الحبيب الغائب
هبوب الرياح العاتية
بقلم فاطمة النجار
كانت نسمات الصباح تحمل معها وعدًا بصفاء السماء، لكن قلب ليلى لم يعرف الهدوء منذ ليلة أمس. صوت والده، الحاج إبراهيم، الذي كان دومًا ملاذها الآمن، بدا الآن وكأنه يحمل نذير شؤم. "ابنتي، هناك ما يجب أن أخبرك به. أمرٌ يتعلق بسمير، وقد لا يكون ما تتوقعينه." كانت كلماته كالصقيع الذي تسلل إلى أضلعها، مجمداً كل دفء اعتادت عليه.
جلست مقابله في ديوان البيت العائلي، حيث رائحة البخور والقهوة العربية الأصيلة التي طالما بعثت فيها الطمأنينة، بدت الآن ثقيلة. الشمس تسللت خيوطها الذهبية عبر المشربيات، راسمة ظلالاً راقصة على الجدران القديمة، لكن نورها لم يصل إلى عيني ليلى المتوجستين. كانت تراقب يد والدها التي تعبث بتسبيحة سبحته، والتي تحمل آثار السنين وعناء الحياة، وتنتظر ما سيخرج من بين شفتيه.
"سمير... إنه ليس كما يبدو يا ليلى." بدأ الحاج إبراهيم، وصوته كان متعبًا، كأنه يحمل عبء السنين. "لقد علمت مؤخرًا، من مصدر موثوق، أن هناك صفقة تجارية شارك فيها سمير قبل زواجه بكِ بعدة أشهر، صفقة شاب عليها الكثير من الريبة. هناك اتهامات بالتهرب الضريبي، وحتى… غسيل الأموال."
ارتعشت شفتي ليلى. غسيل أموال؟ تهرب ضريبي؟ هذه الكلمات لم تكن لتتلاءم أبدًا مع صورة سمير التي رسمتها في مخيلتها. سمير، الرجل الذي تحدث عن أخلاقه، عن نزاهته، عن حلمه ببناء مستقبل هادئ وحلال معها. كيف يمكن لهذه الأمور أن تتوافق؟
"ابي، هل أنت متأكد؟" سألت بصوت يكاد يكون همسًا، وكأنها تخشى أن تستفيق من كابوس. "سمير... لم يذكر لي شيئًا من هذا القبيل. كان دائمًا يتحدث عن عمله بشفافية. بل إنه شاركني بعض خططه المستقبلية، عن توسيع تجارته بطرق شرعية."
تنهد الحاج إبراهيم، وقال بحزن: "النزاهة التي تراها يا ابنتي، قد تكون ستارًا يخفي وراءه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. المصدر الذي أخبرني، رجلٌ أحترمه وأثق به، وقد أقسم أنه رأى بعض الوثائق بنفسه. الأمر خطير، يا ليلى. إذا ثبتت هذه الاتهامات، فقد يواجه سمير عواقب وخيمة، قد تصل إلى السجن. والأهم من ذلك، أن سمعة عائلتنا ستتضرر. كيف يمكننا أن نزوج ابنتنا لرجلٍ قد يكون متورطًا في أمور كهذه؟"
شعرت ليلى وكأن الأرض تدور بها. لم يكن الأمر يتعلق فقط بسمير، بل بعائلتها، بوالدها الذي بذل كل ما في وسعه لتربيتها على مبادئ الدين والأخلاق. كيف ستواجه مجتمعهم، الذي يقدّر النقاء والنزاهة فوق كل شيء؟
"ولكن... لم ألاحظ عليه أي شيء يثير الشبهات،" قالت محاولة استيعاب الخبر. "دائمًا ما كان يبدو لي متفانيًا في عمله، ويحرص على إرضاء الله في كل شيء. هل من الممكن أن يكون الأمر مجرد سوء فهم؟ أو محاولة لتشويه سمعته؟"
"ربما، ابنتي. ربما." قال والدها، لكن نبرته لم تكن مطمئنة. "لكن الأقاويل بدأت تنتشر في بعض الدوائر. إذا لم نتحرك بحذر، فقد نجد أنفسنا في موقف صعب للغاية. لقد كنت أنوي أن أؤكد خطبتكما رسميًا هذا الشهر، لكن الآن... يجب أن نفكر مليًا. يجب أن نتأكد من الحقيقة أولاً."
كانت هذه هي اللحظة التي شعرت فيها ليلى بأن العالم الذي بنته حول سمير قد بدأ يتصدع. كل الوعود، كل النظرات الحانية، كل الأحاديث عن مستقبل مشرق، بدأت تتلطخ بسحابة من الشك. لكن قلبها، الذي آمن به، لم يرغب بعد في تصديق الأسوأ.
"أبي، أريد أن أتحدث مع سمير." قالت بحزم، رغم الرجفة التي تسري في جسدها. "أريد أن أسمع منه. لا يمكنني أن أحكم عليه بناءً على أقاويل، مهما كان مصدرها. يجب أن أعطيه فرصة للدفاع عن نفسه."
