الفصل 11 / 25

الحبيب الغائب

شفقٌ يلوح في الأفق

بقلم فاطمة النجار

لم تكن ليالي وحدها من يشعر بالارتباك والترقب. كان أحمد أيضاً يتقلب على فراشه، يعيد في ذهنه تفاصيل لقائه بليالي في سوق المدينة القديمة. لقد أثارت فيه هذه الفتاة شيئاً لم يشعر به من قبل. كانت هادئة، رزينة، تحمل في عينيها حكمةً تفوق سنها. ورغم أنها لم تبح بشيءٍ صريح، إلا أن الارتباك الذي بدا على وجهها عندما سألها عن المستقبل، والإشارة إلى احتمالية وجود اهتمامٍ خفي، أشعلت في قلبه أملاً دافئاً.

عاد أحمد إلى عزلته في مكتبته، محاولاً استخلاص بعض اليقين من بحر الشكوك. لقد قضى سنواتٍ في طلب العلم، يترقب الفرصة المناسبة لبناء أسرةٍ تكون سنداً له في حياته. وكان دائماً ما يبحث عن شريكةٍ تشاركه قيمه، وتفهمه، وتدعمه. وليالي، في لقاءاته القليلة بها، شعرت فيها بتلك الصفات.

كانت والدة أحمد، السيدة فاطمة، امرأةً حكيمةً وصاحبة بصيرة. لاحظت التغيير الذي طرأ على ابنها منذ عودته من رحلاته الدراسية. كان أكثر هدوءاً، وأكثر تأملاً. وفي إحدى أمسيات رمضان، بينما كانا يتناولان الإفطار معاً، سألته: "يا بني، هل هناك من شغلت فكرك؟ أرى في عينيكِ شيئاً مختلفاً."

تنهد أحمد، ونظر إلى والدته. "لا أعرف يا أمي. هناك فتاةٌ رأيتها، وأشعر نحوها بشيءٍ غريب."

"من هي؟ هل تعرفها العائلة؟" سألت الأم بترقب.

"إنها ليالي، ابنة عمي، التي درست في الخارج." قال أحمد. "لقد التقيت بها عدة مرات، وكل مرةٍ أشعر بشيءٍ يتجذر بداخلي."

ابتسمت السيدة فاطمة. "ليالي فتاةٌ طيبةٌ ومهذبة. والدتها السيدة عائشة، نعم النسب والخلق. هل تحدثت معها؟"

"تحدثتُ معها بالأمس، وسألتها عن مستقبلها. لم تأتِ إجابتها واضحة، ولكنني شعرت بأن هناك أملاً." قال أحمد.

"الأمل هو بذرة الحب، يا بني. إذا كان قلبكِ يميل إليها، وكان أهلها من الصالحين، فلا تتردد في السعي." قالت الأم بنبرةٍ تشجيعية. "العائلة هي السند، والشريكة الصالحة هي من تضيء دروب الحياة."

ازداد تصميم أحمد. قرر أن يتبع قلبه، ولكن بطريقةٍ تتوافق مع قيمه الإسلامية. لن يكون هناك أي تجاوزٍ أو تسرع.

في صباح اليوم التالي، جمع أحمد شجاعته وأرسل رسالةً إلى والد ليالي، السيد عمر، يطلب فيها موعداً لزيارته. لقد أرسل الرسالة عبر وسيطٍ موثوقٍ به، وهو خال ليالي، السيد سعيد، الذي كان صديقاً مقرباً للسيد عمر.

عندما وصلت الرسالة إلى السيد عمر، شعر بسعادةٍ غامرة. كان يعلم أن أحمد شابٌ واعد، ذو خلقٍ ودين. وأن سعيه لخطبة ليالي سيكون خيراً لها. تحدث مع زوجته السيدة عائشة، وأخبرتها بالأمر. كانت سعيدةً جداً، لأنها كانت تعلم مدى اهتمام ابنتها برجلٍ صاحب علمٍ وخلق.

