الزوجة الصالحة الجزء الثاني
ظلال الماضي وخيوط الحاضر
بقلم ليلى الأحمد
ارتعشت يد أمينة وهي تمسك بقدح الشاي الذي لم تعد تشعر بحرارته. كانت تجلس في ركن هادئ من فناء منزل والدها، حيث اعتادت أن تبحث عن سكينة لم تعد تجدها. في الآونة الأخيرة، تسللت إلى قلبها غيوم كثيفة، وظلال لم تكن تعرفها من قبل. لم يكن الأمر يتعلق بزوجها، فهو، ولله الحمد، كان مثالاً للزوج الصالح، يخاف الله فيها، ويراعي حقوقها، ويبذل وسعه لإرضائها. بل كان الأمر أعمق، وأشد وطأة، يتعلق بتلك الأسرار التي بدأت تتكشف، كخيوط عنكبوت معقدة، تربط بين حاضرها وماضيها.
كانت المكالمة الهاتفية التي تلقتها قبل أيام قليلة، من شخص لم تتوقع أن تسمع صوته مرة أخرى، هي الشرارة التي أشعلت هذه النار. صوتٌ يئن بضعف، يتوسل، يحكي قصصاً مؤلمة. لم تكن تعرف كيف تتصرف، هل تنصت؟ هل تتجاهل؟ هل ترد؟ كل الاحتمالات كانت تحمل في طياتها ألماً جديداً. لقد ظنت أنها أغلقت تلك الصفحة إلى الأبد، وأن أحداث الماضي قد دفنت تحت رمال النسيان. ولكن يبدو أن الماضي له ذاكرة قوية، وأنه يصر على استعادة أشباحه.
"أمينة؟ هل أنتِ بخير يا ابنتي؟" صوت والدتها الهادئ اخترق شرودها. نظرت أمينة إلى والدتها التي كانت تحمل صينية صغيرة عليها بعض الفاكهة. ابتسمت ابتسامة باهتة. "بخير يا أمي، الحمد لله." جلست والدتها بجوارها، وقدمت لها قطعة موز. "وجهك شاحب، أرى ذلك. هل هناك ما يزعجك؟" لم تكن أمينة ممن يثرثرن بمشاكلهن، وكانت تعرف أن والدتها تحترم خصوصياتها. لكن حنان أمها، وطريقة سؤالها المطمئن، دفعتها قليلاً. "فقط بعض الذكريات القديمة يا أمي، ربما." تنهدت الأم بحكمة. "الذكريات يا ابنتي، كالأمواج. بعضها يحمل هدوءاً وسلاماً، وبعضها الآخر يأتي بالعواصف. المهم أن نتعلم كيف نبحر في بحر الحياة، مهما علت الأمواج." "ولكن ماذا لو كانت الأمواج تحمل في طياتها أسماكاً سامة، يا أمي؟" سألت أمينة، وعيناها تحدقان في الأفق البعيد. ضحكت الأم بخفة. "إن كان ما تقصدين همساً ينهش القلب، أو عبئاً يثقل الروح، فالحل في الإيمان والتوكل على الله، وفي البوح لمن نثق بهم. أحياناً، مجرد الحديث عن الوجع يخفف من وطأته." صمتت أمينة، تفكر في كلام والدتها. هل تستطيع أن تبوح؟ لمن؟ هل زوجها، أحمد، سيكون مستعداً لسماع ما قد يحمله من أسرار؟ لقد تزوجا على أساس واضح، مبني على الاحترام والتقدير، وقد كان دائماً صريحاً معها. هل سيكون هذا الصدق الذي تكنزه ثقلاً عليه؟
في تلك الليلة، وبعد أن استأذنت أحمد، توجهت إلى مكتبته الصغيرة في المنزل. كانت تلك المكتبة ملاذه، حيث يقضي ساعات طويلة في القراءة والبحث. كانت هناك رائحة الكتب القديمة، ممزوجة بعطر الخشب، تملأ المكان. جلست على أريكته المريحة، تتأمل وجهه وهو يقلب صفحات كتاب. كان قد ارتفع صوته فجأة، مما أثار قلقها. "أحمد، هل لديك وقت؟" رفع رأسه، ابتسامة خفيفة على شفتيه. "بالطبع يا حبيبتي. دائماً وقتي لكِ. ما الذي يشغل بالك؟" ترددت أمينة. تذكرت المكالمة، الكلمات، الخوف، العجز. "تذكرت شيئاً قديماً جداً... من أيام قبل أن نلتقي." "أخبريني." قال وهو يغلق الكتاب بعناية. "هل هو شيء يزعجك؟" "ليس بالضبط. لكنه... ربما يغير نظرتك لي." قالت بصوت يكاد يكون هامساً. اقترب منها أحمد، وأمسك بيدها. كانت يدها باردة. "يا أمينة، أنا أحبكِ لذاتكِ. لما أنتِ عليه. لا يهمني الماضي طالما أننا نبني مستقبلاً واحداً معاً. ولكن، إن كان هناك شيء يثقل عليكِ، فأنا هنا لأسمع، ولأدعمكِ. مهما كان." تنسمت أمينة شجاعة جديدة من كلماته. بدأت تحكي، بصوت متقطع في البداية، ثم استقامت كلماتها. تحدثت عن علاقة قديمة، عن شاب كانت مرتبطة به في فترة مضطربة من حياتها، فترة المراهقة الجامحة، قبل أن تعرف الله حق معرفته، وقبل أن تتغير حياتها. تحدثت عن خطأ ارتكبته، خطأ لم يكن مقصوداً، ولكنه كان نتيجة لجهل وقصور. تحدثت عن ابتعادها عن هذا الشخص، عن ندمها العميق، وعن سعيها للتوبة والإصلاح.
