الزوجة الصالحة الجزء الثاني

عبقُ الوردِ ولقاءُ القدرِ

بقلم ليلى الأحمد

كانَ الصباحُ قد أشرقَ على المدينةِ بخيوطِهِ الذهبيةِ، حاملًا معه نسيمًا منعشًا يحملُ رائحةَ الندى الممزوجَ بعطرِ زهورِ الحدائقِ. في شقةِ "سارةَ" الصغيرةِ، المتواضعةِ ولكنها أنيقةٌ، حيثُ كانتْ جدرانُها تزدانُ برفوفٍ مليئةٍ بالكتبِ، ودُفعتْ روائحُ الورقِ القديمِ والأحبارِ، استيقظتْ "سارةُ" وهي تشعرُ ببعضِ التوترِ. أمسكتْ بقلبها وهي تتذكرُ اتفاقَ الأمسِ معَ والدها. لقاءٌ معَ شخصٍ لم ترَهُ من قبلُ، رجلٌ سيُعرضُ عليها كزوجٍ محتملٍ.

نهضتْ من فراشها، واتجهتْ نحو النافذةِ، وفتحتْ الستائرَ بصمتٍ. أشعةُ الشمسِ تسللتْ لتُعانقَ الغرفةَ، مُلقيةً بظلالٍ دافئةٍ على أثاثها البسيطِ. كانَ لديها متسعٌ من الوقتِ قبلَ موعدِها، فقررتْ أنْ تبدأَ يومها كالمعتادِ. أعدتْ لنفسها فطورًا خفيفًا، ثمَّ جلستْ في زاويةِ غرفتها المخصصةِ للكتابةِ، وأخذتْ تتصفحُ ما كتبتهُ الليلةَ الماضيةَ.

لكنَّ الكلماتِ لم تأتِ بسهولةٍ. كانَ فكرُها مشغولًا بالرجلِ الذي ستقابلُهُ. "مالكٌ". اسمٌ غريبٌ، ولكنهُ يحملُ في طياته معنًى عميقًا. هل سيكونُ حقًا الشخصَ المناسبَ لها؟ هل سيفهمُ شغفها بالكتابةِ، ويُقدرُ عالمها الخاصَّ؟

بعدَ أنْ أنهتْ فطورها، بدأتْ في الاستعدادِ للقاء. اختارتْ ثوبًا بسيطًا، بلونٍ سماويٍّ هادئٍ، يُبرزُ جمالَ عينيها، معَ حجابٍ فضفاضٍ بلونِ العاجِ. وضعتْ القليلَ منَ العطرِ الرقيقِ، وعطرتْ يديها برائحةِ المسكِ. كانتْ تعتمدُ على مظهرٍ طبيعيٍّ، يعكسُ هدوءَ شخصيتها.

في تمامِ الساعةِ الرابعةِ عصرًا، خرجتْ "سارةُ" من منزلها، واتجهتْ نحو المقهى الذي حددهُ والدها. كانَ المقهى يقعُ في حيٍّ قديمٍ، ذي طابعٍ هادئٍ، ومُحاطٍ بالبيوتِ العربيةِ التقليديةِ. كانتْ رائحةُ القهوةِ والهيلِ تفوحُ منَ المقهى، ممزوجةً بعبقِ الوردِ المتسلقِ على شرفاته.

عندما دخلتْ، وجدتْ أنَّ والدها قد سبقها. كانَ جالسًا على إحدى الطاولاتِ الخارجيةِ، وابتسامةٌ عريضةٌ ترتسمُ على وجههِ. نهضَ ليعانقها، وقبلَ جبينها بحنانٍ.

"يا حبيبتي، لقد جئتِ. كيفَ حالكِ؟"

"أهلاً يا أبي. أنا بخيرٍ. هل وصلَ؟"

"ليسَ بعدُ، ولكنَّهُ سيصلُ قريبًا. اجلسي يا ابنتي."

