الحبيب الغائب
رياحٌ عاتيةٌ تلوح في الأفق
بقلم فاطمة النجار
بعد تحديد موعد الخطبة، عمت أجواءٌ من البهجة والترقب في بيت السيد عمر. بدأت السيدة عائشة في التجهيز لفرح ابنتها، واختارت مع ليالي فساتين السهرة، وزينت المنزل. كانت ليالي تشعر بسعادةٍ غامرة، وهي تتخيل حياتها المستقبلية مع أحمد. كان لقاؤهما الأخير قد أزال الكثير من حيرتها، وجعلها تشعر بالأمان والطمأنينة.
في إحدى الأمسيات، بينما كانت ليالي تتحدث مع والدتها في غرفة الجلوس، سألتها السيدة عائشة: "ما رأيكِ في أحمد يا ابنتي؟ هل تشعرين بالراحة معه؟"
ابتسمت ليالي، ونظرت إلى والدتها. "نعم يا أمي، أحمد رجلٌ نعم الخلق والخلق. أشعر بالأمان بجانبه، وأتمنى أن تكون حياتنا سعيدة."
"الحمد لله. الله يوفقكِ ويسعدكِ. لقد رأيتُ فيه خير سندٍ لكِ." قالت السيدة عائشة، واحتضنت ابنتها.
من ناحيةٍ أخرى، كان أحمد منهمكاً في التجهيزات لخطبته. تحدث مع والديه، وطلب منهما الحضور. قام بشراء بعض الهدايا لخطيبته، وأعدّ خطةً لكيفية لقائهما خلال فترة الخطوبة. لم يكن يرغب في أي لقاءاتٍ سرية أو خلواتٍ محرمة. كان يفضل أن تكون لقاءاتهما تحت إشراف الأهل، أو في أماكن عامة، لكي يكتمل بناء علاقتهما على أساسٍ من الاحترام والتقوى.
لكن، كما ذكرنا، كانت هناك رياحٌ عاتيةٌ تلوح في الأفق. كمال، الشاب الذي كان يطمع في ليالي، لم يكن ليصمت. لقد اعتاد على تملك الأشياء، ولم يستطع أن يرى ليالي تتزوج من غيره. بدأ كمال في البحث عن معلوماتٍ عن أحمد. لقد كان رجلاً حذراً، ولذلك لم يجد معلوماتٍ واضحة في البداية.
في أحد الأيام، بينما كان أحمد في مكتبه، تلقى اتصالاً هاتفياً. المتحدث كان رجلاً غريباً، يدعي أنه يملك معلوماتٍ قد تهم أحمد. أشار المتحدث إلى وجود "مشكلة" قد تواجه أحمد فيما يتعلق بعمله، وإلى وجود "شخصٍ" يسعى للإضرار به.
لم يثق أحمد بالمتحدث كثيراً، ولكنه شعر ببعض القلق. لقد كان يعمل بجدٍ وإخلاص، ولم يكن لديه أعداء. سأل المتحدث عن هويته، وعن طبيعة هذه المشكلة، ولكن المتحدث رفض الإفصاح عن المزيد، واشترط لقاءً سرياً لكي يكشف عن كل التفاصيل.
"ماذا تريد؟" سأل أحمد، بلهجةٍ فيها حذر.
"أريد فقط مساعدتك. إن هناك من يسعى لتدمير سمعتك، وربما عملك. لدي أدلةٌ على ذلك." قال المتحدث.
"من أنت؟ ولماذا تفعل هذا؟" سأل أحمد.
"لا يهم من أنا. المهم هو ما أملك. أريد أن نتقابل في مكانٍ هادئ، وسأريك كل شيء. أريد فقط بعض المال مقابل هذه المعلومات." قال المتحدث.
شعر أحمد ببرودةٍ تسري في عروقه. هل كان هذا ابتزازاً؟ أم كان هناك فعلاً من يسعى للإضرار به؟ كان عليه أن يكون حذراً.
"سأفكر في الأمر." قال أحمد، ثم أغلق الخط.
في نفس الوقت، كان كمال يتصل بعملاءٍ له، يبحث عن طرقٍ للإيقاع بأحمد. كان يريد شيئاً قوياً، شيئاً يدمر علاقته بليالي، وسمعته في المجتمع. لقد سمع أن أحمد كان يعمل في مجالٍ يتعلق بالمشاريع العقارية، وأن هناك بعض الصفقات التي كان يتابعها.
بعد عدة أيام، قرر أحمد أن يقابل الشخص الذي اتصل به. لم يكن يريد أن يترك الأمور تتفاقم. اختار مكاناً آمناً، وموعداً نهاريّاً. عندما وصل إلى المكان، وجد رجلاً متوسط العمر، يبدو عليه القلق.
"تفضل، أجلس." قال الرجل، مشيراً إلى كرسي.
جلس أحمد، وقلبه ينبض بقوة. "لقد جئت. ما هي المعلومات التي لديك؟"
"اسمع يا سيد أحمد، لديّ مستنداتٌ تثبت أنك قد تلقيت بعض الأموال بطرقٍ غير مشروعة في أحد المشاريع القديمة. هناك شخصٌ آخر هو من قام بالعمل، وأنت أخذت المبلغ." قال الرجل، وقدم لأحمد بعض الأوراق.
نظر أحمد إلى الأوراق. كانت تبدو كأنها مستنداتٌ رسمية. ولكنها لم تكن منطقية. لم يكن أحمد ليقبل رشوةً أبداً، وهو يعرف أن ضميره نظيف.
"هذا هراء. هذه الأوراق مزورة. أنا لم أقم بمثل هذا الشيء." قال أحمد، بغضب.
"إذاً، هل أنت متأكد؟" قال الرجل، وابتسامةٌ ماكرةٌ تعلو وجهه. "ربما تحتاج إلى بعض المساعدة لكي تنقذ سمعتك."
"ماذا تريد؟" سأل أحمد.
"هناك مبلغٌ كبيرٌ من المال، إذا دفعته، سأتخلى عن هذه الأوراق، وسأقول أن كل شيءٍ كان سوء فهم. وإلا، فسوف تصل هذه الأوراق إلى الجهات المختصة، وسوف تدمر سمعتك. وربما، تفقد ابنة عمك." قال الرجل، مشيراً إلى ليالي.
شعر أحمد بالصدمة. لقد ربط الرجل هذا الأمر بليالي. هذا يعني أن كمال هو من يقف وراء كل هذا. بدأ أحمد يفهم اللعبة.
"من أنت؟ ومن أرسلك؟" سأل أحمد، وحاول أن يسيطر على غضبه.
"لا يهم. المهم هو أن لديك خيارين. الدفع، أو الانهيار." قال الرجل.
"لن أدفع لكم شيئاً. وهذه الأوراق لن تفعل بي شيئاً. ضميري نظيف." قال أحمد، ثم قام واحتفظ بالأوراق.
عندما عاد أحمد إلى منزله، كان يشعر بالضيق. لم يكن الأمر يتعلق بمالٍ فقط، بل كان يتعلق بسمعته، وبمستقبله، وبحياته مع ليالي. لقد أدرك أن هناك من يريد تدميره.
في نفس الليلة، تلقت ليالي رسالةً هاتفيةً غامضة. كانت الرسالة تقول: "إذا تزوجتِ من أحمد، فسوف تندمين. لديه ماضٍ مظلم."
شعرت ليالي بالبرد. من أرسل هذه الرسالة؟ هل كان هناك شيءٌ لا تعرفه عن أحمد؟ بدأت الشكوك تتسلل إلى قلبها، على الرغم من ثقتها به.