الحبيب الغائب
مفاجأة غير متوقعة وتحديات جديدة
بقلم فاطمة النجار
بعد أسابيع قليلة من لقائه بـ"سالم" وتعمق علاقته بـ"ليلى"، بدأت حياة "عمر" تأخذ منحىً أكثر هدوءاً واستقراراً. لم يكن الأمر خالياً من التحديات، لكنه كان يتعامل معها الآن بمنظورٍ مختلف. كان يخصص وقتاً أطول لـ"ليلى"، يشاركان فيه الحديث، الضحك، وحتى التأمل في آيات القرآن الكريم. كان يرى في كل لحظةٍ يقضيها معها مكافأةً تفوق أي إنجازٍ مادي.
في أحد الأيام، وبينما كان "عمر" و"ليلى" يتناولان الغداء في مطعمٍ هادئٍ، تلقت "ليلى" اتصالاً هاتفياً. اختفت ابتسامتها تدريجياً، وحل محلها تعبيرٌ عن القلق والدهشة. "ما الأمر يا ليلى؟" سأل "عمر" بقلقٍ. "إنه... إنه والدي." قالت "ليلى" بصوتٍ خافت. "إنه هنا في المدينة، ولم يخبرني بذلك."
كان والد "ليلى"، "أحمد"، رجل أعمالٍ ناجحٍ، لكنه كان أيضاً شديد الانشغال، نادراً ما كان يزور ابنته. كانت علاقتهما جيدة، لكنها لم تكن دائماً قريبةً جداً بسبب انشغاله الدائم. "وهل هو بخير؟" سأل "عمر". "لا أعرف. لم يقل سوى أنه يريد مقابلتي في أقرب وقت. يبدو الأمر عاجلاً."
شعر "عمر" بقليلٍ من التوتر. كانت عائلة "ليلى" مهمةً جداً بالنسبة له، وكان يأمل أن يترك انطباعاً جيداً لديهم، خصوصاً أن والده كان له دورٌ كبيرٌ في تشكيل شخصيته. "هل تريدين أن نذهب إليه معاً؟" عرض "عمر" بحماس. "يمكنني أن أشرح له عن خطوبتنا، وعن خططنا المستقبلية."
نظرت إليه "ليلى" بامتنان، لكنها قالت: "ربما من الأفضل أن ألتقي به بمفردي أولاً، يا عمر. أريد أن أعرف ما الأمر قبل أن نُحمل الموضوع فوق طاقته."
وافق "عمر" على مضض، فقد كان يشعر بأن هناك أمراً غير طبيعي. قضى بقية اليوم يشعر بالقلق، لكنه حاول أن يشغل نفسه بالعمل، وبالتفكير في الأمور التي يمكن أن يتحدث بها مع والد "ليلى" عندما يحين الوقت المناسب.
في المساء، عادت "ليلى" إلى منزلها، وبدت شاحبةً ومنهكة. "ماذا قال لكِ والدكِ؟" سأل "عمر" فور رؤيته لها، وقد انتابه خوفٌ شديد. "لقد... لقد عرض عليّ عرضاً." قالت "ليلى" بصوتٍ مرتجف. "عرضاً لا أعرف كيف أتعامل معه."
"ما هو؟" أصر "عمر". "لقد قال إنه يريدني أن أتولى إدارة فرعٍ جديدٍ للشركة في الخارج. في بلدٍ بعيدٍ جداً. وطلب مني أن أسافر في أقرب وقتٍ ممكن، وأن أترك كل شيءٍ هنا."
صُدم "عمر". لم يتوقع أبداً أن يطلب والد "ليلى" منها شيئاً كهذا، خصوصاً في هذا الوقت الحرج، وقبل زواجهما بفترةٍ قصيرة. "لكنه... لكننا مخطوبان يا ليلى! لدينا خطط! منزلٌ، زواجٌ... كيف يمكنه أن يطلب منكِ هذا؟"
"أعلم يا عمر. لم أستطع أن أفهم ذلك. قال إنها فرصةٌ لا تعوض، وأنها ستمنحني استقلالاً ونجاحاً مهنياً لن أحصل عليهما هنا. وأنه إذا رفضت، فربما لن تتحقق هذه الفرصة مرةً أخرى."
بدأ "عمر" يشعر بالغضب. لم يكن الأمر يتعلق بالفرصة المهنية بحد ذاتها، بل بكيفية تقديمها، وبالتوقيت. لقد شعر بأن والد "ليلى" يتجاهل حياتها، ومشاعره، ومستقبلها معه. "ولماذا وافقت؟" سأل "عمر" بنبرةٍ فيها اتهام. "لم أوافق يا عمر!" ردت "ليلى" بصوتٍ عالٍ، وقد امتزج الغضب بالدموع، "لقد قلت له إنني بحاجةٍ للتفكير. وقلت له عنك، وعن خطوبتنا. وكان رد فعله... لم يكن سعيداً."
"لم يكن سعيداً؟" تكرر "عمر" بذهول. "هل يعتقد أن زواجنا سيُعيق مسيرتك المهنية؟" "يبدو أنه يرى الأمور بهذه الطريقة. يعتقد أن الزواج، خصوصاً في هذه المرحلة، قد يُقلل من فرصي."
شعر "عمر" بالظلم. لقد كافح ليتجاوز إدمانه على العمل، ولإعادة بناء حياته، ليبدأ في بناء مستقبلٍ حقيقيٍّ مع "ليلى". والآن، يأتي والدها، ويُلقي بعرضٍ كهذا، يُهدد بزعزعة كل ما بناه. "هذا غير مقبول يا ليلى. هل تسمحين له بأن يُفرق بيننا؟ هل تسمحين له بأن يُملي عليكِ حياتك؟"
"لا أعرف يا عمر!" قالت "ليلى" وهي تبكي، "أنا مشوشةٌ جداً. والدتي دائماً كانت تقول لي إن والدي يحبني، لكنه دائماً ما يكون قاسياً في قراراته. أنا أحبك يا عمر، وأريد أن أتزوج منك. لكن هذه الفرصة... إنها كبيرةٌ جداً، ووالدي مصرٌ عليها."
نظر "عمر" إلى "ليلى"، ورأى فيها الصراع الذي تعيشه. لم يكن غاضباً منها، بل كان يشعر بالغضب تجاه هذا الموقف، وتجاه والدها. كان عليه أن يجد طريقةً لحل هذه المشكلة، ليس عن طريق المواجهة، بل عن طريق الحكمة والتفاهم. كان يعلم أن إدمانه على العناد والسيطرة قد تسبب له مشاكل في الماضي، ولن يسمح بأن يتكرر ذلك.
"حسناً يا ليلى." قال "عمر" بهدوءٍ، وقد استجمع كل قوته الداخلية. "دعيني أفكر في الأمر. ربما هناك حلٌّ وسط. ربما يمكننا أن نتحدث معه بهدوء، وأن نجد طريقةً تجمع بين أحلامنا المشتركة، وأحلامك المهنية." كان هذا التحدي قاسياً، لكن "عمر" كان مصمماً على تخطيه. لم يكن مستعداً للتخلي عن "ليلى"، أو عن مستقبلهم. كان عليه أن يثبت لوالدها، ولنفسه، أن الحب الحقيقي، والتفاهم، يمكن أن يتجاوزا أي عقبة، مهما كانت كبيرة.