الحبيب الغائب
الأمل المتعثر والشك المستتر
بقلم فاطمة النجار
كانت نسمات المساء تتسلل عبر نوافذ بيت آل الزاهد، حاملةً معها عبير الياسمين المتفتح في الحديقة الخلفية. جلست ليلى في غرفتها، تتأمل انعكاس وجهها في مرآة التسريحة. لم تعد ترى تلك الفتاة التي كانت تملؤها الحيوية قبل أشهر. كان الحزن قد ألقى بظلاله على عينيها، والخوف قد نحت خطوطًا رفيعة حول فمها. لكن في لحظات عزلتها، كانت تجد فسحة لتنفّس ما تستطيع، لعلّها تستجمع قواها لمواجهة ما ينتظرها.
تذكرت آخر لقاء جمعها بسامي. كانت تلك الزيارة قد تركت في قلبها مزيجًا غريبًا من الراحة والقلق. راحة لأنها لمست صدقه في كلماته، والقلق لأنها شعرت بأن هناك ما لا يزال يخفيه، ولو كان خوفًا من المستقبل أو ترددًا في الخطوات. كان سامي قد تحدث عن عودته الموشكة، وعن نيته في اتخاذ خطوات جدية. قال إن والدته قد هدأت رويدًا رويدًا، وأن والده بدأ يتقبل فكرة زواجه منها، رغم تحفظاته القديمة. لكنه لم يذكر تفاصيل، ولم يحدد موعدًا. كان كلامه أشبه بوعود معلقة في الهواء، تحتاج إلى أرض صلبة لتستقر عليها.
في تلك الأثناء، كان الضغط يزداد عليها من جهة عمتها، السيدة فاطمة. كانت السيدة فاطمة، بخوفها وقلقها المفرط على مستقبل ابنة أخيها، قد بدأت تتصرف بطرق لم تعهدها ليلى منها. كانت تفتح الموضوع مرارًا وتكرارًا، تسأل عن أخبار سامي، وتضخم من شأن التأخير. "لقد مضى وقت طويل يا ليلى،" كانت تقول بنبرة حادة. "يجب أن يتزوج الرجل ويتفضل. هل تظنين أن والدي سيصبر إلى الأبد؟ هل تظنين أن سمعة العائلة يمكن أن تبقى مصانة إلى ما لا نهاية؟"
كانت ليلى تحاول أن ترد بصبر، تذكرها بأن سامي وعد، وأن الظروف قد تكون معقدة. لكن السيدة فاطمة لم تكن مستمعة. كانت ترى في كل يوم تأخير نذير شؤم، وفي كل تأخير فرصة لظهور "عقبات" أخرى، أو ربما "بدائل" أفضل. كان ذلك هو ما يقلق ليلى أكثر. كانت تشعر بأن عمتها، بدافع الحب والخوف، قد تدفعها نحو قرار لا تريده، أو ربما تتلقى عرضًا آخر، لا يرضي قلبها، ولكنه قد يرضي نظرة المجتمع.
تذكرت أيضًا محادثتها مع والدتها. والدتها، وإن كانت طيبة القلب، إلا أنها كانت تتأثر بكلام الآخرين بسهولة. كانت قلقة على ابنتها، على سمعتها، وعلى مستقبلها. "ألا ترين أن الأمور تطول يا بنيتي؟" سألتها الأم ذات يوم، وهي تعجن العجين بيدين تعبويتين. "نحن نحب سامي، ونعرف أخلاقه، ولكنه ليس الوحيد في هذا العالم. لا أريدك أن تتعلقي بأمل واهٍ، فلا يصح إلا الصحيح."
كانت كلمة "الصحيح" هذه تتردد في أذن ليلى كصدى بعيد. هل الخطوبة الرسمية التي تمت قبل سنوات، والتي لم تكتمل، هي "الصحيح"؟ أم أن "الصحيح" هو ما يريده المجتمع؟ ما يريده العرف؟ كانت تشعر بالضياع.
أما على جبهة أخرى، فقد بدأت تظهر بعض التطورات المقلقة. في أحد الأيام، التقت ليلى بالسيدة أميرة، والدة سامي، في سوق شعبي. كانت السيدة أميرة تبدو مرهقة، لكنها كانت مبتسمة. جلست معها ليلى لوقت قصير، تتجاذب أطراف الحديث. بدت السيدة أميرة متعاطفة، وحاولت طمأنتها. "ابني سامي يحبك، والله يشهد على ذلك،" قالت بحنان. "لكن هناك بعض الأمور التي تشغل بالنا. أمور تخص العائلة، وتخص والده. نحن نعمل على حلها. الصبر مفتاح الفرج."