جلستْ "سارةُ" مقابلَ والدها، ونظرتْ حولها. كانَ المكانُ جميلًا، يعجُّ بالناسِ الذينَ يتسامرونَ ويشربون القهوةَ. كانتْ تشعرُ براحةٍ ما، فالمكانُ يبدو هادئًا ومناسبًا.

بعدَ دقائقَ قليلةٍ، اقتربَ رجلٌ طويلٌ، ذو بنيةٍ قويةٍ، ذي ملامحَ عربيةٍ أصيلةٍ. كانَ شعرهُ داكنًا، وعيناهُ بنيتانِ واسعتانِ، تحملانِ بريقًا منَ الذكاءِ والهدوءِ. ارتداهُ معطفًا أنيقًا، وحاملًا في يدهِ باقةَ وردٍ حمراءَ.

"السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ،" قالَ بصوتٍ عميقٍ ومهذبٍ.

"وعليكم السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ،" ردَّ والدها بحرارةٍ، ووقفَ ليصافحهُ. "أهلاً بكَ يا "مالكٌ". لقد وصلتَ في الميعادِ. وهذهِ "سارةُ" ابنتي."

تقدمتْ "سارةُ" وابتسمتْ بلطفٍ. "أهلاً بكَ سيدُ "مالكٌ"."

"الشرفُ لي يا آنسةُ "سارةُ". الاسمُ "مالكٌ" كافٍ." أجابَ بابتسامةٍ ودودةٍ، ونظرَ إليها بنظرةٍ فاحصةٍ، ولكنها لم تكنْ وقحةً. شعرَتْ "سارةُ" بالارتياحِ قليلاً، فقد كانتْ نظرتهُ تحملُ احترامًا.

جلسَ "مالكٌ" معهم، وسلمَ باقةَ الوردِ لوالد "سارةَ" قائلاً: "هذهِ هديةٌ لكمْ، عرفانًا بترحيبكم."

"شكرًا لكَ يا بني، هذا لطفٌ منك." ردَّ والدها، وقدمَ الوردَ لسارةَ.

"تفضلنَ،" قالَ "مالكٌ" وهو يمدُّ الباقةَ إلى "سارةَ".

أخذتْ "سارةُ" الوردَ، وشعرتْ برائحتهِ العطرةِ. "شكرًا لكَ، إنها جميلةٌ جدًا."

بدأَ الحديثُ يدورُ بينهم، بدأهُ والد "سارةَ"، ثمَّ انضمَّ إليهِ "مالكٌ" بأسئلةٍ مهذبةٍ حولَ اهتماماتِ "سارةَ" وهواياتها. كانَ "مالكٌ" يستمعُ بانتباهٍ شديدٍ، ويُظهرُ اهتمامًا حقيقيًا بما تقولهُ. كانَ يسألُ عن مجالِ عملها، وعن طموحاتها، وكيفَ تقضي وقتَ فراغها.

"سمعتُ أنكِ كاتبةٌ، يا آنسةُ "سارةُ"؟" سألَ "مالكٌ" بعدَ أنْ استمعَ لحديثها عن حبها للقراءةِ.

"نعم، أحاولُ جاهدةً. أكتبُ رواياتٍ وقصصًا قصيرةً." أجابتْ "سارةُ"، وشعرتْ ببعضِ الخجلِ.

"هذا رائعٌ. أنا دائمًا معجبٌ بالكتابِ، فهمَ يبنونَ عوالمَ بأكملها بكلماتهم. هل لي أنْ أعرفَ نوعَ الكتاباتِ التي تفضلينَ؟"

"أحبُّ أنْ أكتبَ عنَ العلاقاتِ الإنسانيةِ، عنَ المشاعرِ، وعنَ الأملِ. أحاولُ أنْ أُبرزَ الجانبَ المشرقَ في حياةِ الناسِ."

