الفصل 18 / 25

الحبيب الغائب

عاصفة الكشف وبوصلة القلب

بقلم فاطمة النجار

في صباح اليوم التالي، استيقظت ليلى بشعور غريب بالهدوء. لم يكن هدوءًا ناتجًا عن رضا، بل كان هدوءًا يسبق العاصفة. كانت قد اتخذت قرارًا، قرارًا جعل قلبها يمتلئ بشعور بالقوة، وشعور بالتحدي. لقد أدركت أن عليها أن تعرف الحقيقة كاملة، مهما كانت مؤلمة.

اتصلت ليلى بوالدها. "أبي،" قالت بصوت قوي. "أريد أن أتحدث مع السيد صالح، والد سامي. أريد أن ألتقي به، وأفهم منه كل شيء."

صمت الأب للحظات، ثم قال: "ليلى، هل أنتِ متأكدة؟ هذا قد يكون صعبًا عليكِ."

"أنا متأكدة يا أبي،" أجابت ليلى. "لقد عشت في انتظار طويل، وفي حيرة. حان الوقت لأواجه الحقيقة. حتى لو كانت مؤلمة."

وافق والد ليلى على ذلك، ووعدها بأن يرتب لقاءً. كان يعلم أن ابنته قد بلغت سن الرشد، وأنها تتحمل مسؤولية قراراتها.

بعد يومين، تلقت ليلى اتصالًا من والدها. تم ترتيب اللقاء في منزل عائلة الزاهد، حضر والد ليلى، ووالدتها، والسيدة فاطمة، والسيد صالح، والد سامي. كانت الأجواء مشحونة بالترقب.

جلس السيد صالح، رجل ذو هيبة، وجهه يظهر عليه الصرامة، وعيناه تحملان بريق الثروة والسلطة. بدأ الحديث بصوت جاف: "نحن نعلم أن ابنتكم ليلى فتاة طيبة، ونحترم عائلتكم. ولكن، كما تعلمون، ظروفنا تختلف. سامي هو ابني الوحيد، ولدي آمال كبيرة عليه. لا يمكنني أن أسمح له بالزواج من أي فتاة. يجب أن تكون زوجته من عائلة تناسب مكانتنا، وتدعمنا في أعمالنا."

كانت كلمات السيد صالح أشبه بطعنات في قلب ليلى. لم تتحدث عن الحب، عن المشاعر، بل عن "المكانة" و"الأعمال". شعرت بأنها تتعرض لمحاكمة، وأنها مجرد قطعة في لعبة مصالح.

"ولكن، يا سيدي،" قالت ليلى بصوت يرتجف قليلًا. "سامي يحبني، وأنا أحبه. لقد وعدني بالزواج. هل حبنا لا يعني شيئًا؟"

ابتسم السيد صالح ابتسامة باهتة. "الحب يا ابنتي، شيء جميل، ولكنه ليس كل شيء في الحياة. هناك مسؤوليات، هناك واجبات، هناك مستقبل يجب التفكير فيه. سامي لا يزال شابًا، قد يظن أنه يحب، ولكنه لا يعرف ما هو الأفضل له. أنا أعرف ما هو الأفضل له."

ثم أضاف بحدة: "إذا أردتموني أن أوافق على هذا الزواج، فيجب أن تكون هناك ضمانات. ضمانات بأن هذا الزواج لن يؤثر على مستقبل سامي، وأن ليلى لن تكون سببًا في إضعافه. أقترح أن تتم الخطبة لفترة قصيرة، لا تزيد عن ستة أشهر، وبعدها الزواج. خلال هذه الفترة، يجب أن تثبت ليلى أنها قادرة على تحمل مسؤولياتها، وأنها ليست عبئًا. وإلا، فسأتخذ قرارًا آخر."

كانت كلمات السيد صالح صريحة وقاسية. لم تترك مجالًا للتأويل. لقد وضع ليلى أمام خيارين: إما أن تقبل بالشروط، وتعيش في خوف وعدم يقين، أو أن ترفض، وتواجه حزنًا عميقًا.

نظرت ليلى إلى والديها. كانت الأم تبكي بصمت، والأب ينظر إليها بعينين تملؤهما القلق. السيدة فاطمة، رغم حزنها، كانت تحاول أن تشجعها: "ليلى، هذه فرصة. لا تضيعيها."

لم تجب ليلى فورًا. نظرت إلى السيد صالح، ثم إلى عائلتها. شعرت بحجم المسؤولية التي تقع على عاتقها. كان عليها أن تفكر في سامي، في والديه، في عائلتها، وفي نفسها.

"سيدي،" قالت ليلى بصوت ثابت. "أنا أقدر عرضكم. ولكن، أنا لا أؤمن بالزواج المبني على الشروط والضمانات. أنا أؤمن بالزواج المبني على الثقة والحب المتبادل. وإذا كان سامي لا يستطيع أن يقف في وجه والده، ويدافع عن حبه، ويثبت لي أنه يريدني حقًا، بغض النظر عن أي ظروف أخرى، فأنا لا أرى مستقبلًا لهذا الزواج."

صمت السيد صالح، ونظر إليها بدهشة. لم يتوقع هذه الإجابة. لقد اعتاد على أن كلمته هي العليا.

"ولكن، سامي يحبكِ،" قال السيد صالح، بصوت أقل حدة. "وهو مستعد للزواج منكِ."

"إذا كان يحبني حقًا،" أجابت ليلى، "فليأتي إليّ، ويخبرني بنفسه. أريد أن أرى في عينيه الشجاعة، أريد أن أسمع منه بنفسي أنه مستعد للتحدي، وأن حبه لي أقوى من أي ضغوط. إذا لم يفعل ذلك، فأنا أفضّل أن أعيش مع حزني، على أن أعيش في وهم. أفضّل أن أكون حرة، على أن أكون مقيدة بشروط."

بعد هذه الكلمات، نهضت ليلى. "شكرًا لكم على وقتكم،" قالت. ثم خرجت من الغرفة، وقلبها يخفق بقوة، لكن روحها كانت تشعر بنوع من التحرر.

عادت ليلى إلى غرفتها، وشعرت بالضعف يغمرها. لقد كان قرارها صعبًا، ومؤلمًا. ولكنها شعرت بأنها فعلت ما هو صحيح. لقد وضعت حدًا للانتظار، وحدًا للغموض.

في وقت لاحق من ذلك اليوم، وصلتها رسالة من سامي. لم تكن رسالة حب، بل كانت رسالة تحمل في طياتها اعتذارًا، واعترافًا بالضعف. "ليلى،" كتب سامي. "لقد تحدثت مع والدي. حاول أن أفهمه، ولكنه لم يستمع. أرادني أن أقبل بالشروط، وأن أتخلى عنكِ. لم أستطع. لقد أخبرته أني لن أتزوج إلا بكِ. إنه غاضب جدًا. وقد قال إنه لن يعترف بزواجنا. لا أعرف ماذا سأفعل. أنا ضعيف يا ليلى. سامحيني."

كانت كلمات سامي كالصقيع الذي قضى على آخر بقايا أملها. لقد اعترف بضعفه، اعترف بأنه لم يستطع المواجهة. لم يكن الأمر يتعلق بـ"تفاوض"، بل كان يتعلق بخوفه، وخوفه من فقدان كل شيء.

جلست ليلى على سريرها، ودموعها تنهمر كالمطر. لم تكن تبكي على حب ضائع، بل كانت تبكي على حلم تحطم، وعلى وعد خُدع. لقد عرفت الآن أن حبها لسامي لم يكن كافيًا. وأن شجاعته كانت أقل من شجاعتها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%