الزوجة الصالحة الجزء الثاني
أشباح الماضي ورماد المستقبل
بقلم ليلى الأحمد
ارتسمت على وجه سارة مسحةٌ من التصميم، مزيجٌ من الألم والقوة. لم تعد الطفلة التي عاشت في عالمٍ مظللٍ بالواقع الوردي. لقد استيقظت الآن على حقيقةٍ قاسية، كشمسٍ ساطعةٍ تفضح كل ما كان مخفياً. جلست في غرفتها، تحتضن وسادةً كأنها تحمل بين ذراعيها كل أسرار عائلتها. الهواء المحيط بها كان مشبعاً بعطر الياسمين الذي كانت تحبه، لكنه الآن بدا يخنقها.
صوت أمها، أمينة، كان يأتي من خلف الباب، ناعماً، قلقاً. "سارة، يا ابنتي، افتحي الباب. تحدثي معي."
لم تجب سارة. كانت تستجمع قواها، تستعيد أنفاسها. لم يكن هناك وقتٌ للبكاء. كان هناك وقتٌ للفعل. طارق. اسمها الأول الذي تبادر إلى ذهنها. يجب أن تتحدث معه. الآن. مباشرةً.
ترددت سارة للحظة. هل تستطيع مواجهته مباشرةً؟ هل تستطيع النظر في عينيه وهي تتهمه، أو تسأله عن خداعه؟ لكن فكرة التردد هذه تبخرت أمام قوة الرغبة في اليقين. لم تعد تحتمل هذه الشكوك، هذه الأوهام.
أمسكت هاتفها، ولأول مرةٍ منذ سنوات، بحثت عن رقمه في سجل المكالمات. كان لا يزال هناك، كشاهدٍ صامتٍ على علاقةٍ بدأت بوعودٍ براقة. نقرت على اسمه، ثم أوقفت يدها. ماذا ستقول؟ "صباح الخير طارق، لقد اكتشفت أن زواجنا صفقةٌ وأنك شاركت في خداعي"؟ لا، هذا ليس أسلوبها.
الأفضل هو المواجهة المباشرة. في مكانٍ حيادي. مكانٌ لا يفرض عليهما أجواء العائلة، ولا أجواء المنزل.
كتبت له رسالةً سريعة، كلماتٌ قليلةٌ لكنها تحمل ثقلاً هائلاً: "طارق، أحتاج أن أراك. في أقرب وقت. في مكانٍ هادئ. المسألة ضرورية."
أرسلت الرسالة، ثم وضعت الهاتف على الطاولة. شعرت بأنها قد ألقت حجراً في مياهٍ راكدة. والآن، عليها أن تنتظر المد والجزر.
في هذه الأثناء، كانت أمينة تقف خلف الباب، تشعر بأنها قد ارتكبت خطأً فادحاً. لم تكن تتوقع أن تصل الأمور إلى هذا الحد. كانت تعتقد أن سارة ستتفهم، كما تفهمت هي سابقاً، وكما يفهم الجميع في هذه العائلة. لكن نظرة ابنتها، تلك النظرة التي لم ترها من قبل، أخبرتها بأن شيئاً قد تغير. وأن هذا التغيير لن يكون سهلاً.
جلست سارة على طاولة الطعام، حيث كانت والدتها تنتظرها بصمت. لم تتناول أي شيء. عيناها متجهةٌ نحو النافذة، نحو الشارع الهادئ الذي يلوح بأشجار النخيل. بدت الشمس قاسيةً اليوم، كأنها تحاول كشف كل ما هو مخفي.
"سارة،" بدأت أمينة بصوتٍ متعب. "أعلم أنك تشعرين بالغضب. لكن صدقيني، لم نرد لكِ الأذى. لقد فعلنا كل ما بوسعنا."
"كل ما بوسعكم هو أن تخفوا الحقيقة عني؟ أن تتاجروا بمستقبلي؟" قالت سارة ببرودٍ قاتل، لم تعتده أمها منها.
"الأمر لم يكن كذلك، يا سارة. لقد كان هناك ديون، وضغوطات. والدكِ... ترك لنا عبئاً ثقيلاً. ولم يكن أمامنا حلٌ سوى... التفاوض."
"التفاوض على سعادتي؟ التفاوض على ثقتي؟" رفعت سارة صوتها قليلاً. "هل تعلمين يا أمي، أن طارق يعلم كل شيء؟"
نظرت أمينة إليها بعينين متسعتين. "نعم، لقد أخبرتكِ بذلك. لقد كان شريكاً في الحل."
"شريكاً في الخداع،" صححت سارة. "وهل تعلمين، أن هذه الأرض، هي قطعةٌ من روح أبي؟ هل يعلم طارق هذا؟"
صمتت أمينة. لم تستطع إنكار. "لقد... لقد رأى الأوراق."
"إذاً، هو يعرف. ويعرف أن هذه الصفقة كانت على حساب مشاعري، على حساب ماضيّ، وعلى حساب والدي. ومع ذلك، فقد وافق على الزواج مني؟" كان صوت سارة يحمل سخريةً مريرة.
"لقد وافق لأنه يحبكِ، يا سارة. لقد حاول مساعدتنا. لقد تنازل عن جزءٍ من مهره، حتى لا نضطر لبيع المزيد."
