قلب طاهر الجزء الثالث
ظلال الماضي وعقود الحاضر
بقلم سارة العمري
كانت عبارة "من أنت؟ وماذا تعرفين؟" تتراقص على شاشة هاتف زينب، حاملة معها ثقل المجهول. انتظرت بقلب يخفق، وصوت أنفاسها بالكاد يُسمع. بعد دقائق بدت وكأنها دهور، وصلت رسالة أخرى، أكثر إيجازاً، وأكثر إثارة للريبة.
"لن أخبركِ باسمي. ولكن أحمد الصياد لم يكن مجرد شريك لوالدك. كان لديه ديون كبيرة، وخسائر فادحة. وعندما اختفى، ترك خلفه ديوناً ضخمة. البعض يقول إنه هرب، والبعض يقول إنه انتحر. ولكن الحقيقة، أن مصنع الأقمشة الأصيلة تم شراؤه بثمن بخس بعد إفلاسه. والصفقة تمت بذكاء، ولصالح شخص معين."
"شخص معين؟ من هو؟" كتبت زينب بسرعة، وقد بدأت تدرك خطورة ما تقرأه. "هذا الشخص الذي يريده الجميع أن يبقى في الظلام. شخص استخدم يأس أحمد، واستغل طيبة والدك. لقد أراد أن يقضي على المنافسة، وأن يبني إمبراطوريته على أنقاض الآخرين."
"هل تقصد أن السيد خالد له يد في هذا؟" سألت زينب، مع شعور غريب بالذنب وهي تذكر اسم عمها. "لا أستطيع أن أقول ذلك صراحة. ولكن فكري بعمق. من الذي ربح أكثر من كل هذا؟ من الذي استطاع أن يشتري ما يخص الآخرين بثمن بخس؟"
"ولكن عمي خالد كان يعمل دائماً مع والدي. كانا فريقاً." "الفريق يكون قوياً عندما يكون هناك ثقة متبادلة. ولكن الثقة يمكن أن تُخان. فكري في برج النيل. فكرة عمك خالد. هل هي مجرد فكرة جديدة، أم أنها محاولة لطمس ماضي قديم؟"
"ما علاقة برج النيل بالموضوع؟" سألت زينب، وقد شعرت بأن الخيوط بدأت تتشابك بطريقة مربكة. "المصنع القديم، حيث كان يتم إنتاج الأقمشة. هل تعرفين ما هو الآن؟ لقد تم هدمه، وتم بناء مركز تجاري ضخم مكانه. مركز تجاري ناجح جداً. وهذا المركز، هو جزء من الإمبراطورية التي بناها عمك خالد. هل يبدو لك هذا مصادفة؟"
تساءلت زينب في نفسها. لم تكن تعرف هذه التفاصيل. لطالما اعتقدت أن عمها خالد رجل أعمال ناجح، ولكنها لم تكن تعلم أنه بدأ مسيرته بشراء مصنع في الظروف التي وصفتها الرسائل.
"وماذا عن والدتي؟" سألت زينب. "هل كانت تعلم بهذا؟" "السيدة فاطمة كانت تعلم أن هناك شيئاً غير صحيح. كانت تبحث عن الحقيقة. ولكنها لم تجد الوقت الكافي. ربما كانت تبحث عن إجابات عندما وافتها المنية."
"ولماذا تركتِ لي هذه المعلومات؟" سألت زينب، وهي تشعر بالرهبة. "لأنني أؤمن بأن الحقيقة يجب أن تظهر. ولأنني أؤمن بأنكِ، بصفتك ابنة السيدة فاطمة، وابنة الحاج محمود، لديك الحق في معرفة ما حدث. ولكن احذري. هناك أشخاص لا يريدون لهذه الحقيقة أن تظهر. وسيتمسكون بما لديهم بكل قوتهم."
"من أنت؟" كررت زينب، ولكن لم تأتِ إجابة. صمتت الشاشة، وترك زينب مع خليط من المشاعر المتضاربة: الغضب، والخوف، والحزن، والشعور بالمسؤولية.
في اليوم التالي، ذهبت زينب إلى الشركة، ولكن عقلها كان لا يزال مشغولاً بالرسائل. نظرت إلى يوسف، الذي كان يعمل بنشاط على التصميمات. بدا واثقاً، وعيناه تلمعان بالحماس. هل كان يوسف يعلم شيئاً عن هذا التاريخ؟ هل كان عملاً مدبراً من قبل والده؟
"ما الذي تفكرين فيه؟" سأل يوسف، ملاحظاً نظرتها. "لا شيء مهم. كنت أفكر فقط في حجم العمل الذي أمامنا." قالت زينب، محاولة أن تبدو طبيعية.
"نحن نقوم بعمل رائع." قال يوسف بابتسامة. "أعتقد أن هذا البرج سيصبح تحفة معمارية. وسيكون دليلاً على أن إرثنا لا يزال قوياً." "إرثنا؟" تساءلت زينب. "هل تقصد إرث العائلة؟" "بالتأكيد. إرث الحاج محمود، وإرث جدنا العظيم. ولكن أيضاً، إرث الابتكار والتطور. والدليل على أننا قادرون على الجمع بين الأصالة والحداثة."
بدأت زينب تشعر بأنها في دوامة. هل كان يوسف بريئاً؟ أم كان جزءاً من خطة أكبر؟ لم تستطع أن تتخلص من الشك.
