قلب طاهر الجزء الثالث
رنين الهاتف القديم
بقلم سارة العمري
كان الليل قد أسدل ستاره على القاهرة، ولكن عقل زينب كان يقظاً، يقلب في ثنايا الذكريات والأحداث. ألقت نظرة سريعة على والدها الذي كان يغفو في مجلسه، محاطاً بالكتب الدينية. كان صوته الهادئ وهو يقرأ القرآن يبعث على الطمأنينة، ولكنه كان أيضاً يذكرها بمسؤوليتها.
استأذنت زينب بالانصراف إلى غرفتها، وحملت معها الرسائل وقطعة القماش "قلب طاهر". جلست على سريرها، وأشعلت مصباحاً ذا إضاءة خافتة. بدأت تقرأ مرة أخرى، تتتبع كل كلمة، كل حرف، محاولة فك شفرة الماضي.
"أحمد، حبيبي، لقد مرّت أسابيع على آخر لقاء لنا. قلبي يتوق إليك. أتمنى أن يكون مشروعك الجديد ناجحاً. إنني أؤمن بك، وأعلم أنك ستكون رجلاً عظيماً."
"مشروع جديد؟" تساءلت زينب في نفسها. ما هو المشروع الذي كانت تعمل عليه والدتها مع أحمد؟ هل كان يتعلق بالمصنع؟
تصفحت رسائل أخرى، وجدت فيها إشارات إلى لقاءات سرية، إلى خطط مستقبلية. كانت والدتها، السيدة فاطمة، شابة مفعمة بالحياة، ترى في أحمد شريك حياتها، وعماد مستقبلها. ولكن في بعض الرسائل، كان هناك شيء من القلق.
"أحمد، لماذا لا تخبر أهلك عني؟ أنت تعلم أنهم لن يوافقوا. أنا أخاف أن يفرقونا." "أحمد، وعدتني أن نتزوج في الحلال. ولكنك تؤجل دائماً. هل لديك شك في قلبي؟"
بدأت زينب تشعر بالأسى لوالدتها. كانت تبدو في هذه الرسائل كفتاة تبذل كل ما في وسعها للحفاظ على حبها، ولكنها كانت تواجه عوائق غير مرئية.
فجأة، انتبهت زينب إلى شيء غريب في إحدى الرسائل. كانت هناك ورقة صغيرة مطوية بعناية، مخبأة بين طيات الرسالة. فتحتها بتردد. كانت عبارة عن ورقة قديمة، تحمل عنواناً مكتوباً بخط جريء: "خطة تطوير مصنع الأقمشة الأصيلة".
تحت العنوان، كانت هناك خطة مفصلة، تتضمن أفكاراً لإنتاج أقمشة جديدة، مستوحاة من التراث العربي، ولكن بلمسة عصرية. كان هناك رسومات تخطيطية لأشكال هندسية، ونقوش إسلامية، مع اقتراحات لاستخدام مواد طبيعية صديقة للبيئة.
"هذا هو المشروع!" همست زينب. "هذه هي الخطة التي كانت والدتي تعمل عليها مع أحمد."
ثم نظرت إلى اسم في أسفل الصفحة: "بالشراكة مع الحاج محمود". "الحاج محمود؟" تساءلت زينب بدهشة. والدها؟ هل كان والدها جزءاً من هذا المشروع؟
شعرت بأن كل شيء يتشابك. والدتها، أحمد، والدها، والحب القديم. هل كان أحمد مجرد صديق لوالدها، أم كان شريكاً في العمل؟ ولماذا لم يتحدث الحاج محمود عن هذا الأمر أبداً؟
نهضت زينب، واتجهت نحو خزانة والدتها القديمة، التي كانت زينب تحتفظ بها في غرفتها. كانت والدتها قد تركت لها بعض الأشياء الثمينة، بعض الذكريات. فتحت الخزانة، وبدأت تبحث. وبين كومة من الأوشحة الحريرية، وجدت صندوقاً صغيراً.
