الحبيب الغائب
صدى الماضي ونداء الواجب
بقلم فاطمة النجار
كانت الشمس في صبيحة اليوم التالي قد تسللت بأشعتها الذهبية لتداعب ستائر غرفة ليلى، لكنها لم تجد في عينها تلك الرغبة المعتادة في استيقاظها. كانت ليلى قد قضت ليلتها في تقليب الأفكار، محاولةً فهم عمق الكلمات التي أرسلها سامي. "الأمور معقدة." كانت تلك العبارة تتردد في رأسها كقرع طبول الحرب، تنذر بنذير شؤم. شعرت بأنها قد وصلت إلى نقطة تحول، نقطة تتطلب منها وقفة تأمل وتقييم.
بعد تناولها فطرة خفيفة، قررت ليلى أن تخرج للتنزه قليلًا في حديقة المنزل. كان هواء الصباح منعشًا، ورائحة الندى تتصاعد من الأعشاب. جلست على مقعد حجري قديم، تحت شجرة الليمون التي تحمل بضع ثمار صفراء. نظرت إلى الأوراق الخضراء المتدلية، وشعرت بلحظة من السكينة، لكنها سرعان ما تلاشت.
لقد تذكرت تفاصيل دقيقة من حياتها السابقة، قبل سنوات. كانت هي وسامي قد اتفقا على الزواج، وكانت الخطوبة قد تمت. ولكن، في تلك الفترة، ظهرت عائلة أخرى، عائلة والد سامي، وبدأت تضغط عليه. كان والد سامي رجلًا يقدّر المكانة الاجتماعية والمال، وكان يرى في ليلى، ابنة عائلة الزاهد المتواضعة، زواجًا لا يرتقي إلى مستوى طموحاته. حينها، اضطر سامي، تحت وطأة ضغط والده، أن يتراجع عن الخطوبة. لقد كان ذلك الموقف مؤلمًا جدًا لليلى، ولكنه لم يكسر قلبها تمامًا، فقد أدركت أن سامي كان تحت ضغط شديد، وأنه ربما لم يكن لديه خيار آخر.
ولكن، الآن، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، ولكن ربما بطرق أكثر تعقيدًا. هل كان والد سامي يعود ليفرض رأيه مرة أخرى؟ هل كان سامي يواجه نفس الضغوط، ولكن هذه الشرعية قد زادت؟ لم تكن تعرف، لكن الشعور بالخوف من تكرار الماضي كان أقوى من أي وقت مضى.
في غضون ذلك، وصلتها مكالمة من السيدة فاطمة، عمتها. كانت نبرتها حادة كعادتها. "ليلى، هل سمعتِ أي شيء جديد؟ لقد سمعتُ أن والد سامي بدأ يبحث له عن عروس جديدة. فتاة من عائلة الجابري، عائلة غنية جدًا. لا تضيعي وقتك يا ليلى، أخشى أن ينتهي بك الأمر في موقف أسوأ مما كنتِ عليه من قبل."
كانت كلمات عمتها، رغم قسوتها، تحمل قسطًا من الحقيقة. كانت السيدة فاطمة، بحكم خبرتها في الحياة، ترى الأمور من منظور مختلف. إنها لا تملك رفاهية الحب الرومانسي الخالص، بل ترى الضرورة العملية، ورؤية المجتمع. "والد سامي رجل عنيد،" أضافت السيدة فاطمة، وكأنها تقرأ أفكار ليلى. "إذا أراد شيئًا، فإنه سيفعله. أرجوكِ، يا ليلى، تحدثي إلى سامي. اضغطي عليه. إما أن يتزوجكِ بسرعة، أو أن تنسي أمره. لا تسمحي له بإضاعة حياتك."
كانت ليلى تشعر وكأنها محاصرة. من جهة، هناك ضغط من عائلتها، ومن جهة أخرى، هناك أملها في سامي، والذي بدأ يضعف. وبين هذا وذاك، هناك واجبها تجاه نفسها، وتجاه سمعة عائلتها. كانت تتساءل ما إذا كان سامي حقًا يحبها، أم أنه كان يتلاعب بمشاعرها. هل كان وعده مجرد كلمات عابرة؟
في أحد الأيام، قررت ليلى أن تأخذ زمام المبادرة. بدأت تبحث عن معلومات عن عائلة الخوري، وعن سارة. لم تكن تريد أن تتجسس، بل كانت تريد أن تفهم طبيعة المنافسة، إن وجدت. علمت أن عائلة الخوري هي إحدى العائلات التجارية الكبرى في المدينة، وأن سارة، الفتاة التي تحدثت عنها والدة سامي، كانت على قدر كبير من الجمال والأناقة، وكانت تتمتع بسمعة طيبة. كان ذلك يزيد من قلقها.