عادت زينب إلى منزلها، وشعرت بأنها بحاجة للتحدث مع شخص. والدها، الحاج محمود، كان في المسجد. جدتها، الحاجة عائشة، كانت نائمة. ذهبت إلى مكتبة والدها. هناك، وجدت صوراً قديمة للعائلة. التقطت صورة لوالدتها مع والدها، وكانان في قمة السعادة. ثم صورة لوالدها مع عمه خالد، وهما في شبابهم، يبدوان كصديقين حميمين.
"هل كانت هناك خلافات بينهما؟" تساءلت زينب. جلست على كرسي والدها، وأخذت قطعة قماش "قلب طاهر" مرة أخرى. بدأت تتأمل فيها. النقوش كانت جميلة، ولكنها كانت معقدة. بدا وكأنها تحمل قصة.
"قلب طاهر". هل كان هذا وصفاً لمشاعر والدتها؟ أم وصفاً لرجل؟ بدأت تتذكر ما قالته جدتها. "أحمد كان شاباً طيباً، ولكنه كان يملك بعض العيوب. كان مندفعاً أحياناً، وغير صبور." هل كان هذا "القلب الطاهر" الذي تتحدث عنه الرسائل، هو قلب أحمد؟ أم قلب والدتها؟
شعرت زينب بأنها بحاجة إلى دليل مادي، شيء يمكنها أن تواجه به عمها. ولكن ما هو هذا الدليل؟
في اليوم التالي، ذهبت زينب إلى المصنع القديم الذي أصبح الآن مركزاً تجارياً. نظرت إلى المبنى الضخم، الزجاجي، واللامع. كان يعكس الشمس بقوة، وكأنه يستعلي على كل شيء. تخيلت المصنع القديم، وما كان يمثله لوالدتها وأحمد.
"كيف يمكن أن يتحول الحلم إلى كابوس؟" تساءلت في نفسها. "أحلام كثيرة تحطمت هنا." سمعت صوتاً خلفها. استدارت زينب، فوجدت رجلاً مسناً، يقف بالقرب منها. كان وجهه مليئاً بالتجاعيد، وعيناه تحملان حكمة السنين.
"من أنت؟" سألت زينب. "أنا حارس قديم لهذا المكان." قال الرجل. "شهدت الكثير هنا. شاهدت الأمل، وشاهدت الخسارة." "هل تعرف شيئاً عن السيد أحمد الصياد؟" سألت زينب. ابتسم الرجل ابتسامة باهتة. "أحمد الصياد. نعم، كان رجلاً طيباً، ولكن أحلامه كانت أكبر من قدراته. ثم جاءت الخسائر. والبعض يقول إنه... لم يعد موجوداً."
"حادث؟" سألت زينب. "قيل ذلك. ولكن في عالم الأعمال، الأقوال تختلف. البعض يقول إنه هرب. والبعض يقول إن هناك من دفعه إلى الهاوية."
"ومن هو هذا الشخص؟" "الشخص الذي يملك القوة. الذي يستغل ضعف الآخرين. لقد رأيت الكثير من هذا في عالم المال والأعمال."
"هل كان هناك خلاف بينه وبين السيد الحاج محمود؟" "لا، الحاج محمود كان رجلاً طيباً، لم يكن له أعداء. ولكن كان لديه شريك، كان طموحاً جداً. طموح لم يعرف حدوداً." "هل تقصد السيد خالد؟" سألت زينب، بجرأة.
تنهد الرجل. "لا أستطيع أن أؤكد شيئاً. ولكنني أقول لكِ، يا ابنتي. بعض الأبواب، من الأفضل أن تبقى مغلقة. وبعض الحقائق، قد تكون مؤلمة."
شعرت زينب بأنها تقف على حافة الهاوية. كلما اقتربت من الحقيقة، كلما زادت الأمور تعقيداً. نظرت إلى المركز التجاري الضخم، وشعرت بأنها تقف أمام جدار من الزجاج، يعكس وجهها، ولكنها لا تستطيع أن ترى ما خلفه.
"شكراً لك." قالت زينب، ثم غادرت المكان، حاملة معها المزيد من الأسئلة، والمزيد من الشكوك.
في تلك الليلة، بينما كانت تجلس وحدها في غرفتها، تلقت رسالة أخرى من الرقم المجهول. "لقد قمت ببحثي. الحقيقة مؤلمة. والدك كان يملك أسهم المصنع، ولكنه لم يكن يعرف بخطة عمك خالد. عندما اختفى أحمد، كان عمك خالد هو الوحيد الذي استفاد. لقد أخذ كل شيء. ووالدتك حاولت أن تواجهه، ولكنها لم تستطع. قبل وفاتها، كانت تخطط لمواجهة عمه، ولكن الوقت لم يسعفها."
"ولكن كيف؟" كتبت زينب. "لدي وثائق. وثائق تثبت كل شيء. ولكن يجب أن نلتقي. في مكان آمن. غداً، الساعة الثالثة بعد الظهر. عند مقهى النيل القديم. لا تخبري أحداً. خاصة الحاج محمود. إنه رجل طيب، ولا يستطيع تحمل هذا الثقل."
شعرت زينب بالخوف يتملكها. هل كان هذا فخاً؟ أم أنها أخيراً ستحصل على الحقيقة؟ نظرت إلى صورة والدتها، وشعرت بأنها مدفوعة بالحب، وبالرغبة في تحقيق العدالة.
"سأكون هناك." كتبت زينب، وعقدت العزم على كشف كل شيء.