الزوجة الصالحة الجزء الثاني

صدى الذنب ونداء الواجب

بقلم ليلى الأحمد

كانت الكلمات تتردد في رأس أمينة كصدىً مزعج. "أتخوف أن يكون ذلك الشخص لا يزال على نفس الطريق الذي تركتُه عليه." جملة قالتها لزوجها، لكنها كانت تعبر عن أعمق مخاوفها. لم يكن الأمر مجرد ذنب قديم، بل كان خوفاً حقيقياً من أن يعود ذلك الرجل ليصبح مشكلة، ليس له وحده، بل لها ولبيتها. لقد ظنت أنها تخلصت منه، وأن حياتها سارت في مسار جديد، مسار البركة والرضا. ولكن، عودته هذه كانت بمثابة إنذار.

"هل تحدثتِ معه مرة أخرى؟" سألت أمينة زوجها أحمد في صباح اليوم التالي، بينما كانا يحتسيان قهوتهما. أجابها أحمد بصوت هادئ: "لا، لم أتحدث إليه. ولكني بحثت قليلاً. يبدو أن هذا الرجل، المدعو "طارق"، لديه سجل حافل بالمشاكل. كان قد مر بفترات اضطراب، وأحياناً كان يورط نفسه في أمور لا تحمد عقباها." ارتعش قلب أمينة. "إذن، توقعاتي لم تكن خاطئة." "لا تخافي يا أمينة. الحمد لله أننا لم ننجرف في المساعدة المباشرة. الآن، علينا أن نفكر في الطريقة الصحيحة. بما أننا لا نستطيع التحقق من وضعه بنفسنا، وبما أننا لا نريد أن نفتح باباً للمشاكل، قد يكون الحل هو أن نرسل له بعض المال، ولكن من خلال طرف ثالث موثوق. هل تعرفين أحداً من أهله، أو أصدقائه القدامى الذين يعرفون طريق الحق، ويمكنهم توصيل المال له، والتأكد من استخدامه في الغرض الذي قيل؟" فكرت أمينة. كانت تعرف أن طارق كان له بعض الأقارب، ولكن علاقتها بهم كانت متقطعة. "ربما... هناك ابن عم له، اسمه "كمال". كنت أعرف أنه ملتزم. قد يكون هو الشخص المناسب." "ممتاز. إذاً، اتصلي به. اشرحي له الوضع، مع التأكيد على عدم ذكر تفاصيل شخصية عن علاقتكِ به، فقط أنه كان زميلاً قديماً ويعرف أنه يمر بضائقة. واطلبي منه أن يتولى الأمر، وأن يبلغنا إذا كان يحتاج إلى مزيد من المساعدة، ولكن بعد التحقق من الأمر." كانت أمينة تشعر بشيء من الراحة. أحمد كان دائماً سباقاً لإيجاد الحلول، والتعامل مع الأمور بحكمة. ولكن، مع كل هذا، لم يختفِ الشعور بالذنب. فقد كانت تعرف أن طارق، في وقت من الأوقات، كان يحمل لها مشاعر، وربما كان يأمل في شيء لم تستطع تقديمه. هل كان استغلاله لوضعها الحالي، وطلبه للمساعدة، فيه نوع من الإحراج المتعمد؟

بعد فترة وجيزة، اتصلت أمينة بكمال. كان صوته ودوداً، ولم يتغير كثيراً. شرحت له الموقف، دون تفاصيل كثيرة. "أعرف أن طارق يمر بضائقة مالية، وطلب مني المساعدة. ولكن، ظروفها الآن لا تسمح لي بتقديمها بنفسي. هل يمكنك أن تتولى الأمر؟" تردد كمال قليلاً. "طارق؟ نعم، أعرف أنه كان يمر ببعض الصعوبات. لقد حاولت مساعدته سابقاً، ولكنه لم يكن يستمع دائماً. سأحاول أن أتحدث معه، وسأرى ما يمكنني فعله." "شكراً جزيلاً لك يا كمال. سأرسل لك بعض المال، لتتمكن من مساعدته." "لا داعي يا أمينة. سأتكفل بالأمر. لكن، سأبلغكِ إذا احتجتُ شيئاً." شعرت أمينة بالامتنان. كان كمال يبدو شخصاً مسؤولاً. ولكن، كيف سيخبر طارق؟ هل سيشعر بالإهانة؟ أم سيقبل المساعدة؟

مرت أيام، وبدأت أمينة تنغمس في حياتها اليومية. عاد أحمد إلى عمله، وعاد صخب الحياة الطبيعية. ولكن، في أحد الأيام، تلقت رسالة من كمال. كتب فيها: "لقد تحدثت مع طارق. كان متحمساً جداً لمساعدته. أعطيته المال الذي أرسلتِ، وقد وعدني بأنه سيغير حياته. يبدو أنه قد أدرك حجم أخطائه." قرأت أمينة الرسالة، وشعرت براحة غامرة. يبدو أن الأمور بدأت تنتهي بشكل جيد. ولكن، في نهاية الرسالة، أضاف كمال جملة جعلت قلبها ينقبض: "لاحظت أنه، على الرغم من تحسنه، إلا أن هناك شيئاً ما كان يزعجه. سألته عن السبب، فقال إنه يشعر بالغيرة من حياتكِ السعيدة، ومن أنكِ قد تجاوزتِ الماضي. قال إنه ما زال يحبكِ، ويتمنى لو أن الظروف كانت مختلفة." توقفت أمينة عن التنفس. الغيرة؟ والحب؟ كيف يمكن أن يكون الأمر كذلك؟ لقد اعتقدت أن الأمر مجرد مساعدة إنسانية، وواجب شرعي. لكن، يبدو أن طارق لم ينسَ. لقد كان هذا هو خوفها الأكبر.

