الزوجة الصالحة الجزء الثاني

ظلال الماضي وأسرار القلب

بقلم ليلى الأحمد

بعدَ لقاءٍ جمعَ بينَ "سارةَ" و "مالكٍ" في مقهى قديمٍ، أثمرَ عنْ وعدٍ بلقاءٍ ثانٍ، بدأتْ الأيامُ تمضي حاملةً معها ذكرياتٍ متناقضةً. "سارةُ"، التي كرستْ حياتها للكتابةِ، وجدتْ نفسها فجأةً في خضمِّ روايةٍ واقعيةٍ، تحاولُ فهمَ شخصيةِ "مالكٍ" الذي بدا لها كأنَّهُ شخصيةٌ مركبةٌ، تحملُ أبعادًا لم تكشفْ بعدُ.

أما "مالكٌ"، فقد كانَ شغوفًا بفكرةِ التعرفِ عليها أكثرَ. لم يكنْ يبحثُ عنْ مجردِ زوجةٍ، بل عنْ رفيقةِ دربٍ، عنْ روحٍ تُشاركهُ أحلامه وتُفهمُ عالمهُ. وفي كلِّ محادثةٍ بينهما، كانَ يشعرُ بتقاربٍ غريبٍ، وكأنَّهُ يعرفُها منذُ زمنٍ بعيدٍ.

بعدَ أسبوعٍ منَ اللقاءِ الأولِ، أرسلَ "مالكٌ" إلى "سارةَ" عبرَ والدها، طلبًا لزيارتها في منزلها، لرؤيةِ مكتبتها التي ذكرتْ أنها كانتْ مصدرَ إلهامٍ لها. وافقتْ "سارةُ" بسعادةٍ، فقد شعرتْ بأنَّ هذهِ الزيارةَ ستكونُ فرصةً لتبادلِ الحديثِ في جوٍّ أكثرَ راحةً وألفةً.

في يومِ الزيارةِ، استقبلتْ "سارةُ" "مالكًا" بابتسامةٍ هادئةٍ. كانَ المنزلُ يفوحُ برائحةِ القهوةِ الطازجةِ، ورائحةِ الكتبِ القديمةِ. أخذتْ "سارةُ" "مالكًا" في جولةٍ في شقتها، وأرتهُ مكتبتها التي كانتْ كنزًا حقيقيًا لها. كانتْ الرفوفُ تمتدُّ حتى السقفِ، مليئةً بالكتبِ منَ كلِّ أنواعِ الأدبِ والتاريخِ والفلسفةِ.

"يا لهُ منْ مكانٍ رائعٍ! أشعرُ وكأنني دخلتُ إلى عالمٍ آخرَ،" قالَ "مالكٌ" وهو يتأملُ الكتبَ بإعجابٍ. "أرى أنَّ الكتبَ لها مكانةٌ خاصةٌ لديكِ."

"إنها عالمي، بل حياتي," أجابتْ "سارةُ" بابتسامةٍ. "كلُّ كتابٍ هنا يحملُ قصةً، وروحًا. إنها نافذتي على العالمِ، وعلى عوالمَ أخرى لم أزرها."

"أتفهمُ ذلكَ تمامًا. أنا أيضًا أحبُّ القراءةَ، ولكنَّ وقتي غالبًا ما يكونُ مشغولًا جدًا بالعملِ. ولكنَّ رواياتكِ، ما هيَ القصصُ التي تتحدثينَ عنها؟"

جلستْ "سارةُ" و "مالكٌ" في غرفةِ الجلوسِ، وقدمتْ لهُ قهوةً وزهوراتٍ. بدأتْ "سارةُ" تتحدثُ عنْ بعضِ رواياتها، عنْ أبطالها، وعنْ الرسائلِ التي تسعى لإيصالها. كانَ "مالكٌ" يستمعُ بانتباهٍ، وبدأَ يشعرُ بقربٍ أكبرَ بينهما.

"لقد ذكرتِ في إحدى رواياتكِ، أنَّ بطلتكِ عانتْ منْ تجربةٍ مؤلمةٍ في الماضي، مما جعلها تخافُ منَ الارتباطِ. هل هذهِ تجربةٌ شخصيةٌ؟" سألَ "مالكٌ" بهدوءٍ، دونَ أنْ يشعرَ "سارةُ" بأنَّهُ يتطفلُ.

شعرتْ "سارةُ" بلحظةٍ منَ الترددِ. لم تكنْ معتادةً على مشاركةِ أسرارها العميقةِ معَ أحدٍ. ولكنَّ نظرةَ "مالكٍ" الصادقةَ، واهتمامهُ، جعلتها تشعرُ بالأمانِ.

"نعم، كانتْ لديَّ تجربةٌ سابقةٌ مؤلمةٌ. لقد ارتبطتُ بشخصٍ لم يكنْ أهلًا للثقةِ، وجعلني أفقدُ الأملَ في الحبِّ لبعضِ الوقتِ. ولكنَّ اللهَ أرادَ أنْ يهديني، وأنْ أجدَ قوتي في الكتابةِ."

"أنا آسفٌ لسماعِ ذلكَ. ولكنَّ ما أراهُ فيكِ اليومَ هوَ قوةٌ، وإصرارٌ. لقد تجاوزتِ الماضي، وهذا ما يجعلُكِ شخصيةً فريدةً." قالَ "مالكٌ"، وشعرَ بأنَّ هناكَ شيئًا في "سارةَ" يجذبُهُ بشدةٍ.

