الزوجة الصالحة

همسةٌ في فجرٍ لم يكتمل

بقلم ليلى الأحمد

ارتعشَ الفجرُ بصمتٍ على أسوارِ المدينةِ القديمة، مُرَسِّماً خيوطَ نورٍ خجولةٍ بينَ أزقّتِها الضيقةِ الملتوية. كانتْ نسمةُ الصباحِ الباردةُ تداعِبُ وجوهَ النائمينَ في عُزلتِهم، حاملةً معها عِطرَ الياسمينِ المتسللِ منْ بَساتينَ العُشَّاقِ القريبة. لكنْ في قلبِ هذا الهدوءِ الساحر، كانَ هناكَ نبضٌ متسارعٌ، وروحٌ تسعى جاهِدةً لتجاوزَ قيودَ الصمتِ والألم.

وقفَ "عبدُ الرحمن" عندَ نافذتِهِ المطلّةِ على سُفوحِ الجبالِ المُحيطةِ، يترقبُ طلوعَ الشمسِ كما لوْ أنَّ فيها سيأتي الفرجُ. كانتْ عينانِ عميقتانِ، بلونِ القهوةِ الداكنة، تحملانِ حُزنًا غائرًا، ولهيبًا مُنطفئًا يكادُ يُنبئُ بشيءٍ عظيم. يداهُ، قويتانِ وعادةٌ عليهما مشقَّةُ العمل، كانتا مُتشبثتينِ ببعضِهما البعضِ كأنَّهما تبحثانِ عنْ عزاءٍ في تلامسِهما.

كانَ قدْ قضى ليلتَهُ ساهرًا، كالعادة. لمْ يكنِ النومُ صديقًا لهُ منذُ زمنٍ بعيد. كانتْ ذكرياتٌ مُبهمةٌ، وصورٌ باهتةٌ، ورائحةٌ لا تزالُ تفوحُ منْ ذاكرةِ قلبِهِ، تُقلقُ راحتَهُ وتُطارِدُ أحلامَهُ. كانَ يحاولُ جاهدًا أنْ يُحكِّمَ سيطرتَهُ على عواطفِهِ، على تلكَ الموجةِ العاتيةِ منَ الشوقِ والحسرةِ التي تضربُهُ بينَ حينٍ وآخر.

"الحمدُ للهِ على كلِّ حال"، تمتمَ بصوتٍ خفيضٍ، وكأنَّهُ يُثبِّتُ إيمانَهُ بنفسِهِ. كانَ عبدُ الرحمنْ رجلًا ذا مكانةٍ مرموقةٍ في مجتمعِهِ. شيخٌ طاعنٌ في السنِّ، ورثَ عنْ آبائِهِ ثروةً ومجدًا، ولكنهُ كانَ يحملُ في صدرِهِ ثقلًا أكبرَ منْ كلِّ ما ورث. ثقلُ مسؤوليةٍ، وثقلُ قرارٍ مؤلمٍ اتخذَهُ قبلَ سنواتٍ، ما زالَ يُؤرِّقُهُ.

نظرتُهُ تجولتْ في الغرفةِ المُزيَّنةِ بأسلوبٍ عربيٍّ أصيل. السجادُ الفارسيُّ الفاخر، والوسائدُ المطرزةُ بخيوطِ الذهب، والأواني الفضيَّةُ اللامعة، كلها كانتْ تشهدُ على عراقةِ البيتِ وأصالتِهِ. لكنْ خلفَ هذا البذخِ الظاهر، كانَ هناكَ فراغٌ عميقٌ، وحنينٌ لا ينتهي.

كانَ عبدُ الرحمنْ في الأربعينياتِ منْ عُمرِهِ، وما زالَ أعزب. لمْ تُفلحْ محاولاتُ أهلِهِ وأصدقائِهِ في تزويجِهِ. كلُّ فتاةٍ كانتْ تُعرضُ عليهِ، مهما كانتْ أخلاقُها ودينُها، كانتْ تقابلُ بالرفضِ الصامتِ، أوْ بابتسامةٍ تحملُ ألفَ معنىً. لمْ يكنْ الأمرُ عنْ عجرفةٍ أوْ تكبُّر، بلْ عنْ حاجزٍ نفسيٍّ بناهُ حولَ قلبِهِ، جدارٌ سميكٌ منَ الذكرياتِ والخوف.

تذكرَ وجهَها. تلكَ البسمةُ البريئةُ، والعينانِ اللتانِ كانتا تُشعّانِ بالحياةِ والأمل. تذكرَ صوتَها، كأنَّهُ أغنيةٌ عذبةٌ ما زالتْ تترددُ في أذنيه. إنَّها "ليلى"، حبُّ حياتِهِ، وشريكةُ روحِهِ التي انتُزعتْ منهُ قبلَ أنْ تكتملَ الفرحة.

كانَ قدْ خطبَها قبلَ سنواتٍ. كانتْ الفرحةُ تملأُ قلبيهما، والأحلامُ تتناثرُ كحبِّاتِ المطر. كانتْ "ليلى" ابنةَ جيرانِهِ، فتاةٌ طيبةٌ، متدينةٌ، وذاتُ خلقٍ رفيع. نشأتْ علاقتهما في إطارٍ منَ الاحترامِ والودِّ، وتطوَّرتْ لتُصبحَ حبًّا صادقًا، حلالًا، مباركًا. لكنَّ القدرَ كانَ لهُ رأيٌ آخر.

