الفصل 2 / 25

الحبيب الغائب

لقاء تحت سماء الصحراء

بقلم فاطمة النجار

في قلب الصحراء الشاسعة، حيث يمتد رمال الذهب تحت سماء صافية لا يعكر صفوها إلا خيال النجوم، كان يوسف يقف. كان الليل قد أسدل ستاره على الكون، ولم يتبق سوى همس الريح المتسلل بين الكثبان، وصوت خطواته الحذرة على الرمال. كان قد قصد هذا المكان، هذه البقعة النائية، باحثاً عن السكينة، وعن فرصة للتأمل.

كانت حياته في المدينة صاخبة، مليئة بالتحديات. عمله كمهندس في إحدى الشركات الكبرى، وضغوط الحياة، ومسؤولياته تجاه أسرته، كل ذلك كان يثقل كاهله. لكنه كان دائماً يجد ملاذه في هذه الصحراء، في سكونها، في اتساعها الذي يمنحه شعوراً بالحرية، وبالقرب من خالق الكون.

كانت ليلة مختلفة. كان يشعر بشيء غريب يراوده، بشيء من الاضطراب الداخلي، لم يعتد عليه. منذ لقائه الأخير بخديجة، في ذلك السوق المزدحم، ظلت صورتها محفورة في ذاكرته. لم تكن مجرد صورة، بل كانت حضوراً، إحساساً بالانسجام الذي لم يجده مع أي فتاة أخرى.

كانت خديجة، في عينيه، مثالاً للفتاة المسلمة الأصيلة. حياؤها، رقة قلبها، عقلها الواعي، كلها صفات جعلته يرى فيها شريكة الحياة المثالية، الزوجة الصالحة التي يتمناها. لكنه كان يعلم أن الطريق إلى الزواج ليس سهلاً، وأن هناك خطوات يجب أن تُتخذ، وأن هناك ظروفاً يجب أن تتغير.

وقف تحت النجوم، رافعاً رأسه. بدا له القمر كجوهرة بيضاء معلقة في بحر أزرق داكن. تذكر حديثاً قرأه عن القمر، وكيف أنه يعكس نور الشمس، لكنه يظل محافظاً على لمعانه الخاص، على سحره الفريد. هكذا شعر بخديجة. كانت تعكس نور العفة والطهارة، لكنها كانت تمتلك سحرها الخاص، سحر الروح النقية.

فجأة، سمع صوتاً. صوت امرأة. لم يكن صوت رياح، ولا صوت حيوان. كان صوتاً بشرياً، خافتاً، ولكنه يحمل نبرة تردد، ونبرة خوف.

تصلب مكانه، وأصغى. الصوت تكرر، وكان يقترب.

"من هناك؟" نادى بصوت حازم، لكنه حاول أن يخفي شيئاً من الارتباك.

صمت لبرهة، ثم سمع صوتاً أجش، رجولياً، يقول: "لا تخف، أيها الشاب. إنني لا أريد لك شراً."

نظر يوسف في الاتجاه الذي جاء منه الصوت. كانت هناك ظلال تتحرك. ثم رأى رجلاً يخرج من خلف إحدى الكثبان. كان رجلاً كبيراً في السن، يرتدي ملابس بدوية تقليدية، ووجهه محفور بخطوط الزمن.

"ماذا تفعل في هذا المكان في هذا الوقت المتأخر من الليل؟" سأل الرجل، وكان صوته يحمل نبرة فضول، ونبرة حذر.

"كنت أتأمل، يا عمي،" أجاب يوسف، محاولاً أن يبدو طبيعياً. "هذا المكان يمنحني السكينة."

ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، كشفت عن أسنان قليلة. "الصحراء تمنح السكينة لمن يبحث عنها بصدق. ولكنها أيضاً تخفي الأسرار. وقد تأخذ ما تعطيه."

شعر يوسف بشيء من القلق. "هل هناك خطر هنا؟"

"الخطر دائماً موجود، يا بني،" قال الرجل، ثم مشى قليلاً، وأشار بيده إلى منطقة أبعد في الصحراء. "هناك طرق لا يسلكها إلا أهلها. وهناك أناس لا يرون في الليل إلا فرصة للاغتنام."

"هل تقصد قطاع الطرق؟" سأل يوسف، وكانت الكلمة تخرج منه بصعوبة.

"قد يكونون، وقد يكونون أسوأ،" قال الرجل، ثم رفع بصره إلى السماء. "لكن الله يحفظ من استجار به. وأنت، يبدو أنك لست من أهل هذه الديار."

"أنا قادم من المدينة،" أجاب يوسف. "وليس لي هنا أحد."

"المدينة تختلف عن الصحراء،" قال الرجل، وبدأ يمشي ببطء مبتعداً. "في المدينة، الناس يحتمون ببعضهم البعض، وبجدرانهم. في الصحراء، الإنسان وحده، لا يحميه إلا إيمانه، وحسن توكله على الله. وإذا كنت تبحث عن السكينة، فربما تجدها في مكان آخر. هذا الليل يحمل لك مفاجأة."

