الحبيب الغائب
ظلال الماضي وهموم الحاضر
بقلم فاطمة النجار
كانت ليلةً مظلمةً، لم تكن نجومها لتُبهر، بل بدت كأنها تختبئ خلف ستارٍ كثيفٍ من الغيوم. في قلب تلك الظلمة، جلس "عمر" وحيداً في غرفة مكتبه، تفوح منها رائحة الكتب القديمة وعبق القهوة المرة. أمام عينيه، تتناثر أوراقٌ تحمل خطوطاً متعرجة، رسوماتٌ لم يكن يفهم كنهها إلا هو، فهي بصماتٌ لأعمالٍ سابقةٍ، أحلامٌ لم تكتمل، وندوبٌ بقيت شاهداً على معاركٍ خاضها وخسرها. كانت الوسادة العتيقة التي يستند عليها ظهره قد احتفظت ببعضٍ من دفء جسده، لكنها لم تستطع أن تُخفف من برودةٍ تسربت إلى روحه.
في الآونة الأخيرة، كان "عمر" يجد نفسه غارقاً في بحرٍ من المشاعر المتضاربة. شغفه بعمله، والذي كان يوماً مصدراً لفخره واعتزازه، بدأ يتحول إلى عبءٍ ثقيل. كان يلهث خلف إنجازاتٍ وهمية، يسابق سراباً في صحراءٍ لا نهاية لها. كلما ظن أنه وصل إلى ضالته، وجد نفسه أبعد من أي وقتٍ مضى. كان هذا الإدمان على النجاح، على الكمال، هو سمه الذي لم يدرك خطورته إلا متأخراً.
صوتٌ خفيٌّ في عقله كان يهمس له: "أنت لست جيداً بما يكفي، يجب أن تفعل المزيد، أن تثبت لهم، أن تثبت لنفسك". هذا الصوت، الذي تغذى على سنواتٍ من الضغوط والتوقعات، أصبح سيد قراراته. لم يعد ينام إلا ساعاتٍ قليلة، وطعامه أصبح مجرد وقودٍ لآلةٍ متعطشةٍ للطموح. اختفت ابتسامته، وغابت ضحكته الهادئة، وحل محلها عبوسٌ دائمٌ وتركيزٌ مفرط.
كانت "ليلى"، خطيبته، تشعر بهذا التغير بوضوح. كانت ترى في عينيه البريق الذي كان يختفي تدريجياً، وتسمع في صوته رجفةً خفيفةً لم تكن موجودةً من قبل. حاولت مراراً أن تقترب منه، أن تسأله عن سبب هذا الشرود، عن مصدر هذا القلق الذي يخيم على وجهه. لكنه كان يتجنبها، يلقي عليها بابتسامةٍ زائفة، ويُشغل نفسه بأعمالٍ لا تنتهي. كانت تقول في نفسها: "هل أنا السبب؟ هل أثقلت عليه بتوقعاتي؟"
في إحدى الليالي، بعد أن أمضى ساعاتٍ يراجع مستنداتٍ لا طائل منها، شعر "عمر" بدوارٍ شديد. سقطت يده على كوب القهوة، وتناثرت السائل الأسود على الأوراق، وكأنها دموعٌ سوداءٌ تسكبها ذنوبه. أحس بضيقٍ في صدره، وكأن جداراً سميكاً يحيط به، يسلب منه الهواء. أدرك حينها أنه بلغ منتهى الإرهاق، وأن جسده وروحه يصرخان طلباً للرحمة.
نهض ببطء، وتوجه نحو النافذة. كانت السماء لا تزال عاتمة، لكنه بدأ يلمح خيوطاً فضيةً خجولةً تخترق الغيوم. تذكر "ليلى"، وتذكر وعده لها. وعدٌ بالبناء، بالحب، بالحياة. أين هو من كل ذلك؟ هل سمح لإدمانه على العمل، على الوهم، أن يسرق منه أغلى ما يملك؟
في تلك اللحظة، شعر بضعفٍ شديد، بانهيارٍ وشيك. لم يعد يملك القوة لمقاومة هذا السيل الجارف من المشاعر. لكن، وسط كل هذا الارتباك، وميضٌ صغيرٌ من الأمل تجلى في ذهنه. أملٌ في "ليلى". أملٌ في استعادة توازنه، في إيجاد طريقٍ للعودة إلى نفسه.
فتح هاتفه، وبحذرٍ شديد، اختار رقمها. كان يرتجف وهو يسمع رنينه. لقد مر وقتٌ طويلٌ منذ أن تحدث معها بصدقٍ، بضعفٍ. "مرحباً يا عمر؟" جاء صوتها دافئاً، لكنه حمل نبرة قلقٍ خفيفة. "ليلى..." بدأ يقول، وصوته يكاد يكون همساً، "أنا... أنا أحتاجك."
لم تجب "ليلى" فوراً. ربما كانت تتوقع هذه اللحظة، أو ربما كانت هي أيضاً تكافح لمقاومة دموعٍ بدأت تتجمع في عينيها. ثم قالت بصوتٍ ثابتٍ، يحمل الكثير من الحب والقوة: "أنا هنا يا عمر. أنا دائماً هنا."
في تلك اللحظة، شعر "عمر" وكأن حملاً ثقيلاً قد أُزيح عن صدره. لم يكن طريق الشفاء سهلاً، ولم يكن الاعتراف بالضعف سوى الخطوة الأولى. لكنه كان يعرف، بشيءٍ من اليقين، أن "ليلى" هي المنارة التي ستقوده في عتمة الأيام القادمة. كان عليه أن يواجه ظلال ماضيه، وأن يتخلى عن إدمانه الذي كاد أن يلتهمه، ليتمكن من بناء مستقبلٍ مشرقٍ معها. كانت تلك الليلة، ليلة الاعتراف، بداية تحولٍ مؤلمٍ ولكنه ضروري.