"يساعدنا؟ أم يستغلنا؟" سألت سارة، وكأنها تتحدث إلى نفسها. "إذا كان يحبني حقاً، لكان قد رفض هذه الصفقة. لكان قد قال لي الحقيقة. لكان قد وضعني في الصورة."
"لكننا كنا نخاف عليكِ. كنا نخاف أن تخسري كل شيء."
"بل أنتم خسرتم ثقتي."
صمتت أمينة. عرفت أن كلماتها لم تعد تجدي نفعاً. لقد انكسر شيءٌ ما، شيءٌ لا يمكن إصلاحه بالكلمات.
وصلت رسالةٌ إلى هاتف سارة. "سارة، وصلت. أنا في مقهى 'واحة الصحراء'. القريب من منزلكم. تفضلي."
نظرت سارة إلى الهاتف، ثم إلى والدتها. "سأذهب الآن."
"إلى أين؟" سألت أمينة بقلق.
"لأرى الرجل الذي أحببته، والذي شارك في بناء مستقبلٍ على أساسٍ هش."
قامت سارة، وارتدت عباءتها، وخرجت من المنزل، تاركةً والدتها في صمتٍ موحش.
عندما وصلت إلى المقهى، رأت طارق جالساً وحده في زاوية. كان يبدو هادئاً، لكن عيناه كانت تبحثان في الوجوه القادمة. عندما رآها، ابتسم، لكن الابتسامة لم تصل إلى عينيه.
جلست سارة أمامه. الصمت كان يخيم على الطاولة. رائحة القهوة القوية لم تستطع إخفاء التوتر المتزايد.
"أهلاً بكِ، سارة،" قال طارق بصوتٍ رتيب. "ما الأمر؟ هل أنتِ بخير؟"
"لا، لستُ بخير،" أجابت سارة مباشرةً. "لقد اكتشفت كل شيء، طارق."
تغيرت ملامح وجه طارق. اختفت الابتسامة. تجمّدت نظراته. "ماذا اكتشفتِ؟"
"اكتشفت أن زواجي منك لم يكن حلماً، بل كان صفقة. صفقةٌ تمت دون علمي، وبموافقتك."
شحب وجه طارق. "سارة، الأمور ليست بهذه البساطة..."
"أليست كذلك؟" قاطعته سارة. "لقد علمتِ أن الأرض التي وهبني إياها والدي، والتي تحمل ذكرياتنا، قد تم التنازل عنها. علمتَ أن هذا يتم لإنقاذ سمعة عائلتي، وربما لإنقاذ عائلتك من بعض المشاكل. ومع ذلك، فقد وافقت على الزواج مني."
"لقد فعلت ذلك لأني أحبكِ، سارة. ولأني أردتُ أن أكون بجانبكِ في كل الظروف."
"إذا كنتَ تحبني، لكانت الحقيقة هي أساس حبك. لكانت الصراحة هي لغتك. لكانت الشفافية هي سلوكك. لكنك اخترتَ الصمت. اخترتَ أن تكون شريكاً في خداعي."
"لم أكن أريد أن أخسركِ، سارة. كنتُ أعرف أنكِ ستكرهين هذا الأمر. ولم أستطع أن أفعل شيئاً."
"لا تستطيع فعل شيء؟ ألم يكن بإمكانك أن تقول لي؟ ألم يكن بإمكانك أن تواجهني؟" كان صوت سارة يعلو، والدموع بدأت تتسلل على خديها. "كنتُ أحلم بحياةٍ معك، بحياةٍ مبنيةٍ على الثقة والإيمان. لكن ما وجدته هو أكاذيبٌ وخبايا."
"الأمر لم يكن خداعاً تاماً، سارة. لقد حاولنا حمايتك. ولقد تنازلتُ عن جزءٍ كبيرٍ من مهري، حتى نتمكن من تسوية الأمور. هذا ليس خداعاً، هذا تضحية."
"تضحية؟ أم تلاعب؟" قالت سارة، وهي تنظر إلى يديه التي كانت مرتخية على الطاولة. "لو كانت هذه تضحية، لكانت قد بدأت بالصدق. لو كنتَ تحبني، لكانت أولى تضحياتك هي أن تخبرني بكل شيء. أن تعطيني فرصةً لأقرر. لأقرر ما إذا كنتُ أريد هذا الزواج، أم لا."
"ولكنكِ كنتِ ستخسرين كل شيء. سمعتكِ، ومكانتكِ. أردتُ أن أجنبكِ هذا الألم."
"لقد جنبتني الألم، وأدخلتني في دوامةٍ من الشك والخيانة." وقفت سارة فجأة، وهي تمسح دموعها بيدها. "لا أستطيع، طارق. لا أستطيع أن أبني مستقبلي على هذه الأنقاض. لا أستطيع أن أثق بك. ولا أستطيع أن أبني بيتاً على أساسٍ غير سليم."
كان وجه طارق شاحباً. "سارة، أرجوكِ... انتظري. لنحل الأمر."
"لا يوجد ما يمكن حله، طارق. لقد انكسر شيءٌ لا يعود. يجب أن تدرك هذا."
نظرت إليه للمرة الأخيرة، بعينين تحملان خليطاً من الألم والحزن والخيبة. ثم استدارت، وخرجت من المقهى، وتركت طارق وحيداً مع أشباح الماضي ورماد المستقبل الذي كان يحلم به.