قلب طاهر الجزء الثالث

العزلة القسرية وظلال الماضي

بقلم سارة العمري

مرت أيامٌ ثقيلة على "ليلى"، لم تعد تشعر فيها ببريق الحياة الذي كان يملأ وجودها. انعزلت عن العالم، محاطة بجدران صمت أقامتها هي بنفسها. لم تكن الوحدة اختيارًا، بل كانت عقابًا ذاتيًا فرضته على روحها التي بدت أثقل من أن تحتمل. استيقظت في أحد صباحات الشتاء القارس، والشمس بالكاد استطاعت أن تخترق ستار الغيوم السوداء الذي خيّم على سماء المدينة. نظرت إلى انعكاس وجهها في المرآة، شابحتٍ، منهكة، تائهة. تلك العينان اللتان كانتا تلمعان بالأمل، غاصتا في بحر من الحزن العميق.

كانت "ليلى" قد اعتادت على حياةٍ هادئة، تدور في فلكٍ صحيٍّ من العمل الجاد، والقيم العائلية الراسخة، والعبادات التي تمنح الروح سكينة. لكنّ الصدمة التي هزّت أركان حياتها، والتي تمثلت في اكتشافها لأمرٍ ما يخصّ "فهد" لم يكن لها أن تتوقعه أبدًا، قد قلبت موازين كل شيء. لم يكن الأمر يتعلق بخيانةٍ بالمعنى المفهوم، بل كان يتعلق بضعفٍ بشريٍّ، بانهيارٍ أخلاقيٍّ، ألقى بظلاله القاتمة على الصورة المثالية التي رسمتها له في مخيلتها.

أصابعها ارتجفت وهي تتلمس خصلات شعرها المتناثرة. تذكرت كيف كانت "فهد" يغمرها بالحب والرعاية، كيف كان يمثل لها السند والأمان. لكنّ هذا الضعف الذي انكشف، كان أشبه بسقوطٍ مدوٍّ من عليائها، جعلها تتساءل عن حقيقة كل ما عاشته. هل كانت مجرد وهم؟ هل كانت تعيش قصة حبٍّ نسجتها هي بيديها فقط؟

في هذه الأيام، لم تعد تطمئن لـ"فهد". كل كلمةٍ قالها، كل فعلٍ قام به، بات يخضع لتدقيقٍ قاسٍ من عقلها المنهك. كانت تراقب تصرفاته بعينٍ يملؤها الشك، تبحث عن أيّ إشارةٍ تؤكد مخاوفها، أو تعيد إليها ثقتها المفقودة. كلّما حاول "فهد" التقرب منها، ابتعدت عنه، شعرت بغرابةٍ تجاهه، كأنها تلتقي به لأول مرة. لم تستطع أن تسامحه بسهولة، لم تستطع أن تتجاوز ذلك الخطأ الذي تغلغل في صميم علاقتها به.

في إحدى الأمسيات، بينما كانت "ليلى" تحتسي كوبًا من الشاي الساخن، وهي تجلس في شرفتها المطلة على حديقةٍ غارقةٍ في ظلام الليل، سمعت صوت بكاءٍ خفيٍّ قادمٍ من غرفة "أمها". انقبض قلبها، وتوجهت مسرعةً نحوها. وجدت "أمها" جالسةً على سريرها، ودموعها تنهمر كشلالٍ حزين.

"ما بكِ يا أمي؟" سألت "ليلى" بقلقٍ شديد.

احتضنتها "أمها" بحرارة، وبدأت في سرد قصتها، قصةٌ كانت تحمل في طياتها آلامًا دفينة، وجراحًا لم تندمل. تحدثت عن أيامٍ مضت، عن زوجٍ تركها في وقتٍ عصيب، عن ابنٍ اختار طريق الضياع. كانت الأم، "عائشة"، تحمل على عاتقها ثقل عائلةٍ كبيرة، وعبء مسؤولياتٍ جعلتها تعيش حياةً مليئةً بالمرارة.

