الحبيب الغائب
سرٌّ ينسج خيوط القلق
بقلم فاطمة النجار
عادت ليالي إلى منزل والديها تحمل في قلبها ثقلاً لم تعهده من قبل. فمنذ لقائها الأخير بأحمد، لم تفارقها همساته، صورته التي استقرت في عمق روحها، ورائحة عطره التي ما زالت عالقة بوشاحها. لم تكن مجرد مشاعر عابرة، بل كانت أشبه بزهرة نادرة بدأت تتفتح في بستان روحها، تسقيها آمالٌ بريئة وتغذيها ذكرياتٌ باتت تحمل ألواناً زاهية.
كان البيت يعج بالحياة المعهودة؛ ضحكات شقيقاتها الصغرى، أحاديث والدتها عن تدبير شؤون المنزل، ووجود والدها الذي يقرأ في ركن ديوانه. كل هذا كان يبعث في نفسها شعوراً بالأمان والدفء، لكنه لم يكن ليخفف من وابل الأفكار التي كانت تداعب عقلها. هل كان أحمد يشعر بما تشعر به؟ وهل كانت عيناه تعكسان تلك النظرة التي رأتها فيه، نظرةٌ تقول ألف كلمة وكلمة؟
في مساء ذلك اليوم، بينما كانت تجلس مع والدتها تساعدها في ترتيب ملابس الغسيل، سألتها الأم بنبرةٍ هادئة ومليئة بالحب: "ما بال ابنتي؟ أرى في عينيكِ حزناً يخفيه بريقٌ جديد. هل هناك ما يشغل بالكِ يا ليالي؟"
ارتعشت كلمات ليالي وهي تحاول صياغة إجابةٍ تليق بسؤال والدتها الحنون. "لا شيء يا أمي، مجرد إرهاقٍ من السفر."
ابتسمت الأم بحكمةٍ، وقالت: "الإرهاق قد يفسر تعب الجسد، لكنه لا يفسر هذا الشتات في عينيكِ. هل هناك شابٌّ معين؟"
احمرّ وجه ليالي خجلاً، وحاولت التملص من السؤال. "لا يا أمي، لم ألتقِ بأحدٍ يستحق هذا التفكير."
لكن قلب الأم بصيرةٌ نافذة، فقد عرفت ابنتها منذ نعومة أظفارها. "حسناً يا حبيبتي. متى شعرتِ بالراحة، فأنا هنا لأستمع."
في الأيام التالية، تزايد قلق ليالي. كانت تتلقى رسائل قصيرة من أحمد، تحمل كلماتٍ مهذبة ولكنها تحمل في طياتها ما يثير فضولها. كان يتحدث عن كتبٍ قرأها، وعن مشروعاتٍ يعمل عليها، وعن اهتمامه بالشؤون العامة. لم تكن رسائله مليئةً بالمغازلة السطحية، بل كانت تعكس عقلاً واعياً وقلباً واعياً.
وذات يوم، بينما كانت تتجول في سوق المدينة القديمة، حيث اعتادت أن تتسوق مع والدتها، رأت شخصاً يقف أمام أحد الأكشاك يشتري بعض التوابل. لم يكن سوى أحمد. توقف قلبها للحظة، وشعرت بالخجل يغمرها. لم تكن مستعدةً للقائه مرة أخرى بهذا الشكل المفاجئ.
حاولت أن تتوارى خلف أحد الأكشاك، لكن أحمد التفت بشكلٍ مفاجئ. رأته. ابتسم ابتسامةً واسعة، ومال برأسه تحيةً. تقدم نحوها بخطواتٍ واثقة.
"ليالي؟ ما هذا اللقاء الجميل؟" سأل بلهجةٍ سارة.
تلعثمت ليالي قليلاً. "أحمد. لم أتوقع رؤيتك هنا."
"وأنا أيضاً. تبدين أجمل في مدينة نشأتِ فيها." قال، وعيناه تتأملانها بعمق.
وقفت ليالي تتنفس بصعوبة، محاولةً استجماع شتات أفكارها. "أشكرك. جئتُ للتسوق مع أمي."
"هل تفضلين الحديث هنا أم نجد مكاناً أكثر هدوءاً؟" سأل أحمد، مشيراً إلى مقهى صغير تطل نوافذه على الشارع.
