قلب طاهر الجزء الثالث
المواجهة الأولى وحقيقة الضعف
بقلم سارة العمري
وصل "فهد" إلى مدخل ذلك الزقاق الضيق، وقلبه يخفق بعنف. كان الظلام يلف المكان، والصمت المطبق يخيم عليه، كسكتةٍ قبل العاصفة. شعر بقشعريرةٍ تسري في أوصاله، وهو يتذكر آخر مرةٍ رأى فيها "ليلى" تخرج من هذا المكان، شاحبةً، منهكةً. لم يكن الأمر يتعلق بالغيرة، بل كان يتعلق بالخوف العميق من أن تخسرها إلى الأبد، إلى عالمٍ غامضٍ ومجهول.
كانت رائحة البخور والتفاح المحروق تفوح من المكان، تثير في نفس "فهد" شعورًا بالضيق وعدم الارتياح. تقدم ببطء، وكل خطوةٍ كانت تخطوها كانت أثقل من سابقتها. لم يكن يعرف بالضبط ما الذي سيواجهه، هل سيكون هناك أشخاصٌ عدوانيون؟ هل سيتعرض للخطر؟ لكنّ صورة "ليلى" في ذهنها، صورة الفتاة التي أحبها، والتي بدأت تضيع، كانت تدفعه للمضي قدمًا.
وصل إلى الباب الخشبي القديم، الذي كان يرتسم عليه بعض الرسومات الغريبة. دفع الباب ببطء، ودخل إلى الداخل. كان المكان أشبه بمكانٍ مهجور، تتجمع فيه بقايا حياةٍ قديمة. كانت الإضاءة خافتةً، تأتي من بعض المصابيح القديمة التي تتدلى من السقف. رأى عددًا من الأشخاص، جالسين في زوايا مختلفة، يتحدثون بصوتٍ خفيض، أو يحدقون في الفراغ.
لم يلتفت إليه أحدٌ في البداية. كانوا غارقين في عالمهم الخاص، في أحزانهم وآلامهم. شعر "فهد" بأنّه دخيلٌ على هذا المكان، وبأنّه لا ينتمي إليه. لكنّه كان يبحث عن "ليلى"، وكان عليه أن يتحمل كل شيء.
اقترب من الرجل المسن الذي كان يجلس خلف الطاولة القديمة، نفس الرجل الذي تحدثت عنه "ليلى" إليه. كان الرجل يرتدي ملابس فضفاضة، وعلى وجهه آثار الزمن، وعيناه تلمعان ببريقٍ غريب.
"هل تبحث عن شيءٍ ما؟" سأل الرجل بصوتٍ خفيض، دون أن يرفع عينيه عن "فهد".
شعر "فهد" برهبةٍ طفيفة، لكنّه حاول أن يبدو قويًا. "أنا أبحث عن "ليلى". هل رأيتها هنا؟"
ضحك الرجل ضحكةً قصيرةً، خاليةً من أيّ فرح. "ليلى... نعم، "ليلى" تأتي إلى هنا. إنها تبحث عن الراحة، عن النسيان."
"النسيان؟" سأل "فهد" بفضولٍ ممزوجٍ بالقلق. "ماذا يعني النسيان هنا؟"
"النسيان، يا بني، هو أن تتحرر من أثقال الحياة، من ذكريات الماضي، من هموم المستقبل. هنا، نجد ما يعيننا على تجاوز كل ذلك." ثم أشار بيده إلى ما كان أمامه على الطاولة، كؤوسٌ صغيرةٌ مليئةٌ بسائلٍ داكن، وأعشابٌ مجففة، وبخورٌ يشتعل ببطء.
شعر "فهد" بالاشمئزاز. لقد أدرك أن هذا المكان ليس مجرد مكانٍ للراحة، بل هو مكانٌ لتعاطي ما يفسد العقل والروح. لقد فهم الآن لماذا كانت "ليلى" تبدو بهذا الحال، ولماذا كانت تبحث عن الخلاص في هذا المكان.
"ليلى ليست بحاجةٍ إلى هذا،" قال "فهد" بصرامة. "إنها بحاجةٍ إلى العودة إلى حياتها، إلى أهلها، إلى زوجها."
"زوجها؟" ابتسم الرجل مرةً أخرى. "هل أنت زوجها؟"
"نعم، أنا زوجها."
"حسنًا،" قال الرجل، "إذًا، أنت تعلم أن زوجتك مرت بما لم يتحمله الكثيرون. وقد تكون بحاجةٍ إلى بعض الوقت لتتعافى. وربما، تحتاج إلى ما نقدمه هنا، لتتمكن من استعادة قوتها."
