الحبيب الغائب
خفقان القلب بين أغصان الزيزفون
بقلم فاطمة النجار
كانت رائحة الياسمين تملأ فضاء الليل، تتسلل عبر النوافذ المفتوحة لغرفة خديجة، تداعب خصلات شعرها السوداء المنسدلة على وسادتها. لم يكن النوم ضيفاً ثقيلاً عليها، بل كان رفيقاً هارباً، يتركها تتأمل في سكون الظلام، وفي صخب مشاعر لا تعرف لها تفسيراً. كانت في أوج شبابها، في ذلك العمر الذي تختلط فيه الأحلام بالواقع، وتتأرجح الروح بين الرجاء والخوف.
استيقظت فجأة، لا تدري ما الذي أيقظها. هل هو صوت صرير غصن الزيزفون في الفناء الخلفي؟ أم حفيف جناح فراشة ليلي؟ أم ربما ذلك النداء الخفي الذي يتردد في أعماق النفس حينما يصبح الشوق أشد من القدرة على التحمل. نهضت من سريرها بخفة، كأنها شبح ينساب بين الظلال. كانت الغرفة تغمرها إضاءة القمر الخافتة، ترسم خطوطاً فضية على الأرضية الخشبية الباردة.
انحنت على النافذة، وفتحتها بالكامل. برودة الهواء المنعشة داعبت وجهها، حملت معها عبق الأرض بعد المطر، ورائحة الندى المتجمع على أوراق الشجر. نظرت إلى السماء، المرصعة بالنجوم كقلادة ماسية، وتنهدت. لم يكن تنهد حزن، بل تنهد امتنان، وتنهد شوق، وتنهد رجاء.
منذ زمن، وفي ربيع لم تفارق ذكراه ذاكرتها، لقيت شاباً. كان لقاءً عابراً، في سوق البلدة القديمة، حيث تزاحمت الروائح والأصوات، وتلألأت الألوان. كان يوسف، ابن عم بعيد، عاد لتوه من غربة علم وعمل. لم يكن يوسف كغيره من الشبان. كانت له هالة خاصة، هالة من الوقار ممزوج بالدفء، وعينان تحملان بريقاً من الحكمة والسماحة.
في ذلك اللقاء القصير، لم يتحدثا كثيراً. تبادلا كلمات قليلة، تحيات رسمية، لكن في نظراتهما، في ابتساماتهما المترددة، كان هناك حديث آخر، حديث الأرواح التي تتعارف قبل الأجساد. شعرت خديجة بشيء غريب، شعرت بانسجام عجيب، كأنها تعرفه منذ زمن طويل، كأنها تنتظره.
مرت الأيام، وتوالت السنوات. عاد يوسف إلى غربته، تاركاً في قلب خديجة أثراً لا يمحى. لم يكن مجرد إعجاب عابر، بل كان شعوراً أعمق، أقرب إلى التقدير الممزوج بالرجاء. كانت تسمع عنه أحياناً من والديها، أخباراً متفرقة، تفيد بنجاحه، واجتهاده، وتدينه. كل خبر كان يزيد من توقها، ويزيد من إيمانها بأن هذا الشاب هو ما تتمناه.
لكن الحياة لم تكن دائماً سهلة. واجهت خديجة تحديات، ومواقف جعلتها تشعر بمرارة الوحدة، وبثقل المسؤولية. كان والدها، الرجل الكريم، يراقب أحوال ابنته بقلق. كان يرى فيها روحاً نقية، وجوهرة ثمينة، لا يريد لها إلا أفضل نصيب. لكنه كان يعلم أن النصيب يأتي بأسبابه، وبالأقدار التي لا يعلمها إلا الله.
جلست على حافة النافذة، ورأسها مستند إلى الجدار البارد. تخيلت يوسف. تخيلت وجهه، صوته، ابتسامته. كانت تتمنى لو أنها تستطيع أن ترسل إليه كلمة، رسالة، مجرد همسة تقول له: "أنا هنا، ما زلت أنتظرك". لكنها كانت تعلم أن هذا مستحيل، وأن الحدود التي رسمها المجتمع، والعادات، تمنع مثل هذه المبادرات.
كانت أخلاقها تحكمها. كانت ابنة أسرة كريمة، تعلمت الحياء والاحتشام، تعلمت أن للمرأة المسلمة وقارها، وأن شوقها يجب أن يكون صامتاً، موجهًا إلى الله، متوسلاً إليه أن يجمع بينها وبين من ترضى دينه وخلقه.
فجأة، سمعت صوتاً خافتاً قادماً من الفناء. صوت خطوات. تجمّدت في مكانها، وأصغت بكل حواسها. كانت خطوات تقترب، ثم تتوقف بالقرب من شجرة الزيزفون. تنهدت بارتياح، ثم قلق. هل هو والدها؟ أم أحد الخدم؟
نظرت إلى الظلال المتراقصة تحت ضوء القمر. ثم رأت جسداً يتحرك ببطء، يقف بجوار الشجرة. لم تستطع تمييزه بوضوح، لكنه كان رجلاً. شعرت بخفقان مفاجئ في قلبها، خفقان أشد من خفقان شوقها. شعرت بالفضول، وبالرهبة.
هل هو... هل يمكن أن يكون...؟
ترددت في نفسها. استجمع كل شجاعتها، ثم همست بصوت خافت كأنها تخاطب الظلام: "من هناك؟"
لم يأتِ رد. فقط صوت الريح يداعب أوراق الزيزفون. ثم، ببطء، بدأ الجسد يتحرك مبتعداً. في لحظة، اختفى في الظلام، تاركاً وراءه فراغاً، وتركاً لخديجة في حيرة.
أغلقت النافذة ببطء، وقلبها ينبض بعنف. هل كانت وهماً؟ هل كان خيالها ينسج قصصاً في سكون الليل؟ أم أن هناك شيئاً ما، لم تفهمه بعد، قد بدأ يتكشف؟
عادت إلى سريرها، لكن النوم لم يعد يلوح في الأفق. ظلت متيقظة، تستمع إلى أصوات الليل، وتستعيد تلك اللحظة الغامضة. في أعماق روحها، كان هناك شعور يتنامى، شعور بأن هذا الليل، وهذه اللحظة، قد تكونان بداية لشيء عظيم، لشيء قد يغير مجرى حياتها.
وتحت ضوء القمر المتسلل من نافذتها، غفت خديجة أخيراً، وفي أحلامها، كانت ترى غصن زيزفون، تحمله نسمات الليل، وتهمس بأسماء لم تسمعها من قبل، أسماء تحمل معها وعوداً، وأحلاماً، وشوقاً لا ينتهي.