الحبيب الغائب
خيوط تتشابك في زقاق الذكريات
بقلم فاطمة النجار
كانت خديجة تقف على شرفة منزلها، تشاهد خيوط الفجر وهي تنسج ألوانها الأولى على صفحة السماء. لم تغمض لها عين، وظلت مستيقظة طوال الليل، تتأمل في تلك اللحظة الغامضة التي مرت بها. هل كان ما رأته مجرد هلوسة؟ أم كان هناك رجل يقف تحت شجرة الزيزفون؟
لم تستطع أن تقنع نفسها بأنها قد توهمت. شعور القلق الذي انتابها، والترقب الذي عاشته، كانا حقيقيين. لكنها لم تستطع أن تفهم سبب وجود رجل في هذا الوقت المتأخر من الليل، في فناء منزلهم.
كانت والدتها، السيدة أمينة، تدخل الغرفة بابتسامة هادئة، وهي تحمل صينية الفطور. "صباح الخير يا ابنتي. هل استيقظتِ مبكراً؟"
ابتسمت خديجة لوالدتها. "صباح النور يا أمي. نعم، لم أستطع النوم جيداً."
"هل تشعرين بالضيق؟" سألت السيدة أمينة، وجلست بجوار ابنتها، ووضعت يدها على جبينها. "هل أنتِ متعبة؟"
"لا، لست متعبة،" قالت خديجة، وحاولت أن تخفف من قلق والدتها. "فقط... كنت أفكر."
"في ماذا تفكرين؟" سألت السيدة أمينة، وكانت عيناها مليئتين بالحب والحنان. "هل هناك شيء يشغل بالك؟"
ترددت خديجة. لم تكن تريد أن تقلق والدتها، خاصة وأن الأمر كله لا يزال غامضاً. "لا شيء مهم يا أمي. مجرد أمور عابرة."
"أعلم أنكِ ابنتي، وأعرف متى تكونين على ما يرام، ومتى لا تكونين،" قالت السيدة أمينة، بنبرة أدركتها ابنتها بأنها لن تتنازل عن معرفة ما يحدث. "إذا كان هناك ما يزعجك، فتحدثي إليّ. ربما أستطيع المساعدة."
تنهدت خديجة. لم تكن تريد أن تبدأ بسرد قصة عن رجل غامض في الفناء. لكنها وجدت نفسها تتحدث، دفعة واحدة. "يا أمي، البارحة ليلاً، قبل الفجر، سمعت صوتاً في الفناء. ظننت أنه أحد الخدم، أو ربما والدي. لكنني خرجت لأرى، ورأيت ظلاً لرجل واقفاً تحت شجرة الزيزفون."
رفعت السيدة أمينة حاجبيها بدهشة. "رجلاً؟ في هذا الوقت؟"
"نعم،" أجابت خديجة. "لم أره بوضوح، لكنه كان رجلاً. ثم اختفى."
نظرت السيدة أمينة إلى ابنتها، وكانت عيناها تحملان شيئاً من القلق. "هل أنتِ متأكدة؟"
"متأكدة جداً،" قالت خديجة. "لم يكن مجرد وهم."
"هذا غريب،" قالت السيدة أمينة. "منذ متى أصبح الناس يتجولون في فناء منزلنا في هذا الوقت؟"
"لا أعرف،" قالت خديجة. "لكنني أشعر بأن هذا له معنى ما."
"ربما كان أحد الجيران، أو ربما كان لصاً يحاول التسلل،" قالت السيدة أمينة، وحاولت أن تجعل الأمر يبدو بسيطاً. "لكن لا تقلقي، سنكون أكثر حذراً."
"لم يكن يبدو كاللص، يا أمي،" قالت خديجة. "كانت خطواته هادئة، وحركاته... لم تكن تدل على خبث."
"ربما كنتِ أنتِ من تخافين، فبدأ عقلكِ ينسج قصصاً،" قالت السيدة أمينة. "لكن لا بأس. ما حدث قد حدث. الأهم الآن هو أن نتناول الفطور، وأن نبدأ يومنا بنشاط."
تناولت خديجة الفطور مع والدتها، لكن تفكيرها ظل مشغولاً بما حدث. كانت تشعر بشيء من التوتر، وشيء من الفضول. كانت تتساءل عن هوية هذا الرجل، وماذا كان يفعل في فناء منزلهم.
في وقت لاحق من ذلك اليوم، جاء والد خديجة، السيد أحمد، إلى المنزل. كان رجلاً طيباً، وصاحب أخلاق رفيعة. كان يعمل تاجراً، وكان معروفاً بأمانته وجده.
"مساء الخير يا عائلتي،" قال السيد أحمد، وهو يدخل المنزل بابتسامة دافئة.
"مساء النور يا أبي،" قالت خديجة، وأسرعت لتحيته.
"كيف كان يومكم؟" سأل السيد أحمد، وجلس على الأريكة.
"كان يوماً عادياً،" أجابت السيدة أمينة. "لكن خديجة لديها قصة غريبة لتخبرك بها."
نظرت خديجة إلى والدها، وبدأت تحكي له ما حدث. استمع السيد أحمد إليها بعناية، وكان وجهه يحمل مزيجاً من الدهشة والقلق.
"رجلاً في فنائنا ليلاً؟" قال السيد أحمد. "هذا أمر غير مقبول. هل رأيتِ وجهه؟"
"لا، يا أبي. فقط رأيت ظله،" أجابت خديجة. "لكنني أشعر بأن هذا الرجل ليس شخصاً عادياً."
"من يدري،" قال السيد أحمد، وهو يفكر. "ربما كان يتفقد المكان. ربما كان لديه سبب. لكن يجب أن نكون حذرين."
"هل يجب أن نبلغ الشرطة؟" سألت السيدة أمينة.
"لا أعتقد أن الأمر يستدعي ذلك الآن،" قال السيد أحمد. "سنكون أكثر يقظة. وسنتحدث مع جيراننا. ربما رأوا شيئاً."
في تلك الليلة، لم تستطع خديجة النوم بسهولة مرة أخرى. كانت تفكر في يوسف، الشاب الذي رأته منذ سنوات. هل كان هو؟ هل كان عاد؟ هل كان يحاول التواصل معها بطريقة غير مباشرة؟
كانت تعلم أن هذا احتمال بعيد، لكن قلبها كان يتمسك بخيط أمل ضعيف. كانت تتذكر تفاصيل ذلك اللقاء، ابتسامته، كلامه. كانت تتذكر كيف شعرت بالانسجام التام معه.
ربما كان هذا الرجل الذي رأته في الفناء هو رسالة من السماء، رسالة تخبره بأن انتظارها لم يذهب سدى. ربما كان هذا هو بداية الطريق نحو تحقيق ما تتمناه.
لكنها كانت تعلم أيضاً أن الحياة ليست بهذه البساطة. كانت هناك عادات، وتقاليد، وحواجز يجب تجاوزها. لم يكن من السهل على شاب أن يقترب من فتاة دون إذن، ودون خطبة.
في سكون الليل، وبينما كانت النجوم تلمع في السماء، أخذت خديجة قراراً. ستبقي هذه التجربة سرية بينها وبين والديها. لن تتحدث عنها مع أحد. لكنها ستنتظر. ستنتظر، وتدعو الله، وتؤمن بأن الأمور ستأخذ مجراها الصحيح.
وفي أعماق قلبها، كانت تزرع بذرة رجاء، ترجو أن تنمو وتزهر، وأن تحمل لها يوماً ما، لقاءً تحت سماء صافية، لا يخفيه الظلام، ولا يعكر صفوه الشك.