الزوجة الصالحة الجزء الثاني
لُبْسٌ في النوايا وشكوكٌ في الوداد
بقلم ليلى الأحمد
لم يكن الهدوء الذي حاولت أمينة أن تخلقه في نفسها كافياً لتبديد الشكوك التي بدأت تنمو كالنباتات البرية في حديقة روحها. فكرة أن طارق، الرجل الذي كان يوماً ما جزءاً من ماضيها، ما زال يحمل لها مشاعر، بل ويشعر بالغيرة من حياتها الزوجية، كانت كالصخرة التي تثقل صدرها. لم يكن الأمر مجرد قلق على نفسها، بل كان قلقاً على استقرار علاقتها بزوجها أحمد، الذي منحها كل الحب والأمان.
"لقد حاولت أن أفهم كيف يمكن لشخص أن يطلب المساعدة من شخص لا يريده، وفي نفس الوقت يعبر عن مشاعر قديمة." قالت أمينة لأحمد ذات مساء، وهي تراقب النجوم من نافذة غرفة نومهما. ابتسم أحمد بحنان. "يا أمينة، البشر يختلفون. قد يكون طارق في وضع يائس، ويرى فيكِ المنقذ الوحيد، حتى لو لم يكن ذلك صحيحاً. وقد تكون مشاعره تجاهكِ مجرد تعلق قديم، لم يستطع التخلص منه. المهم أن تكوني أنتِ واضحة في موقفكِ." "لكني أشعر بالذنب. هل كان عليّ أن أرفض مساعدته تماماً؟" "لا. أنتِ لم ترفضي المساعدة، بل تعاملتِ مع الأمر بحكمة. لقد أعطيتِ المال، ولكن من خلال طرف ثالث. وهذا يمنع أي تجاوزات. أما بالنسبة لمشاعره، فدعيها له. هو وحده المسؤول عن تصرفاته ومشاعره. إذا أراد أن يتغير، فهذه فرصة له. وإذا لم يفعل، فهذه مشكلته." كانت كلمات أحمد مريحة، ولكنها لم تطفئ جذوة القلق تماماً. بدأت أمينة تتساءل. هل كانت طريقة تعاملها مع طارق هي الأمثل؟ هل كان يجب أن تكون أكثر حزماً؟ أو ربما أكثر رحمة؟
في غضون ذلك، استمر كمال في التواصل مع طارق. كانت الرسائل التي يرسلها إلى أمينة تحمل تطمينات. "لقد بدا طارق أفضل حالاً. بدأ يتحدث عن العمل، وعن مستقبله. يبدو أن المساعدة التي تلقاها كان لها أثر كبير." كانت هذه الرسائل تبعث على الارتياح، ولكن في أعماقها، كانت أمينة تشعر بأن الأمور ليست بهذه البساطة. فكرة أن طارق قد تكون لديه أفكار أخرى، أو أنه قد يحاول التواصل معها مرة أخرى، لم تفارقها.
"هل أنتِ متأكدة من أن طارق قد استوعب الرسالة؟" سألت أمينة أحمد. "لقد قام كمال بعمله. أما طارق، فالله وحده يعلم بما في قلبه. ولكن، الأهم أنكِ لم تمنحيه سبباً للاعتقاد بأنكِ مستعدة للعودة إلى علاقة قديمة. أنتِ واضحة، وأحمد واضح. والحمد لله، أنكما معاً." "ولكني أخشى أن يحاول أن يلعب على وتر مشاعره القديمة. أن يدعي أنه قد تغير، وأنه يريد الاستمرار في التواصل." "إذا حدث ذلك، فعليكِ أن تكوني حازمة. لا تردي على مكالماته، ولا على رسائله. وإذا استمر في المضايقات، فليكن الأمر في علمي، وسنتخذ ما يلزم." كانت هذه الكلمات بمثابة درع لأمينة. شعرت بأن أحمد يحميها، ويقف بجانبها. ولكن، كيف يمكن أن يكون الحل النهائي؟ هل سيظل طارق يراقب حياتها من بعيد؟
مرت أسابيع، وبدأت الأمور تبدو وكأنها تعود إلى طبيعتها. تلاشت قلق أمينة تدريجياً، وعادت لتستمتع بحياتها الزوجية الهادئة. ولكن، في أحد الأيام، تلقت أمينة مكالمة هاتفية غريبة. كان المتحدث رجلاً، صوته عميق، ولغته غير مألوفة. "هل أنتِ السيدة أمينة؟" سأل بصوت متردد. "نعم، أنا هي." "لقد سمعت عنكِ. سمعت أنكِ قد ساعدتِ شخصاً اسمه طارق. هل هذا صحيح؟" ارتعشت أمينة. "نعم، لقد قدمت له بعض المساعدة." "وما هي طبيعة هذه المساعدة؟" "لقد قدمت له بعض المال." "ولماذا؟ هل أنتِ من قريباته؟" "كنت أعرفه منذ زمن بعيد." "منذ زمن بعيد؟ وأي نوع من المعرفة؟ هل كنتم... مقربين؟" شعر أمينة بأن الأسئلة بدأت تصبح محرجة. "لقد كانت علاقة صداقة قديمة. الآن، أرجو منك أن تخبرني من أنت؟" "اسمي "جاسم". أنا صديق لطارق. ولكني أشك في نواياه. هو لا يزال يحاول أن يجد طريقة للتواصل معكِ. وهو يبالغ في تصوير وضعه، وفي تصوير علاقته بكِ." "بالغ؟" سألت أمينة بصوت مرتجف. "نعم. إنه يريد فقط أن يلفت انتباهكِ. يبدو أن لديه أفكاراً قديمة، ويريد أن يفتح أبواباً قديمة. أنا قلق عليكِ، وعلى زوجكِ. يبدو أن طارق ليس شخصاً يعتمد عليه." كانت كلمات جاسم صادمة. لقد كانت أمينة تعتقد أن طارق قد بدأ يتغير، ولكن يبدو أن العكس هو الصحيح. لقد كان يستغل طيبتها، ويحاول أن يقترب منها مرة أخرى. "شكراً لك يا جاسم على هذه المعلومات. سآخذها بعين الاعتبار." أنهت أمينة المكالمة، وهي تشعر بالصدمة والخوف. لقد كان هذا هو السيناريو الأسوأ الذي تخيلته. طارق لم يكن يتغير، بل كان يتآمر، ويستغل ضعف الآخرين.
"ماذا حدث؟" سأل أحمد، وقد رأى قلقها. أخبرته أمينة بكل شيء. عن المكالمة، وعن كلام جاسم. "يبدو أن طارق كان يمثل علينا. وأن نواياه لم تكن حسنة." نظر أحمد إلى أمينة بتفهم. "لا تقلقي يا حبيبتي. لقد كنتِ واعية. وقد فعلتِ ما عليكِ. الآن، علينا أن نتخذ إجراءات. لا يمكننا أن نسمح لهذا الرجل بأن يزعج حياتنا." "ماذا سنفعل؟" "أولاً، سنتصل بكمال، ونخبره بما عرفناه. لعل لديه فكرة عن هذا الرجل "جاسم"، وعن نواياه. ثانياً، سنكون أكثر حذراً. وإذا حاول طارق التواصل معكِ مرة أخرى، أو حاول أي شيء يثير الشبهات، فلن نتردد في اتخاذ الإجراءات اللازمة." شعرت أمينة بأنها محاطة بدعم قوي. أحمد كان دائماً سندها. ولكن، في نفس الوقت، كان عليها أن تفكر. هل كان لجاسم هذا دور آخر؟ هل كان يحاول إيقاع طارق في مشكلة جديدة؟ أم أنه كان يحاول حمايتها حقاً؟
"وماذا عن كمال؟ هل نثق به؟" سألت أمينة. "كمال يبدو شخصاً جيداً. إذا كان جاسم يتحدث بصدق، فإن كمال سيكون على علم. سنرى ما سيقوله." بدأت أمينة تشعر بأن هذه القصة تتشابك أكثر فأكثر. لم يعد الأمر يتعلق بمسؤولية أخلاقية تجاه طارق، بل أصبح يتعلق بشكوك، وبنوايا خفية، وربما بمؤامرة. لقد دخلت حياتها في منطقة رمادية، تحتاج إلى الكثير من الحذر والتدقيق.
في تلك الليلة، لم تستطع أمينة أن تنام. كانت الأفكار تتصارع في رأسها. هل كان طارق يمثل؟ هل كان جاسم صادقاً؟ هل كان هناك من يحاول استغلالها؟ كل هذه الأسئلة كانت تزيد من قلقها، وتجعلها تشعر بأنها في وضع ضعيف. لقد كانت تعلم أن أحمد قوي، ولكنه لا يستطيع حمايتها من كل شيء. كانت هي نفسها بحاجة إلى أن تكون قوية، وأن تتخذ قرارات صائبة. "أحمد، هل تعتقد أن جاسم كان صادقاً؟" "لا يمكنني الجزم. ولكن، إذا كان ما يقوله صحيحاً، فهذا يعني أن طارق لديه نوايا سيئة. وعلينا أن نحتاط." "ولكني أشعر بالقلق. ماذا لو كان جاسم هو من له نوايا سيئة؟" "سنرى. سنتحدث مع كمال، وسنستمع إلى ما سيقوله. لا تقلقي كثيراً. الأمور ستتكشف مع الوقت." شعرت أمينة بأنها في سباق مع الزمن. سباق ضد ماضي قديم، وضد نوايا قد تكون غير سليمة. كانت تعلم أن هذه الفترة ستكون صعبة، وأنها تحتاج إلى قوة وصبر. وأنها بحاجة إلى أن تتسلح باليقين، وأن تطلب العون من الله.