"لقد انتهت تلك القصة منذ زمن طويل يا أحمد." قالت وهي تنظر إليه بتوجس. "وكنت أظن أنني نسيتها تماماً. ولكن، بالأمس... اتصل بي." صمت أحمد للحظة، يدرس ملامحها. لم يبدُ عليه الغضب، بل الحزن والفهم. "ماذا يريد؟" "يريد المساعدة. يقول إنه في ضائقة شديدة، وأنه لا يملك سواه." "وهل صدقتِ ما يقول؟" سأل بلطف، دون أي اتهام. "لا أعرف. ولكن... شعرت بالمسؤولية. لقد أذيت هذا الشخص في الماضي، ربما بشكل غير مباشر. والآن... أشعر أن عليّ أن أفعل شيئاً." "المساعدة مشروعة، يا أمينة. ولكن، يجب أن تكون ضمن حدود الشرع، وضمن حدود ما هو ممكن. وماذا عنكِ؟ هل تعتقدين أن التعامل مع هذا الشخص مرة أخرى لن يفتح أبواباً لأشياء قديمة؟" "هذا ما أخاف منه." اعترفت بصوت خفيض. "لكن... هل أتركه يهلك؟" "الخوف من الله هو الأولى. والحرص على نفسكِ وعلى بيتكِ هو حق. الله غفور رحيم، وقد تبتِ، وهذا هو الأهم. أما بالنسبة له، فيجب أن يبحث عن سبل أخرى للمساعدة. قد تستطيعين تقديم العون له بطرق لا تتضمن احتكاكاً مباشراً أو فتحاً لأبواب قديمة. قد يكون هناك من يقوم بالوساطة، أو قد يكون المال هو ما يحتاجه، ويمكن تقديمه بطريقة شرعية." كانت كلمات أحمد تحمل حكمة وعطفاً. لم يوبخها، ولم يتهمها، بل حاول فهم الموقف وتقديم حلول. شعرت أمينة براحة كبيرة، ولكن القلق لم يختفِ تماماً. المكالمة كانت مزعجة، والطلب كان محرجا. لقد شعرت بأن تلك الأيام التي ظنت أنها طواها النسيان، قد عادت لتطل برأسها، مهددة استقرارها وسعادتها.
استمرت أمينة تفكر في تلك المكالمة. لم تكن مجرد مكالمة عادية، بل كانت كأنها خنجر ناعم يغوص في أعماقها. هذا الرجل، الذي تركته منذ سنوات، والذي ظنت أنها تجاوزته، عاد ليطرق بابها، مستنجداً. كان الصوت منهكاً، يعكس يأساً عميقاً. لم تكن تعرف إن كان يبالغ، أم أنه حقاً في وضع حرج. لكن ما عرفته هو أنها شعرت بالذنب، ذلك الشعور الخفي الذي يلاحق الإنسان عندما يدرك أنه ربما تسبب بأذى لشخص آخر.
