الزوجة الصالحة الجزء الثاني

الفجر المعلق على حافة الهاوية

بقلم ليلى الأحمد

تسللت خيوط الفجر الأولى، برتقالية بلون الخجل، لتكسر سكون الليل البهيم الذي لفّ مدينة الرياض. لم يكن هذا الفجر عادياً، بل كان يحمل في طياته ثقلاً كبيراً، كغيمةٍ تنذر بوابلٍ قادم. في غرفةٍ اتسمت بجمالٍ هادئ، حيث عبق البخور والورد، استيقظت سارة على صدى كلماتٍ هزّت كيانها. كانت كلمات والدها، التي سمعتها بالأمس عن غير قصد، تتكرر في أذنيها كوشوشاتٍ خبيثة، تخبر عن سرٍ دفين، عن خطأٍ قديم، عن صفقةٍ تمت باسمها دون علمها.

كانت جلستها تلك الليلة مع أهل خطيبها، طارق، لحظةً فارقة. أحاطت بها وجوهٌ اعتادت رؤيتها بابتساماتٍ دافئة، لكنها الآن بدت وكأنها تخفي ألف قناع. سمعت والدها يتحدث عن "التنازلات الضرورية" و"الحفاظ على ما تبقى"، كلماتٌ غامضةٌ ألقت بظلالٍ من الريبة على قلبها. أما طارق، فبدا هادئاً، بل ربما كان هدوؤه هو الأشد إزعاجاً. كانت عيناه، اللتان لطالما بحثت فيهما عن الأمان والحنان، تحملان نظرةً لا تستطيع تفسيرها، نظرةً تحمل خليطاً من الشفقة والأسى، وربما... التقبل.

بعد رحيلهم، استشعرت سارة فراغاً رهيباً. لم يكن الفراغ الذي يأتي بعد ضجةٍ وانتهت، بل كان الفراغ الذي يسبق عاصفةً هوجاء. حاولت استجماع شتات أفكارها، وربما كانت هذه الشتات هي الأصدق. كانت تبحث عن تفسيرٍ منطقي، عن كلمةٍ تفكّ شيفرة هذه الألغاز. أين ذهبت الحقيقة؟ ولماذا شعرت بأنها كانت تعيش في عالمٍ صنعه الآخرون لها؟

نزلت سارة إلى المطبخ، حيث كانت والدتها، أمينة، تعدّ الفطور. تفوح رائحة القهوة والهيل، لكنها لم تعد تمنحها شعوراً بالدفء. "صباح الخير يا ابنتي،" قالت أمينة بابتسامةٍ باهتة، لم تصل إلى عينيها.

"صباح النور يا أمي،" أجابت سارة، جلست أمامها، تراقب يدي والدتها اللتين ترتجفان قليلاً. "أمي، هل يمكن أن نتحدث؟"

نظرت أمينة إليها، وكأنها تعلم ما يدور في خاطرها. "تفضلي يا حبيبتي،" قالت بصوتٍ هادئ.

بدأت سارة، مترددةً في البداية، ثم تدفقت الكلمات منها، تسأل عن ما سمعته، عن الصفقة، عن التنازلات. صمتت أمينة لبرهة، ثم تنهدت. "يا سارة، بعض الأمور لا يمكن للجميع فهمها. الحياة فيها تفاصيل دقيقة، وواجباتٌ لا نستطيع التهرب منها."

"لكن يا أمي، هل كان هذا الأمر يتعلق بي؟ هل كان يتعلق بزواجي؟" كان صوت سارة يرتعش، وكل كلمةٍ خرجت كانت كطعنةٍ جديدة.

"ليست كل القرارات ملك لنا، يا ابنتي. أحياناً، نجد أنفسنا مجبرين على اتخاذ مساراتٍ قد لا نفضلها، من أجل مصلحةٍ أكبر، من أجل استقرارٍ عائلي."

"استقرارٌ مبنيٌ على ماذا؟ على الكذب؟ على إخفاء الحقيقة عني؟" كانت عينا سارة تلمعان بالدموع. "أنا مخطوبةٌ يا أمي، وأحب طارق. أريد أن أكون صريحة معه، أريد أن أبني معه بيتاً على أساسٍ سليم. كيف سأفعل ذلك وأنا أخفي عنه جزءاً من ماضينا، من حاضرنا؟"

"لا تقلقي بشأن طارق،" قالت أمينة بسرعة، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة. "طارق يعلم كل شيء. هو رجلٌ متفهم، وهو من وافق على الأمر."

