قلب طاهر الجزء الثالث
دوامة الهروب ونداء الواجب
بقلم سارة العمري
أخذت "ليلى" تدريجياً تغوص في عالمٍ لم تعهده، عالمٍ بدأ كملجأٍ مؤقتٍ من آلامها، ليتحول مع الأيام إلى قيدٍ لا تدرك حجمه. ذلك المكان الذي وصفته بالغريب، لم يكن سوى وكرٍ لمجموعةٍ من الأشخاص الذين يبحثون عن مخرجٍ من واقعهم المؤلم، باستخدام وسائلٍ قد تكون مدمرة. كان الرجال والنساء هناك، يتبادلون الأحاديث بصوتٍ خفيض، وأعينهم تحمل مزيجًا من الحزن واللامبالاة. لم تكن "ليلى" تدرك أن ما كانت تبحث عنه من نسيان، هو في حقيقته بدايةٌ لتعلقٍ سيء.
في كل مرةٍ كانت تذهب فيها إلى ذلك المكان، كانت تشعر بلحظةٍ من الهدوء المصطنع، قبل أن تعود الأفكار والأحزان لتتسلل إلى قلبها. كانت تجلس بصمتٍ، تستمع إلى قصص الآخرين، ترى في وجوههم انعكاسًا لبعضٍ من معاناتها. لم تكن تدرك أنها بدأت تتقبل هذا العالم، وأنّ حدودها الأخلاقية بدأت تتلاشى شيئًا فشيئًا.
"فهد"، في هذه الأثناء، كان يعاني من قلقٍ شديد. اختفاء "ليلى" المفاجئ، وعدم ردها على اتصالاته، كانا كفيلين بجعله يشعر بأنّ الأرض قد اهتزت من تحت قدميه. حاول أن يتواصل معها، عبر أصدقائها المقربين، لكنّ جميع محاولاته باءت بالفشل. كان يشعر بأنّ شيئًا ما قد تغير، وأنّ هناك جدارًا قد نصب بينه وبين "ليلى"، جدارًا لم يستطع فهم سببه.
تذكر "فهد" بوضوحٍ تلك اللحظة التي انكمشت فيها "ليلى" أمام عينيه، وكأنها قد رأت فيه شيئًا لم تكن تتوقع رؤيته. لقد حاول أن يشرح لها، أن يوضح لها حقيقة الأمر، لكنّ كلماته بدت ضائعةً في بحرٍ من الغضب والصدمة. لقد كان يعلم بأنّ هناك خطأً قد حدث، خطأً ارتكبه هو، ولكنه كان يأمل أن تكون "ليلى" قادرةً على مسامحته، وأن تعود الأمور كما كانت.
في أحد الأيام، وبينما كان "فهد" يتجول في أحد الأحياء القديمة من المدينة، بحثًا عن أيّ أثرٍ لـ"ليلى"، لمح من بعيدٍ أمرأةً ترتدي ملابس غريبة، وتخرج من مدخلٍ شبه مخفيٍّ في زقاقٍ ضيق. شيءٌ ما في حركاتها، في هيئتها، لفت انتباهه. اقترب بحذر، وشعر بقلبه يخفق بقوة. لقد تعرف على "ليلى".
لم يصدق "فهد" ما تراه عيناه. كيف يمكن لـ"ليلى" التي يعرفها، الفتاة الهادئة، المحافظة، أن تكون في مثل هذا المكان؟ لقد بدت شاحبةً، ومنهكةً، وكأنّ وهج الحياة قد غاب عنها. لم يستطع أن يفهم ما الذي دفعها إلى هنا. هل كانت تبحث عنه؟ أم أنها كانت تهرب منه؟
تبعتها "ليلى" بصمتٍ، وراقبها وهي تدخل إلى ذلك المكان. شعر بغصةٍ في حلقه. لقد رأى في تلك اللحظة ضعفًا في "ليلى" لم يكن يعرف بوجوده. لقد أدرك أن الصدمة التي تعرضت لها، ربما قد أثرت عليها بعمقٍ أكبر مما كان يتصور.