"ماذا كنتِ تقولين عن الماضي؟" سألت والدتها في اليوم التالي، بينما كانتا تتشاركان إفطاراً هادئاً. تنهدت أمينة. "مجرد تذكر بعض الأصدقاء القدامى الذين فقدت الاتصال بهم." "وهل هناك من بينهم من ترك أثراً عميقاً؟" سألت الأم بفضول حذر. "ربما. كانت هناك فترة في حياتي، قبل أن أعرف أحمد، قبل أن أتغير. كنت مراهقة، وبعض الاختيارات كانت خاطئة." "كلنا نرتكب أخطاء يا ابنتي في سن المراهقة، وهذا جزء من التعلم. المهم أن نتعلم منها، وأن نسعى لإصلاح ما يمكن إصلاحه." "ولكن ماذا لو لم يعد بالإمكان إصلاح ما أفسدناه؟" "إن تاب العبد، وأناب، وغيّر حاله، فالله يقبل توبته. أما الآخرون، فقد يكون لهم حق علينا. ولكن، يجب أن نحرص على أنفسنا، وألا ندخل أنفسنا في مهالك جديدة بحجة الإصلاح." كانت والدتها تنظر إليها بعمق، كأنها تقرأ ما تخفيه. "هل هناك ما يقلقكِ بشأن هذا الشخص؟" "أتخوف أن يكون ذلك الشخص لا يزال يتعامل بطرق غير سوية." قالت أمينة بصوت متوتر. "وأن استجابتي لطلبه قد تفتح لي أبواباً لم أعد أريد دخولها." "إذاً، يجب أن تكوني حذرة يا ابنتي. الحذر واجب، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع من لم يعد على الطريق الصحيح. قد يكون الواجب الشرعي هو أن نساعده، ولكن ليس على حساب أنفسنا، وعلى حساب بيتنا وأولادنا. استشيري زوجكِ، فهو صاحب الرأي السديد، وسيجعل الأمر في نصابه الشرعي." نظرت أمينة إلى والدتها، وشعرت بارتياح. كانت تعرف أن أحمد سيقدم لها النصح السديد، وسيساعدها على تجاوز هذا المأزق. ولكن، هل كان أحمد جاهزاً لمثل هذا الموقف؟ هل سيكون فهمه كافياً ليستوعب حجم المشكلة؟ لقد كان الأمر معقداً، يتعلق بماضي بعيد، ولكنه قد يعود ليؤثر على حاضر مشرق.
في تلك الليلة، وبينما كان أحمد يراجع بعض الأوراق في مكتبه، اقتربت منه أمينة. "أحمد، أريد أن أتحدث معك في أمر مهم." نظر إليها، ولاحظ قلقها. "تفضلي يا حبيبتي. ما الذي يشغل بالك؟" "تذكرت أمراً قديماً، كنت قد تركته خلف ظهري. شخص... كان له دور في حياتي قبل أن ألتقي بك. وقد اتصل بي بالأمس، يطلب المساعدة." شرحت له أمينة التفاصيل، كيف أن هذا الشخص كان في فترة سابقة من حياتها، وكيف أنها ابتعدت عنه بسبب طريقته في الحياة. وكيف أنه الآن يطلب منها المساعدة. "أنا قلقة يا أحمد. أخشى أن تكون نواياه غير سليمة، أو أن تكون هذه بداية لعودة إلى الوراء." أصغى أحمد بصبر، ثم قال بهدوء: "فهمت يا أمينة. هذه الأمور تكون صعبة، خاصة عندما تتعلق بماضينا. ولكن، إن كان هذا الشخص في ضائقة، فإن الإسلام يحثنا على مساعدة المحتاج. ولكن، يجب أن تكون المساعدة بحكمة. أولاً، ما هي طبيعة المساعدة التي يطلبها؟ وهل هي مشروعة؟ ثانياً، هل تستطيعين تقديمها دون أن تعرضي نفسكِ للخطر، أو دون أن تفتحي أبواباً مغلقة؟" "يقول إنه يحتاج إلى مال، لدفع دين مستحق." "المال يمكن تقديمه. ولكن، هل هذا هو الحل الوحيد؟ وهل أنتِ متأكدة من صدق كلامه؟" "هذا ما أقلقني. لم أرَه منذ سنوات، ولا أعرف ما إذا كان قد تغير." "إذاً، يجب أن نستوثق. لا يمكننا أن نمنح المال لشخص مجهول المصير، أو لشخص قد يستخدمه في معصية. ربما يجب أن نبحث عن طريقة أخرى لمساعدته. هل هناك شخص موثوق به يمكن أن يتوسط؟ أو هل يمكننا التأكد من طبيعة دينه، وما إذا كان يخدم غرضاً مشروعاً؟" "أتخوف أن يكون ذلك الشخص لا يزال على نفس الطريق الذي تركتُه عليه." "إذاً، علينا أن نحتاط. قد يكون الأفضل هو أن نبحث عن مؤسسات خيرية، أو عن أشخاص موثوقين في بلده، يمكنهم التحقق من وضعه وتقديم المساعدة اللازمة إذا استحق. لا تجعلي نفسكِ طرفاً مباشراً في الأمر إلا إذا تأكدنا من سلامة الموقف. تذكري يا أمينة، أننا مسؤولون عن حماية بيتنا وأسرارنا. ولا يمكننا أن نسمح للماضي بأن يعكر صفو حاضرنا الجميل." شعرت أمينة بالامتنان لزوجها. لقد منحها الأمان، والوضوح. كان تفكيره منطقياً، وحرصه على حدود الشرع وسلامتها هو الأهم. ولكن، بقيت تلك الشعرة من القلق، ذلك الإحساس بأن شيئاً قد بدأ يتحرك، شيئاً قد يغير مجرى الأمور. هذا الرجل، الذي كان جزءاً من ماضيها، قد يعود ليصبح تهديداً لحاضرها، لحياتها الزوجية السعيدة.