الزوجة الصالحة الجزء الثاني
تضارب المشاعر بين العشق والشك
بقلم ليلى الأحمد
تزايد قلق سارة يوماً بعد يوم، وأصبحت تفكر كثيراً في الرسالة الغامضة وفي حديثها مع نادية. كانت تشعر وكأن هناك خيوطاً غير مرئية تربط بين ماضي عائلتها وبين الحاضر. زادت زياراتها لوالدتها، وكلما استعادت ذكرى، كانت تبحث عن أي إشارة، أي لمحة قد تفسر هذه الظلال التي بدأت تغطي حياتها.
في أحد الأيام، وبينما كانت تتفحص بعض أوراق والدتها القديمة، وجدت دفاتراً صغيرة، بخط يد والدتها، كانت عبارة عن يوميات. فتحت أحد هذه الدفاتر بحذر، وبدأت تقرأ. كانت اليوميات تتحدث عن تفاصيل حياتها اليومية، عن حبها لعائلتها، وعن تطلعاتها. ولكن في بعض الصفحات، كانت هناك عبارات تبدو وكأنها تلمح إلى شيء ما.
"اليوم، التقيت بـ 'ع.ك.'. كان لقاءً غير متوقع. أحسست بأن لديه ما يريد قوله، ولكن صمت. الشك يتسلل إلى قلبي."
"الأيام تمضي، وأنا أفكر في تلك الكلمات. هل ما أعتقده صحيح؟ هل هناك شيء يمس سمعة عائلتنا؟"
"لا أستطيع البوح لأحد بما أشعر به. سأحتفظ بهذا السر لنفسي، إلى أن يأتي الوقت المناسب. أو إلى أن أجد الدليل القاطع."
من هو "ع.ك."؟ وما هو السر الذي كانت والدتها تخفيه؟ شعرت سارة بأنها تقترب من كشف الحقيقة، لكنها في نفس الوقت كانت تخشى ما قد تجده. كانت والدتها شخصية نبيلة ومحترمة، ولم تتخيل أبداً أنها قد تحمل سراً كهذا.
كان أحمد يلاحظ التغيير في سارة. بدت شاردة الذهن، وقلقة. حاول مراراً أن يسألها، ولكنها كانت تتجنب الحديث عن الأمر، ربما خوفاً من إثقال كاهله، أو ربما لعدم رغبتها في إدخاله في متاهة قد لا تكون لها نهاية.
"سارة،" قال أحمد في أحد الأيام، وهو يمسك بيدها بحنان، "ما الذي يقلقك؟ أرى الحزن في عينيك. لا تخبئي عني شيئاً. نحن شركاء في هذا الطريق." تنهدت سارة. "أحمد، أخشى أنني قد أزعجتك. ولكنني وجدت بعض المذكرات القديمة لوالدتي، وكانت تتحدث عن أمر غامض، عن سر كانت تخفيه." "ما هو هذا السر؟" سأل أحمد باهتمام. "لا أعرف التفاصيل. ولكنها كانت تشير إلى شخص يدعى 'ع.ك.'، وكانت تشعر بالقلق حول سمعة العائلة."
نظر أحمد إلى سارة بتفهم. "ربما كان الأمر بسيطاً، يا سارة. ربما كان مجرد سوء فهم، أو حدث قديم لم يعد له أهمية." "ولكنها بدت قلقة جداً. وكلماتها كانت تحمل وزناً."
شعر أحمد ببعض التردد. لم يكن يريد أن يخوض في تفاصيل قد لا تعنيه، ولكنه في نفس الوقت كان يشعر بمسؤولية تجاه سارة. "حسناً، إذا كنتِ تعتقدين أن هذا الأمر مهم، يمكنني مساعدتك في البحث. من هو 'ع.ك.'؟ هل هناك أي تفاصيل أخرى؟" "لا. فقط هذا الاختصار."
فكر أحمد في الأمر. "ع.ك." قد يكون اختصاراً لاسم. كان يعلم أن والدي سارة كانا شخصيتين معروفتين في مجتمعهما، وربما كان هناك شخص بهذه الأحرف قد لعب دوراً في حياتهما.
"ربما علينا أن نسأل والدتكِ، إذا كانت بصحة جيدة، قد تعرف شيئاً." اقترح أحمد. "أمي مريضة، أحمد. لا أريد أن أزعجها بأمور قديمة قد تؤلمها." "حسناً، سأتحدث مع والدي، ربما يعرف شيئاً."
تنهدت سارة. "والدي متوفى. لم أتحدث معه عن مثل هذه الأمور." "حقاً؟" قال أحمد بتعجب. "اعتقدت أنكِ قريبة جداً منه." "كنت قريبة، ولكن أمي كانت المقرب الأكثر في أموري الشخصية. والدي كان دائماً مشغولاً بعمله."
شعر أحمد بأن هناك تفاصيل كثيرة عن عائلة سارة لم يعرفها. كان هذا أمراً طبيعياً، ولكن شعوره بالقرب من سارة كان يدفعه لرغبة في معرفة كل شيء عنها.
في تلك الأثناء، كان ع.ك. نفسه، وهو رجل يدعى "عبد القادر الكمال"، يتابع سارة عن كثب. كان يعرف أن مذكرات والدتها قد تسربت، وكان يعلم أن سارة بدأت تشم رائحة الماضي. كان عبد القادر رجلاً نافذاً، لكنه كان يحمل سراً ثقيلاً، سراً يتعلق بماضي والد سارة. كان يعلم أن والد سارة كان مديناً له بشيء كبير، وكان يعتقد أن الوقت قد حان لاستعادة ما يظن أنه حقه.
كانت سارة تشعر بتضارب في مشاعرها. من ناحية، كانت متعلقة بحبها لأحمد، وترغب في بناء مستقبل هادئ معه. ومن ناحية أخرى، كانت تشعر بمسؤولية تجاه ماضي عائلتها، ورغبة جامحة في كشف الحقيقة. كانت تخشى أن يؤثر هذا السر على علاقتها بأحمد، وأن يتسبب في خلق فجوة بينهما.
"أحمد،" قالت سارة بعد فترة، "إذا تبين أن هذا السر يتعلق بشيء قديم، شيء قد يؤثر على سمعة عائلتنا، فماذا يجب أن نفعل؟" ابتسم أحمد ابتسامة مطمئنة. "سارة، إن كنتِ متزوجة مني، فسمعتكِ هي سمعتي، وسمعة عائلتي هي سمعتنا. سنتعامل مع أي شيء معاً. ثقي بي."
شعر أحمد بصدق كلماته. كان يتمنى أن يتمكن من حماية سارة من أي متاعب، وأن يكون لها السند الذي تحتاجه. لكنه في نفس الوقت، كان يشعر بنوع من الغموض حول ماضي سارة، غموض كان يثير فضوله، وبعض القلق. هل كانت هناك حقائق أخرى لم يكشفها له أحد؟
في زاوية أخرى من المدينة، كان عبد القادر الكمال يبتسم بخبث. كان يعلم أن الوقت قد حان ليلعب أوراقه. كان يعرف أن سارة بدأت تقترب، ولكنها لم تكن تعلم أنها تلعب في ملعب قد رسمه لها هو. كانت الأيام القادمة تحمل لها أكثر مما تتخيل.