الزوجة الصالحة الجزء الثاني

سيل الدموع وجدار الصمت

بقلم ليلى الأحمد

عادت سارة إلى المنزل، والقلب يخفق بضجيجٍ لا يتوقف. كانت قد خطت خطوةً جريئة، خطوةً لم تكن تتوقع أنها ستتخذها بهذه السرعة. لكن الشعور بالخيانة كان أقوى من أي خوف. رائحة الياسمين في المنزل، التي كانت تبعث على الراحة، أصبحت الآن كعبيرٍ يذكّرها بما فقدت.

وجدتها والدتها، أمينة، جالسةً في الصالة، عيناها حمراوان من البكاء. عندما رأتها، وقفت بسرعة، واندفعت نحوها، وكأنها تريد أن تحتضنها، لكن سارة تراجعت قليلاً، لم تكن مستعدةً للمس.

"سارة... ماذا حدث؟" سألت أمينة بصوتٍ مرتجف. "هل... هل حدث شيءٌ سيء؟"

"لقد أخبرته، يا أمي،" قالت سارة بصوتٍ هادئ، لكنه كان يحمل قوةً هائلة. "أخبرته أنني أعرف. أخبرته أنني لا أستطيع الاستمرار."

تجمّدت أمينة مكانها. بدا عليها الذهول، ثم تساقطت الدموع من عينيها بغزارة. "لا... لا يا ابنتي. أرجوكِ. لم يكن هذا هو الحل."

"وما هو الحل إذاً، يا أمي؟ أن أعيش في كذبة؟ أن أبتسم وأنا أشعر بأن قلبي ينزف؟ أن أتزوج رجلاً لا أستطيع أن أثق به؟"

"لكن طارق... لقد كان يحاول مساعدتنا. لقد ضحى بالكثير."

"ضحى؟ أم تلاعب؟" كررت سارة كلمتها. "إذا كان يحبني، لكانت تضحيته الأولى هي أن يقول لي الحقيقة. أن يضعني في الصورة. أن يعطيني الاختيار. لكنه اختار أن يشارككم في إخفاء الأمر عني. هذا ليس حباً، هذا خداع."

"لكنه فعل ذلك من أجلكِ، سارة. لكي لا تخسري كل شيء."

"بل خسرتُ شيئاً أهم، يا أمي. خسرتُ ثقتي. وخسرتُ جزءاً من قلبي." جلست سارة على أريكة، وأمسكت برأسها بين يديها. "لم يعد هناك شيءٌ يمكن قوله. لقد اتخذتُ قراري."

"ما هو قراركِ؟" سألت أمينة بلهفة، وكأنها تأمل أن يكون هناك متنفس.

"لن أتزوج طارق."

كانت الكلمات كالصاعقة. نظرت أمينة إليها، ثم انخرطت في بكاءٍ شديد، لم يعد يحمل معه أي رجاء.

"كيف... كيف سأخبر والدكِ؟" تساءلت أمينة، وكأنها تتحدث مع نفسها.

"هذه مشكلتكم،" قالت سارة ببرودٍ مؤلم. "أنا لم أكن جزءاً من هذه الصفقة، ولن أكون جزءاً من تبعاتها."

شعرت سارة بذنبٍ لحظي وهي ترى والدتها منهارة، لكنها سرعان ما تغلبت عليه. لقد حان الوقت لتضع حدوداً. لقد حان الوقت لتختار نفسها.

في الأيام التالية، ساد المنزل جوٌ من الكآبة. حاول والد سارة، محمد، التحدث إليها، لكنها كانت تتجنبه. كانت تشعر بأنه قد خانها أيضاً، بخفائه للأمر. لم تكن هناك كلماتٌ يمكن أن تبرر ما حدث.

كانت أياماً طويلة، مليئةً بالصمت. الصمت الذي كان يغطي على كل شيء. صمتٌ بين الأم وابنتها. صمتٌ بين الزوج وزوجته. صمتٌ في كل زاويةٍ من زوايا المنزل.

في إحدى الليالي، بينما كانت سارة تحاول النوم، سمعت صوت والدتها وهي تبكي في غرفتها. لم تستطع سارة تحمل هذا. نهضت من فراشها، وفتحت باب غرفتها، وتوجهت نحو غرفة والدتها.

كانت أمينة جالسةً على طرف سريرها، تحتضن وسادة، وتبكي بصمت. عندما رأت سارة، توقفت عن البكاء، وحاولت أن تبتسم، لكن الابتسامة لم تكتمل.

"لماذا تبكين يا أمي؟" سألت سارة، جلست بجانبها.

"أنا... أنا لا أعرف ماذا نفعل، يا سارة. لقد أخطأنا. أخطأنا جميعاً."

"لقد حان الوقت لتصحيح الأخطاء،" قالت سارة، وهي تمسك بيد والدتها. "وأن نصححها معاً."

