لقد أقنعا والديهما بالوحدة.
"شكراً لك يا أبي،" قال يوسف لوالده. "أعلم أنك ستكون السند الأقوى لنا."
"شكراً لك يا شيخ محمد،" قال الشيخ أحمد. "لقد طمأنني كلامك. لنبدأ هذه الرحلة معاً."
بعد انتهاء اللقاء، خرج يوسف ووالده، وشعرت ريم بأن عبئاً ثقيلاً قد أزيح عن صدرها. لقد كان لقاءً صعباً، ولكنه مثمر.
"الآن،" قال يوسف لريمه، "تبدأ المرحلة الأصعب. سنبدأ التحقيق. لا تقلقي، ريم. كل شيء سيكون على ما يرام."
"أعلم،" قالت ريم، وشعرت بأن ثقتها في يوسف قد ازدادت. "متى ستبدأون؟"
"غداً في الصباح،" أجاب يوسف. "سأتصل بك بكل مستجد. الآن، حاولي أن تستريحي."
ابتسمت ريم. "سأحاول. ولكن، لا أعتقد أن النوم سيأتي بسهولة."
"لا بأس،" قال يوسف. "ما زلنا في بداية رحلتنا. الأهم هو أننا نمشيها معاً."
كانت هذه الكلمات هي الترياق الذي يخفف من قلقها. لقد كان المستقبل لا يزال غامضاً، لكنهما كانا على استعداد لمواجهته. لقد بنيا جسراً فوق الهاوية، والآن، كان عليهما أن يسيروا عليه بحذر وثقة.