وقف يوسف في مكانه، وقلبه يخفق. ما معنى كلام الرجل؟ هل كان يحذره من خطر؟ أم كان يلمح إلى شيء آخر؟

نظر إلى الظلام الذي يحيط به. بدأ يشعر بالوحدة، وببعض الخوف. لكنه كان يعلم أنه ليس وحده حقاً. كان الله معه.

قرر العودة إلى سيارته، التي تركها على بعد مسافة. وبينما هو يمشي، سمع صوتاً آخر. هذه المرة، كان صوت امرأة. كانت أنين خفيف، وصوت بكاء خافت.

توقف يوسف، وأصغى. الصوت كان يأتي من اتجاه مختلف. لم يكن صوت خوف، بل كان صوت ألم، وصوت ضيق.

"من هناك؟" نادى يوسف، وكانت نبرة صوته تحمل قلقاً شديداً.

لم يأتِ رد. فقط الصوت يتكرر، ولكنه كان أضعف.

بدأ يوسف يمشي باتجاه الصوت. كانت خطواته أسرع، وكان قلبه يدق بعنف. وصل إلى منطقة قريبة من بعض الصخور، حيث كان الظلام أشد. ثم رأى ظلاً يتحرك.

كانت هناك امرأة، جالسة على الأرض، ورأسها بين يديها. كانت ترتجف، وكان صوت بكائها مكتوماً.

"يا أختي، هل أنت بخير؟" سأل يوسف، وكان صوته يحمل تعاطفاً شديداً.

رفعت المرأة رأسها. في ضوء القمر الخافت، رأى يوسف وجهاً جميلاً، ولكنه كان شاحباً، ومليئاً بالحزن. كانت عيناها حمراوين من البكاء، وشعرها مبعثر.

"من أنت؟" سألت بصوت ضعيف، وكان صوتها يحمل نبرة خوف، ونبرة استسلام.

"أنا يوسف. كنت أتأمل في الصحراء. سمعت صوتك. هل أنتِ في مشكلة؟"

جلست المرأة على الأرض، وقالت بصوت متهدج: "لقد ضعت. كنت مع قافلة، ثم ابتعدت عنهم. وكلما حاولت أن أجد طريقي، ازدادت ضياعي."

نظر يوسف حوله. كانت المنطقة وعرة، والصخور متناثرة. كانت فرصة أن تضيع امرأة وحيدة في هذا المكان كبيرة.

"لا تقلقي،" قال يوسف، وحاول أن يظهر لهجة مطمئنة. "سأساعدك. هل تعرفين اسم المدينة التي كنتِ متجهة إليها؟"

"كنت ذاهبة إلى... إلى مدينة قريبة،" أجابت المرأة، وكانت كلماتها تخرج بصعوبة. "أنا... أنا من قرية بعيدة."

شعر يوسف بشيء من الشك. كانت طريقة كلامها غريبة. ثم لاحظ شيئاً. كانت ملابسها، رغم أنها بدت متسخة، إلا أنها كانت من نوعية جيدة. ولم تكن تبدو كالبدو الرحل.

"هل يمكن أن تخبريني اسم القافلة؟ أو اسم دليلكم؟" سأل يوسف.

نظرت المرأة إليه بعينين تلمعان بالدموع. "لا أذكر. لقد مر وقت طويل. وأنا... أنا خائفة جداً."

حينها، تذكر يوسف كلام الرجل العجوز. "الصحراء تخفي الأسرار." "هذا الليل يحمل لك مفاجأة."

هل كانت هذه هي المفاجأة؟ امرأة ضائعة في الصحراء؟ أم كان هناك شيء آخر؟

"حسناً،" قال يوسف، وقرر أن يتصرف بهدوء. "إذا لم تستطيعي أن تتذكري، سنذهب إلى أقرب مركز شرطة، وسنبلغ عن فقدانك. لكن الآن، يجب أن نتحرك. الجو يبرد."

وقف الرجل الذي كان يقف مع المرأة، وظهره لـ يوسف، ثم استدار. كان الرجل نفسه الذي تحدث معه يوسف قبل قليل.

"لقد وجدتِ من يرشدكِ، أيتها الشابة،" قال الرجل، وكان صوته يحمل نبرة مفاجئة.

نظرت المرأة إليه بدهشة. ثم نظرت إلى يوسف.

"من أنت؟" سألت يوسف، وشعر بقلبه يتسارع.

"أنا... لا يهم من أكون،" قال الرجل، ثم نظر إلى المرأة. "لقد حان وقت الرحيل."

بدأ الرجل يمشي، والمرأة تلحقه. لم تكن المرأة تبدو خائفة من الرجل، بل كانت تبدو مرتبكة.

"انتظروا!" نادى يوسف. "لا يمكنكم المغادرة هكذا! يجب أن تتأكدوا من سلامتها!"

نظر إليه الرجل، وبابتسامة خفيفة، قال: "اطمئن يا بني. كل شيء سيكون على ما يرام. لكن عليك أن تتعلم أن الأمور ليست دائماً كما تبدو. وأحياناً، يجب أن تترك الأسرار لأهلها."

ثم اختفى الرجل والمرأة في الظلام، تاركين يوسف وحيداً مرة أخرى، في قلب الصحراء، مع سيل من الأسئلة، وشعور غريب بأنه قد شهد شيئاً أكبر من مجرد ضياع امرأة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%