ارتعش جسد سارة. "طارق يعلم؟" كررت الكلمة بصوتٍ بالكاد مسموع. "وما هو هذا الشيء الذي علمه وسكت عنه؟"

ترددت أمينة، ثم قالت ببطء: "لقد كان هناك... ترتيبٌ ما. يتعلق ببعض الديون القديمة، ورثناها عن جدك. كان من الضروري تسويتها قبل الزواج، ومن أجل ذلك... تم الاتفاق على جزءٍ من أرضٍ ورثتها أنتِ عن والدك. أرضٌ عزيزةٌ على قلبك، أعلم، لكنها كانت السبيل الوحيد."

كانت هذه الكلمات كالصاعقة. لم تعد سارة تتنفس. الأرض التي وهبها إياها والدها قبل وفاته، قطعةٌ من روحه، من ذكرياتهما. كيف يمكن أن يتم التنازل عنها دون علمها؟ ولماذا وافق طارق؟ ألم يكن هذا خيانةً لثقتها؟

"إذن، كل هذا كان... صفقة؟" سألت بصوتٍ متهدج. "زواجي كان صفقة؟"

"ليس كذلك تماماً، يا سارة،" حاولت أمينة تهدئتها. "الأمر معقدٌ أكثر. طارق رجلٌ نبيل، وهو لم يطلب شيئاً. بل هو من وافق على التنازل عن جزءٍ من مهره، لمساعدتنا في تسوية الأمر."

"مهره؟" ارتفع صوت سارة، فقدت السيطرة. "وهو يقبل بهذه الصفقة، ثم يأتي إليّ ويلقي عليّ كلمات الحب والتفهم، وهو يعلم كل شيء؟"

"لا تلوميه يا سارة،" قالت أمينة. "لقد فعل ذلك من أجلنا. من أجل الحفاظ على سمعة العائلة، ومن أجلكِ أنتِ."

لكن سارة لم تعد ترى سوى الخيانة. شعرت بأنها قد تعرضت لخدعةٍ كبرى، وأن عالمها قد انهار من حولها. نظرت إلى والدتها، التي كانت تبدو منهكةً وحزينة، لكن سارة لم تستطع إظهار أي تعاطف. كل ما شعرت به هو غضبٌ عارم، وخيبةٌ عميقة.

"أنا... أنا لم أعد أفهم شيئاً،" قالت بصوتٍ خافت، ثم وقفت بهدوء، وتوجهت نحو غرفتها. أغلقت الباب خلفها، وتركت والدتها وحدها في صمت المطبخ، والصمت الذي ملأ الفراغ الذي تركته سارة.

في غرفتها، جلست سارة على حافة سريرها، تتكئ على الحائط. كانت دموعها تنهمر بلا توقف. لم يكن الأمر متعلقاً بالأرض فقط، بل بالثقة، بالحب. كيف يمكن أن تثق في طارق الآن؟ كيف يمكن أن تبني مستقبلاً مع رجلٍ شارك في خداعها، أو على الأقل، صمت على الخداع؟

تذكرت كلماته الأخيرة، أمس. "سارة، أنا أحبكِ، وسأكون سندكِ دائماً." كيف يمكن أن يكون سندها وهي تشعر بأنها قد غرقت في بحرٍ من الأكاذيب؟

امتدت يدها لتلتقط هاتفها. نظرت إلى صورة طارق، ابتسامته الواثقة، وعينيه اللتين بدتا صادقتين. هل كانت كل هذه مجرد تمثيلية؟ هل كان حبها مجرد وسيلة لتحقيق غاياتٍ أخرى؟

شعرت بأنها في مفترق طرقٍ مظلم. طريقٌ سيؤدي إلى مواجهةٍ مؤلمة، وطريقٌ آخر سيؤدي إلى قبولٍ مريرٍ لحياةٍ لم تخترها. لكنها لم تكن من النوع الذي يستسلم بسهولة. لقد اكتشفت الحقيقة، مهما كانت قاسية. والحقيقة، مهما كانت مؤلمة، هي الخطوة الأولى نحو الخلاص.

نظرت إلى رسالةٍ قديمة من طارق، تتحدث عن بناء بيتٍ في الجنة، عن حبٍ يرضي الله. هل كان هذا هو الطريق الذي يقصده؟ طريقٌ مبنيٌ على خبايا وأسرار؟

قررت. قررت أن تواجه. أن تواجه الجميع. أن تواجه طارق. لم تعد تستطيع العيش في ظل هذا السر. يجب أن تعرف كل شيء، وأن تقول كل شيء. الفجر المعلق على حافة الهاوية قد بزغ، وسارة لم تعد مستعدةً للتراجع. كان عليها أن تقفز، وأن ترى إلى أين ستنتهي بها القفزة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%