الزوجة الصالحة الجزء الثاني
همس الياسمين في ليل المدينة
بقلم ليلى الأحمد
كانت نسمةٌ باردةٌ، لطيفةٌ، تتسللُ عبرَ ستائرَ الحريرِ الثقيلةِ، تحملُ معها عبقَ الياسمينِ المتسلقِ على جدرانِ البيتِ القديمِ. في غرفةِ الجلوسِ الواسعةِ، التي أضاءتها قناديلُ نحاسيةٌ تفوحُ منها رائحةُ البخورِ العطريِّ، جلستْ "سارة" على كنبتها المخمليةِ، وأصابعُها الرقيقةُ تنقرُ بنعومةٍ على لوحةِ مفاتيحِ حاسوبها المحمولِ. كانتْ عيناها الزرقاوانِ، تتلألآنِ في ضوءِ الشاشةِ الخافتِ، ترسمانِ خطوطَ قصةٍ جديدةٍ، قصةً بدأتْ أحداثُها تتكشفُ أمامهَا كزهرةٍ تتفتحُ في فجرٍ جديدٍ.
فجأةً، اهتزَّ هاتفُها الجوالُ، فأمسكتْ بهِ بخفةٍ، ورأتْ اسمَ "أبيها" يظهرُ على الشاشةِ. ابتسمتْ برقةٍ، فقد كانتْ تنتظرُ اتصالَهُ منذُ فترةٍ، ولم تكنْ تعلمُ ما سيحملُهُ لها هذا اللقاءُ المرتقبُ.
"أهلاً يا أبي," قالتْ بصوتٍ هادئٍ، يخالطُهُ بعضُ الرهبةِ.
"سارةُ حبيبتي، كيفَ حالكِ؟" جاءَ صوتُ والدها "خالدٍ" القويُّ، المليءُ بالحنَانِ، من الطرفِ الآخرِ.
"الحمدُ للهِ يا أبي، كلُّ شيءٍ على ما يرامِ. وأنتَ، كيفَ صحتكَ؟"
"بخيرٍ وعافيةٍ، طالما أني أسمعُ صوتَكِ. لديَّ خبرٌ سارٌّ لكِ يا ابنتي."
توقفتْ سارةُ عن النقرِ على المفاتيحِ، وأصغَتْ بإنصاتٍ، قلبُها يخفقُ بسرعةٍ. كانتْ تعلمُ أنَّ والدها، الذي كانَ رجلَ أعمالٍ ناجحًا، نادرًا ما يبدأُ حديثًا كهذا إلا إذا كانَ يحملُ حدثًا جللًا.
"خيرٌ يا أبي، تفضلْ," قالتْ، وحاولتْ أنْ تبدوَ هادئةً.
"تذكرينَ الصديقَ القديمَ، "حسنَ"؟ زميلي في الجامعةِ، والذي كنتُ أحدثكِ عنه دائمًا؟"
"نعم يا أبي، أتذكرُهُ. كيفَ حالهُ؟"
"إنهُ بخيرٍ. وقد جاءَ إلى المدينةِ مؤخرًا. وزوجتهُ، رحمها اللهُ، تركتْ لهُ ولدًا وحيدًا، شابٌّ اسمهُ "مالكٌ"، بدأَ عملهُ الخاصَّ مؤخرًا. ولأنَّ "حسنًا" لا يملكُ من الدنيا سواهُ، فقد أرادَ أنْ يستقرَّ قليلًا، ويجدَ لهُ رفيقًا في هذهِ الرحلةِ."
شعرتْ سارةُ ببرودةٍ تسري في أطرافِها، أدركتْ ما يرمي إليهِ والدها، ولكنها قررتْ أنْ تدعهُ يكملُ.
"لقد رأى "حسنٌ" صورتكِ قبلَ سنواتٍ، عندما كنتِ في حفلِ تخرجِ أخي "أحمدٍ"، وأعجبَ بكِ كثيرًا. وقد تحدثَ إليَّ مؤخرًا، وعرضَ عليَّ أنْ يكونَ "مالكٌ" رجلًا مناسبًا لكِ. لقد أثنى عليهِ كثيرًا، وقالَ إنَّهُ شابٌّ ملتزمٌ، خلوقٌ، وطموحٌ."
سارةُ، رغمَ هدوئها الظاهريِّ، كانتْ تشعرُ بالضياعِ. كانتْ في أواخرِ العشريناتِ من عمرها، وقد فشلتْ محاولاتٌ سابقةٌ لزواجها. كانتْ قد كرستْ حياتها للكتابةِ، ولم تكنْ تفكرُ في الارتباطِ في الوقتِ الحاليِّ. ومع ذلك، كانَ لكلمةِ والدها وزنٌ وثقلٌ.
"أبي، أنتَ تعلمُ أنني لستُ مستعدةً الآنَ. تركيزي كلهُ على عملي."
"يا ابنتي، الحياةُ ليستْ كلها عملًا. وأنا لا أريدُ لكِ إلا السعادةَ. "مالكٌ" شابٌّ واعدٌ، وأظنُّ أنَّهُ سيكونُ لكِ سندًا وعونًا. ألن تسمحي لي بترتيبِ لقاءٍ بسيطٍ بينكما؟ مجردُ تعارفٍ، لن تخسري شيئًا."
كانَ صوتُ والدها يحملُ رجاءً صادقًا، جعلَ سارةَ تشعرُ بالذنبِ لرفضها. لطالما كانتْ العلاقةُ بينها وبينَ والدها قويةً، مبنيةً على الاحترامِ والحبِّ المتبادلِ.
"حسناً يا أبي," قالتْ بضعفٍ، "ولكن بشرطٍ واحدٍ."
"ما هوَ؟"
"أنْ يكونَ اللقاءُ في مكانٍ عامٍّ، وأنْ يكونَ قصيرًا. مجردُ قهوةٍ سريعةٍ، أليسَ كذلك؟"
"بالتأكيدِ يا غاليتي، كما ترينَ. سأخبرُ "حسنًا" بذلكَ. كنْ مستعدةً غدًا مساءً."
أغلقتْ سارةُ الهاتفَ، وشعرتْ بثقلٍ يلقي بظلالهِ على صدرها. نظرتْ إلى الشاشةِ المضيئةِ، إلى الكلماتِ التي كانتْ تنسجُها، وبدأتْ تتساءلُ: هل يمكنُ لكاتبةٍ مثلي، تعيشُ في عالمِ الخيالِ، أنْ تجدَ واقعًا يتناسبُ معَ أحلامها؟ هل يمكنُ لهذا "المالكِ" أنْ يكونَ بطلَ قصتها الحقيقيةِ، أمْ مجردَ شخصيةٍ عابرةٍ ستُضافُ إلى سجلِ خيباتِ الأملِ؟
في الخارجِ، بدأَ الليلُ ينسدلُ بهدوءٍ على المدينةِ، وأضواءُ الشوارعِ بدأتْ تتلألأُ كنجومٍ صغيرةٍ. وداخلَ هذا البيتِ الهادئِ، كانتْ قصةٌ جديدةٌ على وشكِ البدءِ، قصةٌ نسجتْ خيوطُها الأولى في همسِ الياسمينِ، وفي ترقبٍ حذرٍ لغدٍ غامضٍ.