ولكن، في نهاية حديثهما، همست السيدة أميرة بشيء جعل قلب ليلى يخفق بقلق: "كانت هناك فتاة أخرى... تعرفين عائلة الخوري؟ ابنتهم، سارة. والد سامي كان يفكر فيها قبل أن... قبل أن تعرف أنتِ سامي. هي فتاة طيبة، ومن عائلة محترمة. ربما... ربما يكون هناك سبيل آخر."
كانت كلمة "سبيل آخر" كالنار التي أوقدت في روح ليلى. لم تكن تعرف كيف تفسرها. هل كانت والدة سامي تخبرها بأن هناك من يحاول تزويجه من أخرى؟ أم كانت تحذرها من أن هناك خيارات أخرى قد يجدها والد سامي مفضلة؟ كانت السيدة أميرة تبدو وكأنها تحاول أن ترسم صورة واقعية، ولكنها لم تفعل سوى زيادة قلق ليلى.
بعد لقاء السيدة أميرة، بدأت ليلى تشعر بثقل كبير. لم تعد ترى في عينيها فقط أملاً في عودة سامي، بل بدأت ترى شبحًا لتلك الفتاة الأخرى، سارة. هل كان والد سامي يضغط عليه؟ هل كان سامي نفسه يتردد أمام هذه الضغوط؟ كانت تتساءل إذا كان حبها لسامي كافيًا ليجتاز كل هذه العقبات.
في خضم هذه المشاعر المتضاربة، قررت ليلى أن تتواصل مع سامي مرة أخرى. أرسلت إليه رسالة نصية قصيرة، لم تكن طويلة، بل كانت موجزة وعميقة. "سامي، هل كل شيء على ما يرام؟ أخاف أن تكون هناك صعوبات تواجهك. أرجوك، طمئني. أنا هنا، وسأنتظر."
لم تأتِ الاستجابة فورًا. طال الانتظار، وزاد قلقها. كانت كل دقيقة تمر تمر ببطء شديد. كانت تفكر في كل الاحتمالات، في كل السيناريوهات. هل كان سامي مشغولًا جدًا؟ هل كان يتجنبها؟ هل كان يواجه مشاكل حقيقية لا يستطيع البوح بها؟
وفي وقت متأخر من تلك الليلة، حين كانت السماء قد اكتست بالسواد، ونجومها تتلألأ في صمت، وصلها رد سامي. كانت رسالة موجزة جدًا، بالكاد بضع كلمات. "ليلى، أرجو المعذرة. الأمور معقدة. أحتاج وقتًا. لا تقلقي."
كانت كلمات سامي كالصقيع الذي تجمد في قلبها. "الأمور معقدة." "أحتاج وقتًا." لم تكن تلك الكلمات مطمئنة. بل كانت تبعث على مزيد من القلق. كانت تفهم أن الحياة ليست دائمًا سهلة، وأن هناك دائمًا عقبات، ولكن شعورها بأن سامي أصبح بعيدًا، وأن هناك ما يشغله عن وعوده، بدأ ينمو بداخلها.
جلست ليلى على حافة سريرها، تنظر إلى الشارع الهادئ. بدت المدينة وكأنها في سبات عميق، لكن روحها كانت في حالة اضطراب. كانت تفكر في التزامها تجاه أهلها، تجاه نفسها. لم تكن تريد أن تكون عبئًا، ولا أن تكون سببًا في مشاكل. لكنها في الوقت ذاته، كانت تشعر بأنها أسيرة لوعد قديم، ووعد لم يعد يتجسد بوضوح في الواقع.
تنهدت بعمق، ثم رفعت رأسها نحو السماء. "يا رب،" همست بصوت بالكاد مسموع. "أرشدني إلى الطريق الصحيح. قوِّ قلبي." كانت تعلم أن قوتها الحقيقية تأتي من إيمانها، ومن صبرها. ولكن هذا الصبر كان يختبر بشدة. كانت ترى أن أمواج الشك بدأت تتلاطم بأسوار أملها، وأن عليها أن تجد طريقة لحماية ذلك الأمل، قبل أن يبتلعه بحر التعقيدات.
وفي تلك الليلة، لم تنم ليلى إلا قليلًا. كانت أحلامها مشوشة، مليئة بوجوه غامضة، وأصوات بعيدة، وكلمات غير مفهومة. كان يومًا ثقيلًا، ترك في صدرها عبئًا جديدًا، وبذور شك بدأت تنمو في تربة الحب.