انتقلَ الحديثُ بينهما إلى مواضيعَ أخرى، عنْ العائلةِ، وعنْ أحلامِ المستقبلِ. اكتشفتْ "سارةُ" أنَّ "مالكًا" لديهِ رؤيةٌ واضحةٌ للحياةِ، وأنهُ رجلٌ ملتزمٌ بدينهِ، ويعملُ بجدٍّ لتحقيقِ أهدافهِ.

"هل لديكَ أسرةٌ كبيرةٌ يا "مالكٌ"؟" سألتْ "سارةُ".

"لديَّ والدانِ عزيزانِ، يدعوانِ لي دائمًا. وليسَ لديَّ إخوةٌ، لذا فقد كانَ والدايَ دائمًا قلقينَ عليَّ، ورغبةً في أنْ أجدَ شريكةَ حياةٍ تُكملُ نصفَ ديني."

"وهل لديكَ خططٌ للزواجِ قريبًا؟" سألتْ "سارةُ"، وهي تشعرُ ببعضِ الفضولِ.

"بالتأكيدِ. لقد كنتُ أبحثُ عنْ شريكةٍ مناسبةٍ. ولكنَّني لم أجدْ حتى الآنَ الشخصَ الذي أشعرُ معه بالراحةِ والتفاهمِ. لقد أثنى عليَّ والديَّ كثيرًا على "سارةَ"، عندما تحدثَ معَ والدكِ. ولقد شعرتُ أنَّها قد تكونُ هيَ."

نظرتْ "سارةُ" في عينيهِ، وشعرتْ بصدقٍ في كلماته. كانتْ تشعرُ بأنَّ هذا اللقاءَ ليسَ مجردَ لقاءٍ عاديٍّ، بل هوَ لقاءٌ يجمعُ بينَ أرواحٍ تبحثُ عنْ بعضها البعضِ.

فجأةً، سألتْ "سارةُ": "لماذا اخترتَ أنْ تبدأَ عملكَ الخاصَّ، وأنتَ لديكَ مستقبلٌ مضمونٌ في العملِ الذي كنتَ فيهِ؟"

تغيرَ وجهُ "مالكٍ" قليلاً، وظهرَ عليهِ بعضُ التفكيرِ. "كانَ لديَّ حلمٌ قديمٌ، أنْ أبني شيئًا خاصًا بي. ولكنَّ هناكَ سببٌ آخرٌ، يتعلقُ بالماضي."

"ما هوَ؟" سألتْ "سارةُ" بترقبٍ.

"قبلَ سنواتٍ، كنتُ في رحلةٍ تجاريةٍ، وكنتُ معَ شريكي في العملِ، "أحمدٍ". تعرضنا لحادثٍ مؤسفٍ، فقدتُ فيهِ "أحمدٌ" حياتهُ، وأنا بالكادِ نجوتُ. لقد تركتْ هذهِ الحادثةُ في نفسي ندوبًا عميقةً، وجعلتني أُعيدُ النظرَ في كلِّ شيءٍ. أدركتُ أنَّ الحياةَ قصيرةٌ، ويجبُ أنْ نعيشَ كلَّ يومٍ وكأنَّهُ آخرُ يومٍ."

شعرَتْ "سارةُ" بالأسى الشديدِ. "أنا آسفةٌ جدًا لسماعِ ذلكَ. لم أكنْ أعرفُ."

"لا عليكِ. لقد كانَ درسًا قاسيًا، ولكنهُ علمني الكثيرَ. وأدركتُ أنَّني يجبُ أنْ أحققَ حلمي، وأنْ أعيشَ حياتي كما يجبُ. ولذلكَ، قررتُ أنْ أبدأَ مشروعي الخاصَّ."

كانَ حديثُ "مالكٍ" عنْ تجربتهِ المأساويةِ عميقًا، ومليئًا بالدروسِ. شعرتْ "سارةُ" بأنَّها فهمتْ "مالكًا" أكثرَ، وأنَّ خلفَ هذهِ الشخصيةِ القويةِ، رجلٌ يحملُ الكثيرَ منَ التجاربِ والأحلامِ.

ودعَّتْ "سارةُ" "مالكًا" بعدَ ساعاتٍ منَ الحديثِ الممتعِ، وشعرتْ بقلبها يملأهُ شعورٌ غريبٌ، مزيجٌ منَ الفرحِ والألمِ. لقد كشفتْ لها هذهِ الزيارةُ عنْ أسرارٍ جديدةٍ، وفتحتْ لها أبوابًا لِفهمٍ أعمقَ لِمنْ قد يكونُ شريكَ حياتها.

عندما غادرَ "مالكٌ"، جلستْ "سارةُ" أمامَ نافذتها، وتأملتْ أضواءَ المدينةِ. كانَ هناكَ ظلالٌ منَ الماضي تُلقي بظلالها على الحاضرِ، ولكنَّها شعرتْ بقوةٍ متجددةٍ، وبأملٍ في مستقبلٍ مشرقٍ، مستقبلٍ قد تكتبُ فيهِ فصولَ قصةِ حبٍّ حقيقيةٍ، قصةٌ تتجاوزُ حواجزَ الماضي، وتُبنى على أسسٍ منَ الثقةِ والتفاهمِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%