"جميلٌ جدًا. أعتقدُ أنَّ هذا ما نحتاجُهُ في عالمنا اليومَ. الكلماتُ التي تزرعُ الأملَ في القلوبِ." قالَ "مالكٌ" وهو ينظرُ إليها مباشرةً. "لقد قرأتُ بعضَ أعمالِ الكاتبِ "نجيبٍ محفوظٍ"، وأحببتُ قدرتهُ على وصفِ التفاصيلِ الدقيقةِ للحياةِ اليوميةِ."

فاجأها ذكرُ "نجيبٍ محفوظٍ"، فقد كانَ منَ الكتّابِ المفضلينَ لديها. "حقًا؟ إنهُ منَ الكتّابِ الذينَ أُقدرهم كثيرًا. أحبُّ أسلوبهُ السلسَ، وقدرتهُ على الغوصِ في أعماقِ النفسِ البشريةِ."

تبادلَ الاثنانِ أطرافَ الحديثِ حولَ الأدبِ، واكتشفتْ "سارةُ" أنَّ "مالكًا" لديهِ ثقافةٌ واسعةٌ، وحسٌّ أدبيٌّ رفيعٌ. لم يكنْ مجردَ رجلِ أعمالٍ كما تصورتْ. كانَ مثقفًا، واعيًا، ويُظهرُ اهتمامًا بما تتحدثُ عنهُ.

مرَّ الوقتُ سريعًا، وبدأَ الظلامُ يلقي بظلالهِ على المقهى. أشارَ والدُ "سارةَ" بأنَّ الوقتَ قد تأخرَ، وأنهُ عليهِما الذهابُ.

"لقد كانَ لقاءً ممتعًا جدًا، سيدُ "مالكٌ"." قالتْ "سارةُ"، وهي تشعرُ بتغيرٍ في مشاعرها. لم تعدْ تشعرُ بالتوترِ الذي بدأتْ بهِ، بل بشيءٍ منَ الفضولِ والإعجابِ.

"متعتي كانتْ أكبرَ يا آنسةُ "سارةُ". لقد استمتعتُ حقًا بالحديثِ معكِ. هل تسمحينَ لي بترتيبِ لقاءٍ آخرٍ؟ ربما في مكانٍ آخرَ، لنتحدثَ أكثرَ عنْ اهتماماتنا المشتركةِ؟"

ترددتْ "سارةُ" للحظةٍ، ثمَّ نظرتْ إلى والدها الذي أومأَ برأسهِ موافقًا. "بالتأكيدِ، سيكونُ لي الشرفُ."

"ممتازٌ. سأتواصلُ معَ والدكِ لترتيبِ الموعدِ." قالَ "مالكٌ" وهو يقفُ، وابتسامةٌ راضيةٌ على وجههِ.

ودعَّتْ "سارةُ" "مالكًا" بابتسامةٍ خجولةٍ، ثمَّ انطلقتْ معَ والدها عائدةً إلى المنزلِ. وبينما هما يسيرانِ، سألها والدها: "ما رأيكِ فيهِ يا ابنتي؟"

نظرتْ "سارةُ" إلى السماءِ المليئةِ بالنجومِ، وقالتْ: "إنهُ رجلٌ مهذبٌ، ومثقفٌ يا أبي. وأظنُّ أنَّ لدينا بعضَ النقاطِ المشتركةِ."

ابتسمَ والدها بفرحٍ. "هذا ما كنتُ أتوقعهُ. أعتقدُ أنَّ هذا البدايةُ ستكونُ جيدةً."

عادتْ "سارةُ" إلى منزلها، وهي تحملُ باقةَ الوردِ، وذكرى لقاءٍ غريبٍ، وربما بدايةَ قصةٍ جديدةٍ، قصةٌ لم تكنْ تتخيلُ أنها ستُكتبُ بهذهِ السرعةِ، وبهذهِ الروعةِ. عبقُ الوردِ كانَ لا يزالُ يملأُ أنفاسها، وذكرياتُ الحديثِ معَ "مالكٍ" كانتْ تتراقصُ في ذهنها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%