"لكنكِ... أنتِ التي تحملين العبء الأكبر."

"لن أتحمل العبء وحدي،" أكدت سارة. "لقد قررتُ شيئاً."

نظرت إليها أمينة بترقب.

"سأواجه طارق مرةً أخرى."

اتسعت عينا أمينة. "مرةً أخرى؟ ولكن... ألم تقولي أنكِ لن تتزوجيه؟"

"نعم، لن أتزوجه. لكنني أريد أن أواجهه. أريد أن أفهم منه كل شيء. أريد أن أسمع منه ما لم أستطع سماعه في ذاك المقهى. ربما... ربما هناك ما لم أره."

"ولكن... ماذا لو آذاكِ مرةً أخرى؟"

"لن يؤذيني. لقد عرفتُ ما هو الحب وما هي الخيانة. ولن أسمح لأحدٍ بأن يلعب بمشاعري مرةً أخرى."

في اليوم التالي، اتصلت سارة بطارق، وطلبت منه أن تلتقيه مرةً أخرى. هذه المرة، اختارت مكاناً جديداً، حديقةً عامةً هادئة، تحت ظلال الأشجار.

عندما وصل طارق، بدا عليه الارتباك. لم يتوقع منها هذا.

"سارة، لماذا؟" سأل وهو يجلس بجانبها، لكن بمسافةٍ آمنة.

"لأنني أريد أن أفهم، طارق. أريد أن أفهم كيف وصلت الأمور إلى هنا."

"لقد... لقد حاولتُ أن أساعد. والدكِ كان في ضائقةٍ مالية، وعائلتي... وعائلتكِ، كنتم في وضعٍ لا يحسد عليه. ووالدكِ، طلب مني المساعدة. لقد كان الأمر صعباً."

"لكن لماذا لم تخبرني؟"

"كنتُ خائفاً، سارة. خائفاً من أن أخسركِ. كنتُ أعرف أنكِ ستكرهين هذه الفكرة. وكنتُ أعرف أنكِ لن تتخلي عن عائلتكِ. فكرتُ، أنه إذا تم الأمر، فربما... ربما سنتجاوز الأمر معاً. وأنكِ ستتفهمين بعد الزواج."

"أتتفهم؟ أن أتزوج لأجل المال؟ لأن أرضي قد بيعت؟ هذا ليس تفاهماً، طارق، هذا استغلال."

"لم يكن استغلالاً، سارة. لقد كان... حلاً. حلاً مؤقتاً. ولقد تنازلتُ عن الكثير."

"نعم، لقد تنازلتَ عن مهلك. لكنك لم تتنازل عن حقك في أن تخبرني. لم تتنازل عن حقك في أن تضعني في الصورة."

"لقد حاولتُ أن أحميكِ."

"لا تحميني مرةً أخرى، طارق. إذا كنتَ تحبني حقاً، فلا تحميني. أخبرني بالحقيقة، مهما كانت قاسية. دعينا نواجه الأمور معاً. لكنك لم تفعل."

سكت طارق، وبدا عليه التأثر. "لقد أخطأتُ، سارة. أخطأتُ كثيراً. لم أكن أعرف كيف أتصرف. كنتُ أرى أنني الوحيد الذي يمكنه حل هذه المشكلة. وكنتُ أرى أن الصدق قد يضر أكثر مما ينفع."

"بل الصدق هو أساس كل شيء، طارق. هو أساس الحب، والثقة، والسعادة. عندما تغيب الحقيقة، يحل محلها الشك، والخيانة، والألم."

"هل... هل هناك فرصةٌ لنا، سارة؟" سأل طارق بنبرةٍ مليئةٍ بالرجاء. "هل يمكن أن نصلح ما كسر؟"

نظرت سارة حولها، إلى الأشجار الخضراء، وإلى السماء الزرقاء. شعرت بأنها قد تحملت الكثير. وأنها قد تعرضت للكثير.

"أنا... أنا لا أعرف، طارق،" قالت بصوتٍ حزين. "لقد جرحتني بعمق. لقد فقدتُ الثقة. ولا أعرف كيف يمكن أن أعيد بناءها."

"أنا مستعدٌ لفعل أي شيء، سارة. أي شيءٍ تريده."

"أريد الحقيقة، طارق. أريد أن أرى بوضوح. أريد أن أعيش حياةً نقية. وأن أبني علاقةً ترضي الله. وهذا ما لم أجده في خطبتنا."

وقفت سارة، وهي تنظر إلى طارق، الذي بدا وكأنه انهار. "أنا آسفة، طارق. لكنني لا أستطيع. لقد جرحتني جرحاً عميقاً."

ثم استدارت، وغادرت الحديقة، تاركةً طارق وحيداً مع جدار الصمت الذي بناه حوله، ومع سيل الدموع الذي انهمر من عينيه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%