نظر إليها الحاج إبراهيم بعينين مليئتين بالقلق والحيرة. "حذارٍ يا ليلى. الحقيقة قد تكون مؤلمة. وقد تكون هذه الفرصة هي ما يجعلكِ تدركين الأمور على حقيقتها، أو قد تفتح بابًا للمزيد من الخداع."
"أنا مستعدة للألم، أبي. لكنني لا أستطيع أن أعيش في شك. إن كانت هناك أسرار، فمن واجبي كخطيبته أن أعرفها. وإن كان ما يقال عنه باطلًا، فمن واجبي أن أدافع عنه. لكنني لا أستطيع أن أقف مكتوفة الأيدي وأنتظر الحكم."
في تلك اللحظة، أدركت ليلى أنها تقف عند مفترق طرق حاسم. إما أن تترك هذه الشكوك تفتك بعلاقتها، أو أن تواجهها بشجاعة، مهما كانت النتيجة. الرياح العاتية قد بدأت تهب، ولم يكن أمامها سوى أن تستعد لمواجهتها.
بعد لقاء والدها، شعرت ليلى بحاجة ماسة للابتعاد عن أجواء البيت، حتى لا ترى نظرات القلق في عيون الجميع. أخذت سيارتها وتوجهت نحو مكان لطالما لجأت إليه لتصفية ذهنها: حديقة النخيل المهجورة على أطراف المدينة. كان الهواء هنا نقيًا، وصوت حفيف أوراق النخيل يبعث على السكينة.
جلست تحت ظل نخلة وارفة، وتنفست بعمق، محاولة ترتيب أفكارها المتشابكة. صور سمير، وجهه الباسم، كلماته المعسولة، عيناه اللتان بدتا صادقتين دائمًا، كل ذلك كان يتصارع مع الصور المظلمة التي رسمتها كلمات والدها. كيف لرجلٍ أحبته كثيرًا، وثقت به ثقة عمياء، أن يخفي عنها مثل هذه الأمور؟ أكانت كل تلك اللحظات الجميلة مجرد تمثيلية متقنة؟
"لا، لا أستطيع أن أصدق ذلك." همست لنفسها. "سمير ليس من النوع الذي يفعل ذلك. ربما أبي مخطئ. ربما هناك من يحاول إيقاع به."
لكن الشك، كالنبتة السامة، بدأ يتغلغل في تربة قلبها. إذا كان والدها قد سمع بهذه الأقاويل، فمن المؤكد أن هناك من يعرف. وكيف لم يصل شيء منها إليها، وهي التي كانت على وشك أن تصبح زوجته؟ هل كان يدرك أن هذا سيؤثر عليها، فقرر إخفاء الأمر؟ أم أن الأمر أعمق من ذلك؟
تذكرت حديثًا دار بينها وبين سمير قبل شهر تقريبًا. كان يتحدث عن صعوبات تواجهها شركته، عن ضغوط من منافسين. لقد وصف الأمر بأنه "حروب تجارية"، لكنه لم يذكر أي تفاصيل تدل على تجاوزات أخلاقية أو قانونية. هل كان هذا التلميح إلى ما هو أبعد من مجرد منافسة شرعية؟
"يجب أن أواجهه." قررت ليلى. "لا يمكنني أن أترك هذه الشكوك تتفاقم. سأتصل به الآن، وأطلب منه لقاءً عاجلاً. لا يهمني أين، المهم أن نتحدث."
مدت يدها إلى حقيبتها، وأخرجت هاتفها. ترددت للحظة، يدها ترتجف قليلاً. كان صوته دائمًا يبعث فيها الأمان، لكن الآن، كان صوتًا قد يحمل معه حقيقة مرعبة. نقرت على اسمه، وانتظرت بصبر، وقلبها يدق بعنف.
"ألو، ليلى؟ حبيبتي، ما الخبر؟ يبدو صوتك متعبًا." جاء صوته دافئًا ومألوفًا، لكنه لم يستطع أن يخترق جدار القلق الذي أحاط بليلى.
"سمير، مساء الخير." قالت محاولة الحفاظ على هدوئها. "هل يمكن أن نلتقي؟ أحتاج للتحدث معك في أمر مهم جدًا."
صمت قصير. "هل كل شيء على ما يرام؟ هل حدث شيء؟" سأل بقلق.
"أتمنى أن يكون كل شيء على ما يرام، سمير. لكنني بحاجة لأن أطمئن بنفسي. هل يمكنك أن تأتي إلى منزلي؟ أو نلتقي في مكان هادئ؟"
"بالطبع، بالطبع. أينما تريدين. هل تفضلين هنا؟"
"لا، لا أريد أن أزعج والدي. سنلتقي في مقهى "النرجس" بعد ساعة. أرجوك، كن هناك."
"سأكون هناك، يا ليلى. لا تقلقي."
أنهت المكالمة، وشعرت بخليط من القلق والترقب. لقد قررت. لم تعد تستطيع الانتظار. الرياح العاتية لم تعد مجرد نسمات، بل بدأت تتحول إلى عاصفة، وكان عليها أن تستعد للبقاء صامدة في وجهها، مهما اقتلعت من جذور.