شعرت ليالي بتردد. الخروج معه وحدها قد لا يكون مقبولاً، ولكنه يقترح مكاناً عاماً. "ربما يمكننا تبادل الحديث قليلاً."
جلسا في زاويةٍ هادئة من المقهى، وأمامهما فنجانان من القهوة العربية. بدأ أحمد حديثه بسؤاله عن أحوال عائلتها، وعن مدى راحتها في العودة إلى موطنها. كانت حديثه رقيقاً، خالياً من أي تلميحٍ قد يثير الاستياء.
"كنتُ أتساءل عن حالكِ منذ آخر لقاءٍ لنا. هل وجدتِ ما كنتِ تبحثين عنه في تلك البعثة؟" سأل، مشيراً إلى دراستها.
"نعم، كانت تجربةً غنية. تعلمتُ الكثير." أجابت ليالي، مستمتعةً بحديثه الهادئ.
"أنا سعيدٌ لسماع ذلك. أؤمن بأن العلم والمعرفة هما أساس بناء الإنسان." قال أحمد، ثم أردف: "وأنتِ، تبدين شخصاً يسعى للعلم والمعرفة بجدية."
"أحاول. ولكن أحياناً ما تشتتنا أمورٌ أخرى." قالت ليالي، وهي تشعر بأن قلبها يقفز.
"وما هي تلك الأمور التي تشتت؟" سأل أحمد، بعينين تحملان اهتماماً صادقاً.
"ربما... ربما المستقبل. القرارات الكبيرة." أجابت ليالي، وبدأت تشعر أن المحادثة تتجه نحو مسارٍ شخصي.
"المستقبل له أحكامه. ولكن يجب أن نسعى فيه بإيمانٍ وعمل." قال أحمد، ثم صمت قليلاً. "هل فكرتِ يوماً في مستقبلٍ مشترك؟"
كان السؤال مفاجئاً، وترك ليالي في حيرةٍ شديدة. لم تكن تتوقع أن يصل الحديث إلى هذا الحد. ارتسمت على وجهها علامات الارتباك.
"مستقبلٌ مشترك؟" كررت ليالي، وصوتها خافت.
"نعم. هل هناك شخصٌ في حياتكِ يشغل تفكيركِ؟ شخصٌ تطمحين لبناء بيتٍ معه؟" سأل أحمد، ونظرته ثابتة، ولكنها تحمل مزيجاً من الأمل والحذر.
لم تعرف ليالي ماذا تقول. هل تخبره بما تشعر به؟ هل تشير إلى أملٍ بدأ ينمو في قلبها؟ أم تحاول التظاهر باللامبالاة؟
"لا يوجد أحدٌ محدد." قالت ليالي أخيراً، محاولةً أن تبدو هادئة. "أنا لم أفكر في هذا الأمر بعد."
"أتفهم." قال أحمد، وبدت على وجهه علامات خيبة أملٍ خفيفة. "ربما ما زلتِ صغيرةً على هذه القرارات. ولكن تذكري، يا ليالي، أن الحياة رحلةٌ نبني فيها جسوراً. بعض هذه الجسور تكون مؤقتة، وبعضها يدوم للأبد."
انتهت القهوة، وشعرت ليالي بانتهاء الوقت المتاح. نهض أحمد ودفع ثمن القهوة. "كان لقاءً ممتعاً. آمل أن نلتقي مرةً أخرى، ربما في مناسبةٍ أخرى."
"بإذن الله." قالت ليالي، وودعته.
عندما عادت إلى منزل والدتها، كانت تشعر بثقلٍ أكبر. لم يكن اللقاء عابراً، ولم تكن كلماته مجرد كلمات. شعر أحمد بشيءٍ تجاهها، وكان يحاول أن يقيس رد فعلها. أما هي، فكانت تشعر بأنها في مفترق طرق. هل عليها أن تفتح قلبها له؟ أم عليها أن تحافظ على مسافة؟
في تلك الليلة، لم تستطع ليالي النوم. كانت تتذكر كلماته، ابتسامته، وعينيه. هل كانت هذه بداية قصةٍ جديدة؟ أم مجرد حلمٍ عابرٍ سينتهي مع شروق الشمس؟ تساؤلاتٌ كثيرةٌ دارت في رأسها، وجعلتها تدرك أن حياتها بدأت تتشابك مع حياة أحمد بطرقٍ لم تتوقعها.