الزوجة الصالحة الجزء الثاني

رماد الأمس وبذور الأمل

بقلم ليلى الأحمد

بعد تلك المواجهة المؤلمة مع طارق، عادت سارة إلى حياتها كمن يعيش في عالمٍ رمادي. لم يكن هناك عودةٌ إلى الوراء. لقد تبخرت أحلامها الوردية، وتبقت مجرد أطلالٍ لما كان. لكن في تلك الأطلال، بدأت بذورٌ صغيرةٌ من الأمل تنبت، مدفوعةً بإرادةٍ صلبةٍ لحياةٍ مختلفة.

أصبح والدها، محمد، أكثر تواصلاً معها. بعد أن رأى مدى تأثرها، وبعد أن شعر بمسؤوليته عن هذه الأزمة، بدأ يفتح قلبه لها. في إحدى الأمسيات، عندما كانت تجلس معه في الحديقة، قال لها: "يا ابنتي، لقد أخطأتُ في حقكِ. لقد سمحتُ بأن تتخذ القرارات عنكِ، وسمحتُ بأن تُبنى سعادتكِ على أساسٍ هش. لكنني الآن، أرى الأمور بوضوح. وكنتُ أتمنى لو أنني فعلتُ ذلك قبل فوات الأوان."

تأثرت سارة بصدق كلماته. "أنا لا أحملكِ فوق طاقتك، يا أبي،" قالت بصوتٍ ناعم. "لكنني أحتاجُ إلى أن أعرف أنني لستُ وحدي في هذه الرحلة. وأنكم تدعمونني."

"دائماً يا ابنتي،" أكد محمد، ومد يده ليضمها. "نحن سندكِ. وسنكون بجانبكِ مهما كان ما تقررينه."

حتى والدتها، أمينة، بدأت تغير من سلوكها. لم تعد تتحدث عن طارق، أو عن الزواج. بل بدأت تتحدث عن سارة، وعن مستقبلها. في إحدى المرات، قالت لها: "لقد كنتُ دائماً أرى أن زواجكِ من طارق هو الأنسب لكِ. لكنني الآن، أرى أن سعادتكِ هي الأهم. وأن اختياركِ هو ما يجب أن نتبعه."

كانت هذه التغييرات تدريجياً، لكنها كانت تحدث. شعرت سارة بأن جدار الصمت الذي كان يخيم على المنزل قد بدأ يتصدع.

من ناحيةٍ أخرى، كان طارق قد اختفى من حياتها تماماً. لم يتصل بها، ولم تحاول هي الاتصال به. كأنها نهايةٌ مفاجئة لقصةٍ كانت قد بدأت بوعودٍ لا تنتهي.

بدأت سارة تعيد بناء نفسها. أمضت وقتاً طويلاً في القراءة، وفي التأمل. بدأت تعود إلى شغفها القديم، الرسم. كانت تضع على القماش مشاعرها المتناقضة، الألم، والخيبة، والأمل. كل خطٍ، كل لون، كان يحمل قصةً.

في أحد الأيام، تلقت دعوةً غير متوقعة. كانت من خالتها، فاطمة، التي تعيش في مدينةٍ أخرى، ولم ترها سارة منذ فترةٍ طويلة. دعتها فاطمة لزيارتها، وقضاء بعض الوقت معها.

"ذهبتُ لأرى والدتي،" قالت سارة لأبيها. "أعتقد أنني بحاجةٍ إلى تغيير الجو."

"بالتأكيد يا ابنتي،" قال محمد. "فلتذهبي. واعلمي أننا بانتظاركِ."

قضت سارة أياماً هادئةً مع خالتها. كانت فاطمة امرأةً حكيمة، تتمتع بروحٍ متفائلة. كانت تستمع إلى سارة بصبر، وتشاركها نصائحها.