في المساء، وبينما كانت ليلى تقلب في ألبوم صور قديم، وقعت عينها على صورة لها مع والدتها. كانت صورة مليئة بالحب والبراءة. تذكرت والدتها، وحزنها العميق حين فشلت خطوبتها الأولى. لم تكن تريد أن ترى والدتها حزينة مرة أخرى بسببها. كان ذلك الدافع، ودافع الواجب، أقوى من حبها الخاص.
قررت ليلى أن تتحدث مع والديها. في العشاء، وبعد أن اجتمع شمل الأسرة، بدأت ليلى الحديث. "أبي، أمي،" قالت بصوت ثابت، رغم اضطراب قلبها. "أود أن أتحدث معكم عن أمري مع سامي."
توقفت الأم عن تناول طعامها، ونظر إليها الأب بتمعن. كان الأب رجلًا صامتًا، قليل الكلام، ولكنه حكيم. "نحن نستمع يا ابنتي،" قال بهدوء.
روَت ليلى كل ما حدث، عن خطوبتها الأولى، وعن ضغط عائلة سامي، وعن عودته، ووعوده، ثم عن قلقه الحالي. لم تخفِ شيئًا. لم تكن تريد أن تخفي شيئًا. "أنا أحب سامي،" قالت بحزم. "لكنني أخشى أن أكون في موقف ضعف. أخشى أن تتكرر مأساة الماضي. وأخشى أن تضيع حياتي في انتظار غير مؤكد."
نظر الأب إلى ابنته، ثم إلى زوجته. كانت الأم قد امتلأت عيناها بالدموع. "قلبي معك يا ابنتي،" قالت الأم. "لكننا نريد لكِ الأفضل. لا نريد لكِ أن تعيشي في حزن."
تحدث الأب أخيرًا. "ليلى،" قال بصوته الهادئ. "الحياة ليست دائمًا سهلة. الحب وحده لا يكفي أحيانًا. هناك عوامل أخرى كثيرة تلعب دورًا. نحن نثق في سامي، ونعرف أخلاقه، ولكننا نعرف أيضًا والديه، ونعرف ضغوط العائلة. إذا كان سامي يحبك حقًا، فإنه سيجد طريقة. إذا لم يفعل، فربما لم يكن هو الرجل المناسب لكِ، مهما بدا الأمر مؤلمًا الآن."
ثم أضاف الأب شيئًا آخر جعل قلب ليلى يتجمد: "لقد تحدث إليّ السيد صالح، والد سامي، قبل أيام. سأل عنكِ. قال إنه يكن لكِ احترامًا كبيرًا، ولكنه يرى أن الظروف الحالية غير مناسبة. اقترح... اقترح أن نتحدث عن خطبة رسمية أخرى، ولكن هذه المرة، بعقد شرعي واضح، وأن يكون هناك فترة خطوبة محددة، وأن يتم الاتفاق على كافة الأمور المالية والاجتماعية قبل الزواج. قال إن هذا هو ضمانه الوحيد بأن الأمور لن تتكرر."
كانت كلمات والدها كالصاعقة. لم تتوقع هذا. لم تتوقع أن والد سامي قد يبادر بالحديث مع والدها، وأن يقترح "شروطًا" كهذه. هل كان ذلك عرضًا حقيقيًا؟ أم كان محاولة لتأمين نفسه، وإبعاد ليلى عن ابنه؟
كانت ليلى تشعر بالارتباك الشديد. من جهة، كانت هذه فرصة حقيقية لإنهاء حالة الانتظار، ولتحقيق الاستقرار. ولكن من جهة أخرى، كانت تخشى أن يكون ذلك فخًا، وأن يكون سامي مجبرًا على هذه الشروط، وأن تكون سعادته مهدورة. كانت تتساءل إذا كان سامي يعرف بكل هذه المحادثات، وما هو رأيه فيها.
نظرت إلى والديها، وشعرت بعبء المسؤولية يثقل كاهلها. لقد أصبحت في مفترق طرق حقيقي. إما أن تقبل بالشروط، وتغامر بمستقبلها، وتأمل أن يكون سامي صادقًا في حبه، وإما أن ترفض، وتخاطر بإضاعة فرصة قد لا تتكرر، وتخاطر بإغضاب عائلتها، وربما سامي نفسه.
"عليّ أن أفكر،" قالت ليلى بصوت متهدج. "أحتاج وقتًا للتفكير."
في تلك الليلة، لم تجد ليلى نومًا. كانت تتخيل والد سامي، بوجهه الصارم، وحديثه الذي لا يحمل أي رحمة. كانت تتخيل سامي، تحت ضغط والده، مضطرًا لقبول هذه الشروط. ولكنها كانت تتخيل أيضًا وجهاً آخر لسامي، وجه الرجل الذي أحبته، والذي وعدها بالوفاء.
لقد وصل الأمر إلى نقطة حرجة. لم يعد الأمر مجرد حب، بل أصبح صراعًا بين الواجب، وبين الأمل، وبين الحقيقة التي قد تكون مؤلمة. كانت تعلم أن القرار الذي ستتخذه سيحدد مسار حياتها كلها.