"ليلى يا ابنتي،" قالت "عائشة" وصوتها يرتجف، "لقد كنتُ أتمنى أن أراكِ سعيدةً، أن تعيشي حياةً هانئةً مع زوجٍ صالح. لكنّ ما رأيته منكِ مؤخرًا، من حزنٍ وهمٍّ، يجعل قلبي يتألم. أتعرفين، في هذه الدنيا، لا يخلو بيتٌ من همٍّ، ولا قلبٌ من جرح. لكنّ الإيمان هو البلسم الشافي، والصبر هو مفتاح الفرج."

أصغت "ليلى" لكلام والدتها بصمتٍ، تشعر بأنّ ثقل الهموم قد زاد، وأنّ دائرة الأحزان بدأت تتسع. كانت ترى في وجه والدتها تعب السنين، وفي عينيها بقايا أحلامٍ مكسورة. هذا الحديث زاد من قلقها على مستقبلها، وعلى مستقبل عائلتها. هل كان قدرها أن تعيش في دوامةٍ من الألم، كما عاشت والدتها؟

في تلك الليلة، لم تستطع "ليلى" النوم. استيقظت في منتصف الليل، وشعرت برغبةٍ ملحةٍ في الخروج. ارتدت ملابسها بسرعة، وخرجت من المنزل متسللةً. لم تكن تعرف إلى أين تتجه، كل ما شعرت به هو حاجةٌ ماسةٌ للتنفس، للهرب من سجن أفكارها.

سارت في شوارع المدينة الهادئة، والأضواء الخافتة تتراقص على الأرصفة. وجدت نفسها تقف أمام بابٍ صغيرٍ شبه مخفيٍّ في زقاقٍ ضيق. بابٌ لم تكن قد انتبهت له من قبل. دفعت الباب ببطء، لتجد نفسها في مكانٍ غريب، مكانٌ تفوح منه رائحة التبغ والبخور. كان المكان مظلمًا، ولكنّ الإضاءة الخافتة من بعض المصابيح الحمراء، كشفت عن وجود عددٍ من الأشخاص، جالسين في دوائر، يتحدثون بصوتٍ منخفض.

كانت "ليلى" قد سمعت قصصًا عن مثل هذه الأماكن، أماكنٍ يلجأ إليها الناس للهروب من واقعهم، للغوص في عوالمٍ أخرى. شعرت برغبةٍ غامضةٍ في معرفة ما يدور في هذا المكان. تقدمت بخطواتٍ مترددة، ووجدت نفسها أمام طاولةٍ قديمة، يجلس خلفها رجلٌ مسنٌّ، ذو وجهٍ متجعدٍ وعينين حادّتين.

"ماذا تريدين يا بنيتي؟" سأل الرجل بصوتٍ أجش.

ترددت "ليلى" قليلًا، ثم قالت بصوتٍ ضعيف: "أريد... أريد أن أنسى."

ابتسم الرجل ابتسامةً واسعة، كشفت عن أسنانٍ صفراء. "النسيان هنا متاح، ولكنه بثمن. هل أنتِ مستعدةٌ لدفعه؟"

لم تكن "ليلى" تفهم تمامًا ما يعنيه الرجل، ولكنّ يأسها كان قد وصل إلى ذروته. شعرت بأنّ هناك شيئًا ما في هذا المكان قد يمنحها الراحة التي تبحث عنها، حتى لو كانت مجرد راحةٍ مؤقتة. وافقت على شروطه، دون أن تدري أنها كانت تخطو نحو مصيرٍ مظلم، وأنّ هذا المكان سيكون بدايةً لانهيارٍ أعمق، لم تكن تتخيله يومًا. كانت تلك الليلة، ليلةً فارقةً في حياة "ليلى"، بدايةٌ لرحلةٍ ستكشف لها عن جوانب مظلمةٍ في نفسها، وعن قوةٍ كامنةٍ يمكن أن تحول حياتها رأسًا على عقب.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%