"الحمد لله، الحمد لله يا عمر. كنتُ أدعو الله أن يرزق ابنتنا زوجاً صالحاً." قالت السيدة عائشة، ودموع الفرح تترقرق في عينيها.

"والحمد لله على نعمةٍ تترى. أحمد شابٌ نرتضيه، وليالي تستحق الأفضل." قال السيد عمر.

حدد السيد عمر موعداً لزيارة أحمد. جاء الخبر إلى ليالي كالصاعقة. لم تكن تتوقع أن يتطور الأمر بهذه السرعة. شعرت بخليطٍ من الفرح والقلق. فرحٌ لأن رجلاً بهذه الصفات يطلب يدها، وقلقٌ لأنها لم تستطع أن تعبر عن مشاعرها بوضوحٍ تام.

عندما دخل أحمد إلى بيت السيد عمر، كان يرتدي ثوباً تقليدياً نظيفاً، ورائحته تفوح بالطيب. استقبله السيد عمر بحفاوةٍ وترحيب. جلسا في ديوان المنزل، وتحدثا عن أمورٍ عامة في البداية. ثم، بعد استقرار الأجواء، تناول أحمد الحديث الذي جاء من أجله.

"يا عمي عمر، جئتُ اليوم زائراً، ولكن لي هدفٌ أسمى. لقد رأيتُ في ابنتكِ ليالي، ما يسر العين والقلب. رأيتُ فيها العقل، والحياء، والدين. وأنا، بفضل الله، أرغب في التقدم لخطبتها، إذا وافقتم ورضيتم." قال أحمد، وبصوته قوةٌ وهدوء.

استقبل السيد عمر كلام أحمد بابتسامةٍ واسعة. "أهلاً بك يا أحمد، وأهلاً بطلبك. لقد أثلجت صدري. أنت شابٌ نعرف قدره، ونثق بأخلاقك. وابنتنا ليالي، هي قطعةٌ من قلوبنا. إذا كانت راضيةً، فنحن راضون."

"هل لي أن أتحدث مع ليالي، لأسمع رأيها؟" سأل أحمد، بلهجةٍ تحمل احتراماً.

"بالتأكيد. سأناديها." قال السيد عمر، وذهب لينادي ابنته.

عندما سمعت ليالي باسمها، شعرت برجفةٍ تسري في جسدها. كانت قد ارتدت ملابس محتشمة، وشعرها مغطى بالكامل. عندما دخلت إلى الديوان، ورأت أحمد ينظر إليها، شعرت بأن كل شيءٍ يدور حولهما.

"ليالي، بنيتي. السيد أحمد قد جاء يطلب يدكِ." قال والدها، ونبرته تحمل حباً عظيماً.

تورد وجه ليالي، ونظرت إلى أحمد. لم تستطع أن تتحدث. أومأت برأسها إيماءةً خفيفة، تحمل موافقتها الصامتة.

ابتسم أحمد، ومال برأسه. "شكراً لكِ يا ليالي. أتمنى أن أكون عند حسن ظنكِ."

"الحمد لله." قال السيد عمر، وبدا عليه الفرح. "الآن، لنحدد موعداً رسمياً للخطبة، لنجتمع بالأهل ونكمل الإجراءات."

اتفق الجميع على موعدٍ للخطبة بعد أسبوعين. كانت الأيام القادمة مليئةً بالبهجة والتجهيزات. أخبرت ليالي صديقاتها المقربات، وكانت سعيدةً جداً. شعرت بأنها قد وجدت شريك الحياة الذي كانت تتمناه.

لكن في خضم هذه السعادة، كانت هناك خيوطٌ خفيةٌ بدأت تتشابك. فقد علم شابٌ آخر، كان يطمع في ليالي، بالأمر. كان اسمه "كمال"، وكان يعمل موظفاً في إحدى الشركات الكبرى، ويمتلك ثروةً لا بأس بها. كان قد اعتاد أن يحصل على ما يريد، ولم يتقبل فكرة أن تذهب ليالي إلى غيره. بدأت في عينيه شرارةٌ من الغيرة والحقد، وبدأ يخطط في الخفاء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%