اشتد الغضب في صدر "فهد". "أنت لا تفهم شيئًا. ما تقدمونه هنا هو دمار، وليس شفاء. إنه يغرق الروح، ولا يحررها."
"لكلٍّ وجهة نظره، يا بني،" قال الرجل بهدوءٍ مخيف. "والناس هنا، يجدون في ما نقدمه، ما يعينهم على تحمل الحياة. لعلّك أنت أيضًا، لو جربت، ستجد فيه ما يخفف عنك."
"أنا لست بحاجةٍ إلى ذلك،" رد "فهد" بحدة. "أنا بحاجةٍ إلى "ليلى". وأنا لن أدعها تدمر نفسها هنا."
في هذه اللحظة، سمع "فهد" صوتًا قادمًا من زاويةٍ بعيدة. صوتٌ خفيض، يبدو مألوفًا. التفت، ورأى "ليلى" جالسةً في زاويةٍ معتمة، وحدها. كانت تحدق في الفراغ، وكأنها ليست حاضرةً في هذا المكان.
"ليلى!" نادى "فهد" بصوتٍ عالٍ.
تنفضت "ليلى" من شرودها، والتفتت نحوه. بدت عيناها واسعتين، مليئتين بالدهشة والخوف. لم تتوقع رؤيته هنا، في هذا المكان.
"فهد؟" همست بصوتٍ بالكاد يُسمع.
"نعم، أنا هنا يا "ليلى"." تقدم "فهد" نحوها، وعيناه لم تفارق وجهها.
تجمعت الدموع في عيني "ليلى". لقد كانت تشعر بالخجل، بالندم، وبالذنب. لقد أدركت أنها قد أخطأت، وأنها قد ضلت الطريق.
"لقد... لقد ضللت الطريق يا فهد."
"أعرف يا "ليلى"." قال "فهد" بصوتٍ حنون، وهو يجلس بجانبها. "ولكنّ الأمر لم ينتهِ بعد. ما زال بإمكاننا أن نعود."
"كيف؟" سألت "ليلى"، وصوتها يرتجف. "لقد فعلتُ أشياءً... لم أكن أريد أن أفعلها."
"كلنا نخطئ يا "ليلى". كلنا نرتكب أخطاء. المهم هو أن نتعلم من أخطائنا، وأن نحاول أن نصلح ما أفسدناه." مد "فهد" يده، ووضعها برفقٍ على يد "ليلى". شعرت "ليلى" بالدفء، وبالأمان. لأول مرةٍ منذ فترةٍ طويلة، شعرت بأنّ هناك يدًا تمسك بيدها، يدًا لن تتركها.
"لقد ضاق بي الحال يا فهد." قالت "ليلى"، والدموع تنهمر على خديها. "لم أعد أحتمل. لقد كنتُ أحاول أن أنسى، أن أهرب."
"أنا أفهم يا "ليلى"." قال "فهد". "ولكنّ الهروب من المشاكل لا يجعلها تختفي. إنه يجعلها تتفاقم. يجب أن نواجهها، وأن نعمل على حلها. معًا."
نظر الرجل المسن إليهم من بعيد، وعلى وجهه ابتسامةٌ غريبة. لم يتدخل. لقد رأى أن "فهد" قد استعاد "ليلى" منه، وأنّ جهوده قد ذهبت أدراج الرياح.
"هيا بنا يا "ليلى"." قال "فهد"، وهو يساعدها على الوقوف. "حان وقت العودة إلى المنزل."
شعرت "ليلى" بأنّ هناك ثقلًا قد انزاح عن صدرها. لقد أدركت أنها لم تكن وحدها في هذا العالم، وأنّ هناك من يحبها، ومن يريد لها الخير.
بينما كانا يغادران المكان، نظر "فهد" إلى الرجل المسن وقال: "أتمنى ألا يفقد أحدٌ طريقه في بحثه عن الراحة."
خرج "فهد" و"ليلى" من ذلك المكان، تاركين خلفهم الظلام واليأس. كانت الشمس قد بدأت تشرق، تلقي بوهجها الذهبي على المدينة. شعرت "ليلى" بأنّها قد استعادت جزءًا من حياتها، وأنّ هناك أملًا في المستقبل. ولكنّها كانت تعلم أن الطريق إلى الشفاء سيكون طويلاً، وأنّ عليها أن تواجه ضعفها، وأنّ عليها أن تبني ثقتها من جديد.