كان الصندوق معدنياً، عليه بعض الخدوش. فتحته. بداخله، كانت هناك صور قديمة. صور لوالدتها، وهي شابة. وصور لرجل شاب، طويل القامة، ذو ملامح جذابة. كان يبتسم في الصور، وتبدو في عينيه شرارة من الحياة.
"هذا هو أحمد!" قالت زينب بصوت مرتجف. وفي إحدى الصور، كانت والدتها وأحمد واقفين جنباً إلى جنب، أمام مصنع قديم. كانت والدتها سعيدة جداً في هذه الصورة.
ثم وجدت صورة أخرى. كانت لوالدتها، وهي تجلس وحيدة، تنظر إلى الأفق بحزن. بجوارها، كانت هناك قطعة قماش. نفس قطعة القماش التي وجدتها، "قلب طاهر". "هل كانت تحمل حبها لدرجة أنها اختارت اسماً لمشروعها؟" تساءلت زينب.
بعد ذلك، وجدت ورقة أخرى. كانت فاتورة شراء. فاتورة شراء مصنع الأقمشة الأصيلة، باسم "أحمد الصياد".
عاد إلى ذهنها ما قاله والدها عن "حادث غامض". هل كان هذا الحادث مرتبطاً بالمصنع؟ وبالشراكة مع والدها؟
في صباح اليوم التالي، قررت زينب أن تتحدث إلى عمها، الأستاذ خالد. كان خالد رجلاً عملياً، ولديه علاقات واسعة. ربما يعرف شيئاً عن الماضي. "عمي خالد، هل تتذكر السيد أحمد الصياد؟" سألت زينب عندما قابلته في الشركة.
نظر خالد إليها ببعض الدهشة. "أحمد الصياد؟ نعم، أتذكر. كان صديقاً قديماً لوالدي. كان رجل أعمال واعداً. ثم اختفى. قيل إنه تعرض لحادث خسارة فادح، ثم لم يعد له أثر."
"هل كان لديكم أي علاقة به؟" سألت زينب. "قليلة جداً. والدي كان يتحدث عنه بين الحين والآخر. كان لديه مشروع مشترك معه، ولكن لم يكتمل. ثم جاءت ظروف الحياة، وانشغلنا بأمورنا. لماذا تسألين؟"
"وجدنا بعض الرسائل والأوراق القديمة لوالدتي." قالت زينب، محاولة أن تبدو هادئة. "وتشير إلى هذا الرجل."
"آه، السيدة فاطمة." قال خالد بابتسامة حزينة. "كانت امرأة رائعة. كانت تحب أحمد كثيراً. ولكن الأمور لم تسر كما كانت تتمنى. ثم تزوجت الحاج محمود، ونسينا هذا الأمر. الحياة تمضي."
"هل كان هناك أي خلافات بين والدك، الحاج محمود، وأحمد؟" سألت زينب. تردد خالد قليلاً. "الخلافات في العمل واردة يا زينب. ولكن أعتقد أن النهاية كانت مأساوية جداً. ربما كان هناك سوء تفاهم، أو خسارة مالية كبيرة. لا أتذكر تفاصيل كثيرة."
شعرت زينب بأن الحقيقة ما زالت بعيدة المنال. كانت هناك خيوط متشابكة، ولكنها لم تستطع ربطها كلها.
في المساء، بينما كانت زينب تعمل على تصميمات برج النيل، استلمت رسالة نصية على هاتفها. "لدي معلومات عن أحمد الصياد. إذا كنتِ تريدين معرفة الحقيقة، تواصلي معي."
كان الرقم مجهولاً. شعرت زينب بالخوف، ولكن الفضول كان أقوى. لمن ستقول؟ لوالدها؟ لعمها؟ أم ستبدأ هذه الرحلة بمفردها؟
نظرت إلى صورة والدتها في إطارها الفضي. "لقد بدأت أفهم يا أمي. وسأجد الحقيقة." أخذت نفساً عميقاً، وبدأت تكتب رداً على الرسالة. "من أنت؟ وماذا تعرفين؟"
نظرت إلى شاشة هاتفها، وشعرت بأن الباب قد فُتح على مصراعيه، وستدخل إلى عالم من الأسرار والحقائق التي قد تغير كل ما تعرفه.