في داخل ذلك المكان، كانت "ليلى" تتحدث مع الرجل المسن. كانت تبدو مترددةً، وكأنها في صراعٍ مع نفسها. استمع "فهد" إلى بعضٍ من كلماتها، وسمعها تقول: "لقد ضاقت بي الدنيا، ولا أجد سبيلًا للراحة."
شعر "فهد" بالأسف العميق. لقد أدرك أن ما كان يعتقده مجرد سوء تفاهم، قد يكون أعمق من ذلك بكثير. لقد أدرك أن "ليلى" تعاني، وأنها تبحث عن خلاصٍ في مكانٍ قد يكون مدمرًا لها.
خرجت "ليلى" من المكان، وعادت إلى منزلها، لم تدرك أن "فهد" كان يراقبها. في اليوم التالي، قرر "فهد" أن يواجه "ليلى". ذهب إلى منزلها، ولكنه لم يجدها. سأل "أمها"، "عائشة"، فأخبرته أن "ليلى" لم تعد على طبيعتها، وأنها تقضي معظم وقتها في الخارج.
أصبح "فهد" أكثر قلقًا. لقد شعر بأنّ الوضع قد خرج عن السيطرة. لم يكن يريد أن يخسر "ليلى"، ولم يكن يريد أن يراها تضيع. لقد كان يعلم أن ما حدث بينهما، وأنّ ضعفه الذي انكشف، قد أثر عليها بعمق، ولكنه كان مصممًا على استعادة ثقتها، وعلى إعادتها إلى حياتها الطبيعية.
في هذه الأثناء، كانت "أمها" "عائشة"، تشعر بقلقٍ شديد على ابنتها. لقد رأت التغير الذي طرأ عليها، ورأت الضياع في عينيها. حاولت أن تتحدث معها، أن تفهم ما الذي يحدث، لكنّ "ليلى" كانت تتهرب من الحديث، وتفضل العزلة.
"ليلى يا ابنتي،" قالت "عائشة" ذات يومٍ، "ما الذي يقلقكِ؟ تحدثي إليّ، لعلّ الحديث يخفف عنكِ."
نظرت "ليلى" إلى والدتها، وشعرت بأنّ هناك حاجةً للبوح. ولكنّ الكلمات كانت تتجمع في حلقها، وتمنعها من الخروج. "لا شيء يا أمي،" قالت بضعف، "مجرد بعض الهموم."
لم تقنع "عائشة" بهذا الرد. لقد رأت في ابنتها شيئًا لم تكن تستطيع تفسيره. لقد شعرت بأنّ هناك خطرًا يحدق بها، خطرًا لم تكن تعرف مصدره.
في إحدى الليالي، وبينما كانت "ليلى" في ذلك المكان الغريب، بدأت تشعر بالندم. لقد رأت في وجوه الأشخاص هناك، مستقبلها الذي تخشاه. رأت فيهم أرواحًا قد ضاعت، وأحلامًا قد تحطمت. شعرت برغبةٍ قويةٍ في الهروب، في العودة إلى حياتها السابقة، في استعادة نفسها.
ولكنّ هذا الشعور جاء متأخرًا. لقد أصبحت "ليلى" أكثر تعلقًا بهذا العالم، وأصبحت مقاومته أصعب. كانت تشعر بأنّها فقدت السيطرة على حياتها، وأنّها أصبحت أسيرةً لضعفها.
فهد، في هذه الأثناء، لم يستسلم. لقد قرر أن يتخذ إجراءً حاسمًا. لقد أدرك أن "ليلى" في خطر، وأنّ عليه أن يفعل شيئًا لإنقاذها. في الليلة التالية، ذهب "فهد" إلى ذلك المكان، مصممًا على أن يضع حدًا لهذه الدوامة التي بدأت تبتلع "ليلى". لم يكن يعلم ما الذي ينتظره، لكنه كان يعلم بأنّ عليه أن يواجه هذا الخطر، وأنّ عليه أن ينقذ "ليلى"، مهما كان الثمن.