"ماذا هناك يا أمينة؟" سأل أحمد، وقد رأى تعابير وجهها. أرته الرسالة. قرأها بتمعن. "هذا مؤسف. ولكن، علينا أن نكون واضحين. أنتِ متزوجة، ولله الحمد، ولستِ بحاجة لأن تفكري في هذا الأمر. طارق بحاجة إلى أن يركز على إصلاح نفسه، وعلى أن يجد طريقاً صحيحاً لحياته، وليس على التفكير في الماضي أو في ماضٍ لن يعود." "ولكن، هل هذا يعني أننا سنظل نتلقى رسائل منه؟ أو أنه قد يعود ليطلب المزيد؟" "لا تقلقي. بما أن كمال قد تولى الأمر، فهو يعرف ما يجب فعله. وإذا حدث أي شيء، سنكون على علم. الأهم الآن هو أن نركز على حياتنا. وأن نتقي الله في أنفسنا وفي بيتنا. لقد أثبتِ أنكِ إنسانة طيبة، وأنكِ تحاولين فعل الخير. وهذا يكفي." شعرت أمينة بأنها عالقة بين أمرين. بين واجبه الشرعي في مساعدة المحتاج، وبين واجبها في حماية بيتها وزوجها. لقد شعرت بأنها وقعت في فخ، فخ الماضي الذي كان يتسلل ببطء إلى حياتها.

في الأيام التالية، كانت أمينة تشعر بقلق متزايد. لم تتلقَ أي رسائل أخرى من طارق، ولكن فكرة أنه ما زال يفكر بها، وما زال يشعر بالحب، كانت تزعجها. هل هذا هو الشعور الذي يتبعه إثم؟ وهل كان عليها أن تتجاهله تماماً؟ "أحمد، هل تعتقد أنني فعلت الصواب؟" سألت ذات مساء. "نعم يا أمينة. لقد تعاملتِ مع الأمر بحكمة. طلبتِ المساعدة من شخص موثوق، ولم تفتحي باباً للفتنة. وهذا هو المطلوب. أما مشاعر طارق، فهي مسؤوليته وحده. ولا يجب أن تحملي وزرها." "ولكن... ماذا لو أثر ذلك على حياته؟" "إن كان لا يزال يحبكِ، فقد يكون هذا دافعاً له لكي يبحث عن زوجة صالحة، وعن حياة مستقرة. هذه أمور بيد الله. أما أنتِ، فاستمري في حياتكِ، واثقة بأنكِ تسيرين في الطريق الصحيح." على الرغم من كلمات أحمد، استمر القلق يساور أمينة. كانت تشعر بأن هذا الأمر قد لا ينتهي بسهولة. لقد كانت ذكريات الماضي، وخاصة تلك التي تحمل مشاعر متداخلة، قادرة على إحداث الكثير من الضرر. كانت تعلم أن طارق كان شخصاً عاطفياً، وأن مشاعره قد تكون قوية. هل هذا الشعور بالغيرة والحب هو مجرد مرحلة سيمر بها، أم أنه سيكون سبباً في ظهور مشاكل جديدة؟

أخذت تفكر. ربما لم يكن الحل هو مجرد إرسال المال. ربما كان طارق بحاجة إلى توجيه، إلى نصيحة، إلى تغيير شامل في حياته. ولكن، كيف يمكن لأمينة أن تقدم له ذلك دون أن تقع في ما لا يرضي الله؟ هل كان بإمكانها أن تطلب من كمال أن يتحدث مع طارق عن ضرورة الالتزام الديني، وعن أهمية الزواج الحلال؟ "أحمد، ما رأيك لو طلبت من كمال أن يتحدث مع طارق عن ضرورة الزواج؟" نظر إليها أحمد بدهشة. "الزواج؟ لماذا؟" "لكي يجد له شريكة حياة، ويبتعد عن هذه الأفكار. لكي يبدأ حياته من جديد، بطريقة صحيحة." "هذا اقتراح جيد. إذا كان كمال يراه مناسباً، فليتحدث معه. ولكن، يجب أن يكون الأمر بطريقة لطيفة، ودون إحراج." شعرت أمينة بأنها بدأت تجد مساراً للخروج من هذا المأزق. لقد كان واجبها أن تساعد، ولكن بطريقة لا تضر. ربما كان هذا هو السبيل. السبيل الذي يجعلها تفعل ما عليها، دون أن تفتح أبواب الشر. ولكن، مع كل هذه الحسابات، بقي قلبها يتساءل. هل حقاً سينتهي الأمر عند هذا الحد؟ أم أن ذكريات الماضي، كالأشباح، ستظل تلاحقها؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%