"يا عزيزتي،" قالت فاطمة لسارة ذات يوم، بينما كانتا جالستين في حديقة منزلها، يتنفسان عبير الزهور. "الحياة مليئةٌ بالمنعطفات. قد تبدو بعض المنعطفات مؤلمة، وقد تفقدين فيها الأمل. لكن تذكري، أن كل منعطفٍ يحمل في طياته فرصةً جديدة. فرصةً للتعلم، وفرصةً للنمو."

"لقد شعرتُ بأن كل شيءٍ قد انهار، يا خالتي."

"ولكنه لم ينهار يا سارة. لقد تشكل من جديد. كل ما حدث لكِ، قد جعلكِ أقوى. وجعلكِ تعرفين ما تريدين، وما لا تريدين."

"وماذا أريد؟" سألت سارة.

"أنتِ تريدين الحب الحقيقي. الحب الذي يبنى على الصدق، وعلى الإيمان، وعلى الاحترام المتبادل. الحب الذي يرضي الله. وهذا النوع من الحب، لا يأتي إلا لمن يعرف قيمته."

كلمات خالتها تركت أثراً عميقاً في نفس سارة. شعرت بأنها لم تعد ضائعة. لقد وجدت بوصلتها.

عند عودتها إلى الرياض، لم تكن سارة هي نفسها الفتاة التي غادرت. كانت قد اكتسبت قوةً جديدة، وهدوءاً داخلياً. بدأت ترى الحياة بمنظورٍ مختلف.

في أحد الأيام، بينما كانت تتصفح الإنترنت، وقعت عيناها على إعلانٍ عن معرضٍ فنيٍ لأعمالٍ شبابية. شعرت بسارة برغبةٍ قويةٍ في المشاركة. أخذت تتفقد لوحاتها التي رسمتها في الفترة الأخيرة، واختارت أفضلها.

ذهبت إلى الجهة المنظمة للمعرض، وقدمت لوحاتها. لقد تفاجأوا بجودة أعمالها، وبصدق المشاعر التي تنقلها. تم قبولها.

كان يوم المعرض يوماً مميزاً. كانت سارة تقف بجانب لوحاتها، تشعر بالفخر، وبالخوف في نفس الوقت. وبينما كانت تتحدث إلى أحد الزوار، سمعت صوتاً مألوفاً.

"سارة؟"

التفتت سارة، فرأت رجلاً يقف أمامها. كان رجلاً وسيماً، ذا لحيةٍ خفيفة، وعينين ذكيتين. كان يبدو وكأنه لم ترها من قبل، لكنها شعرت بشيءٍ غريب.

"تفضل؟" قالت سارة، وهي تحاول تذكر أين رأته.

"اسمي أحمد،" قال الرجل بابتسامةٍ خفيفة. "أنا مهندسٌ معماري، وأعجبتني لوحاتكِ جداً. خاصةً تلك التي تحمل اسم 'بذور الأمل'."

نظرت سارة إلى اللوحة التي يشير إليها. كانت لوحةً تصور زهرةً صغيرةً تنبت من بين الرمال، تحت سماءٍ مليئةٍ بالنجوم.

"شكراً لك،" قالت سارة. "هذه اللوحة تعبر عن مرحلةٍ مرت بها حياتي."

"أفهم ذلك. أسلوبكِ رائع، ومشاعركِ صادقة."

بدأت سارة وأحمد يتحدثان. تبادلا الحديث عن الفن، وعن الحياة. كان أحمد رجلاً مثقفاً، وذا نظرةٍ عميقة. كانت لديه رؤيةٌ خاصةٌ للحياة، رؤيةٌ تتوافق مع ما بدأت سارة تبحث عنه.

لم يكن أحمد من الرياض. كان زائراً، وقد سمع عن المعرض بالصدفة. لكنه شعر بانجذابٍ غريب نحو أعمال سارة.

"هل أنتِ متزوجة، سارة؟" سأل أحمد فجأة، وبدا عليه بعض التردد.

صمتت سارة للحظة. "لا، لستُ متزوجة."

"هل... هل يمكن أن

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%