في ليلةِ زفافِهِما، قبلَ ساعاتٍ قليلةٍ منَ الحفلِ الكبير، وقعَ حادثٌ مأساويٌّ. سيارةٌ مسرعة، طريقٌ مُظلم، وصراخٌ لمْ يجدْ طريقهُ إلى أحد. عندما وصلَ إليها، كانتْ حياتُها قدْ لفظتْ أنفاسَها الأخيرة. كانتْ "ليلى" قدْ رحلتْ، وتركتْ خلفَها فراغًا لا يمكنُ أنْ يملأهُ أحد.

ومنذُ ذلكَ اليوم، ودنيا عبدُ الرحمنْ قدْ انقلبتْ رأسًا على عقب. صمتٌ قاتلٌ، ووحدةٌ مُريرة، وحزنٌ لا ينتهي. حاولَ أنْ يُحاربَ أشباحَ الماضي، وأنْ يُعيدَ بناءَ حياتِهِ، لكنَّ صورةَ "ليلى" كانتْ تُلاحقُهُ في كلِّ مكان.

اليوم، ومعَ طلوعِ شمسٍ جديدة، شعرَ عبدُ الرحمنْ بشيءٍ مختلف. شعورٌ غريبٌ باليقينِ، وكأنَّ مرحلةً جديدةً بدأتْ في حياتِهِ. هلْ هوَ أملٌ خافتٌ يتسللُ إلى قلبِهِ المُثقل؟ أمْ أنَّهُ مجرَّدُ وهمٍ آخرَ سيتبدَّدُ معَ أولِ نسمةِ ريح؟

نهضَ منْ مكانِهِ، وتوجَّهَ نحو خزانةِ ملابسِهِ. اختارَ ثوبًا عربيًّا أنيقًا، باللونِ البيجِ، ولفَّ حولَ عنقِهِ عمامةً بيضاءَ ناصعة. شعرَ بأنَّهُ بحاجةٍ إلى تغيير. بحاجةٍ إلى فعلِ شيءٍ جديد، شيءٍ يُعيدُ إليهِ بعضَ الحياة.

نزلَ عبدُ الرحمنْ إلى باحةِ القصرِ الكبيرة. الهواءُ كانَ منعشًا، والطيورُ تُغرِّدُ بصوتٍ عذب. استقبلَهُ الخدمُ بوجوهٍ باسمة، ولكنَّهمْ كانوا يعرفونَ جيدًا ثقلَ الهمِّ الذي يحملهُ سيدُهم.

"صباحُ الخيرِ يا سيدي"، قالَ لهُ كبيرُ الخدمِ، "أبوْ أحمد". "صباحُ النور، أبوْ أحمد"، أجابَ عبدُ الرحمنْ بصوتٍ هادئ، "هلْ وصلتْ ضيفاتُنا؟" "نعمْ يا سيدي. لقدْ وصلنَ قبلَ الفجرِ بقليل. تمَّ إعدادُ جناحِهنَّ الخاص. السيدةُ والدتكَ في استقبالِهنَّ الآن."

توقفَ عبدُ الرحمنْ لثانية. ضيفاتٌ؟ نعم، لقدْ نسى. لقدْ وعدَ والدتَهُ بأنْ يُسهِّلَ مهمَّتَها في البحثِ عنْ زوجةٍ له. لقدْ أقنعتْهُ أخيرًا بالموافقةِ على استقبالِ فتياتٍ منَ الأسرِ المرموقةِ، بهدفِ اختيارِ زوجةٍ جديدة. كانَ يرى في ذلكَ نوعًا منَ الخيانةِ لذكرى "ليلى"، لكنَّهُ أدركَ أنَّهُ لا يمكنُ أنْ يعيشَ بقيةَ حياتِهِ أسيرًا للماضي.

"أحسنتمْ. سأذهبُ إليهنَّ بعدَ قليلٍ. أريدُ أنْ أُصلِّيَ الفجرَ أولًا."

شعرَ عبدُ الرحمنْ بثقلِ الخطوةِ وهوَ يتجهُ نحو المسجدِ الصغيرِ المُلحقِ بالقصر. هلْ هوَ مستعدٌ حقًا لمواجهةِ هذا التحدي؟ هلْ يستطيعُ قلبُهُ أنْ ينفتحَ منْ جديدٍ على الحبِّ، بعدَ أنْ أُغلقَ بإحكامٍ على جرحٍ غائر؟ كانَ هناكَ شيءٌ ما في عينيْ "ليلى" الأخيرتين، شيءٌ لمْ يفهمهُ حينها. نظرةٌ حملتْ وعدًا، أوْ ربما رجاءً. هلْ كانَ هذا وعدًا بأنْ يعيشَ حياتَهُ بكلِّ معانيها، وأنْ يبحثَ عنِ السعادةِ مرةً أخرى؟

بينما كانَ يقفُ في صلاتِهِ، مُستقبلًا القبلةَ، شعرَ بأنَّهُ ليسَ وحيدًا. شعرَ بأنَّ هناكَ منْ يُراقبهُ، منْ يُؤازرُهُ، منْ يُشجِّعُهُ على تخطِّي حاجزِ الألم. رفعَ يديهِ، ودعا ربَّهُ بخشوعٍ: "اللهمَّ اجعلْ في أمري خيرًا، وزوِّجني ممَّنْ تُحبُّ، واجعلْها سببًا في سعادتي." وبينما كانَ يُنهي صلاتَهُ، انبعثَ منْ صدرِهِ شعورٌ بالسكينةِ، وبالقدرةِ على المواجهة. كانتْ الشمسُ قدْ أشرقتْ بالكاملِ، مُنيرةً سماءَ المدينةِ، ومُبشرةً بيومٍ جديد، ربما يحملُ معه بداياتٍ لمْ يتوقعها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%