الفصل 13 / 25

الزوجة الصالحة

همسات القلوب في خضم العاصفة

بقلم ليلى الأحمد

جلست "ليلى" على حافة نافذتها، تتأمل سماء الرياض التي طغى عليها ليلٌ شاحبٌ كوجهها. لم يكن الليلُ بحد ذاته سبب شحوبها، بل هو الظلُّ الذي ألقاهُ حديثُ "خالد" الأخير، ذلك الحديثُ الذي نسجَ خيوطَ قلقٍ لا فكاكَ منها. قالت لهُ في غمرةِ انفعالٍ لم تستطعْ كبتَهُ: "ولكن يا خالد، ألا ترى أنَّ هذا التأخيرَ في إتمامِ أمرِنا مُؤلمٌ؟ لقد أصبحتْ حياتي معلقةً بخيطٍ رفيعٍ يكادُ ينقطعُ مع كلِّ تأجيل."

تنهدَ خالدٌ بعمقٍ، وتلاشتْ زرقةُ عينيهِ خلفَ ضبابٍ من الحيرةِ والتفكير. "يا حبيبتي ليلى، أتعلمينَ أنَّ كلَّ قرارٍ نتخذهُ الآنَ يمسُّ مستقبلَ عائلتينِ؟ لا أريدُ أنْ أُسرعَ في شيءٍ قدْ نندمُ عليهِ فيما بعد. أبي لديهِ مشروعهُ الكبير، وأمي بحاجةٍ لراحتهِ، وأبوكِ لديهِ بعضُ المستجداتِ في عملهِ."

كانتْ كلماته كالدواءِ المُرِّ، تحملُ في طياتها حقائقَ لا تستطيعُ ليلى إنكارها، ولكنها كانتْ تفتقرُ إلى الشفاءِ الذي تتوقُ إليهِ. كانتْ تفهمُ مسؤولياتِ خالدٍ، وتقدِّرُ حرصهُ على كلِّ ما يتعلقُ بعائلتهِ، ولكنَّ قلبها لم يكنْ ليتوقفَ عنْ إرسالِ إشاراتِ الحنينِ والشوقِ. لم يكنْ الأمرُ مجردَ تأجيلٍ لعقدِ قرانٍ، بل كانَ تأجيلًا لِقَسمٍ من حياتها، لِجزءٍ من روحها لمْ يتسنَّ لهُ أنْ يتجلى كاملاً بعد.

في صباحِ اليومِ التالي، استيقظتْ ليلى على صوتِ أمها يناديها بصوتٍ حنون: "ليلى، حبيبتي، قومي. لدينا ضيفٌ عزيزٌ على العشاءِ الليلة."

"منْ هو يا أمي؟" سألتْ وهيَ تتململُ في فراشها، تسترخي عضلاتُ جسدها المتعبةُ منْ سهرِ الأمس.

"إنهُ عمُّكِ "بدر" وابنتهُ "سارة"، ألا تتذكرينها؟ لقدْ مرَّ وقتٌ طويلٌ منذُ آخرِ لقاءٍ."

ابتسمتْ ليلى ابتسامةً باهتة. كانتْ تتذكرُ سارة، ابنةَ عمها التي تكبرُها ببضعِ سنوات، فتاةٌ رقيقةٌ وهادئةٌ، ولكنَّ ذكرى عائلتها لمْ تعدْ تثيرُ فيها الكثيرَ منْ الحماسةِ. تذكرتْ أنَّ والدها لمْ يكنْ على وفاقٍ تامٍ مع ابنِ عمهِ، والد سارة، بسببِ خلافاتٍ قديمةٍ حولَ ميراثٍ أوْ شيءٍ منْ هذا القبيل، لكنَّ الأيامَ قدْ طوتْ تلكَ الخلافاتِ، على الأقلِّ ظاهريًا.

استعدتْ ليلى للقاء، اختارتْ ثوبًا فضفاضًا بلونِ اللافندر، لمْ يكنْ ذاكَ الثوبُ الذي ترتديهِ في المناسباتِ الكبيرة، بلْ شيئًا هادئًا يعكسُ حالتها النفسية. جلستْ في غرفةِ المعيشةِ، تستمعُ إلى أحاديثِ أمها وأبيها عنْ أحوالِ العائلةِ والأعمال، بينما كانتْ عيناها تتجهانُ تلقائيًا نحو الباب، تنتظرُ وصولَ الضيوف.

وصلَ عمُّها بدرٌ وابنتُهُ سارة. استقبلتهما العائلةُ بحفاوةٍ وترحيبٍ. كانتْ سارةُ قدْ أصبحتْ شابةً جميلةً، ولكنَّ ابتسامتها كانتْ تبدو قسريةً بعضَ الشيء، وعيناها تحملانُ نظرةً غامضةً لمْ تستطعْ ليلى أنْ تفهمها. تبادلَ الجميعُ الأحاديثَ الودية، واستحضروا ذكرياتِ الماضي.

بعدَ أنْ تناولوا العشاءَ، جلستْ ليلى مع سارة في شرفةِ المنزل، حيثُ تتسللُ نسماتُ الهواءِ العليل. حاولتْ ليلى أنْ تبدأَ حديثًا ودودًا.

"كيفَ حالكِ يا سارة؟ لقدْ كبرتِ كثيرًا منذُ آخرِ مرةٍ رأيتكِ."

ابتسمتْ سارةُ ابتسامةً خجولة. "أنا بخيرٍ والحمدُ لله. شكرًا لسؤالكِ. أنتِ أيضًا تبدينِ أجمل."

"أنتِ لطيفةٌ جدًا." قالتْ ليلى، وشعرتْ ببرودٍ خفيٍّ في أجواءِ حديثهما. حاولتْ مجددًا. "سمعتُ أنَّ لديكِ أعمالًا جديدةً في الخارج؟"

"نعم، كنتُ أعملُ على مشروعٍ في دبي، ولكنهُ لمْ يكتملْ بالشكلِ الذي كنتُ أتمناهُ. الحياةُ مليئةٌ بالمفاجآتِ."

كانتْ إجابةُ سارةُ مقتضبةً، مما جعلَ ليلى تشعرُ بالضيق. لمْ تكنْ سارةُ بتلكَ الروحِ المرحةِ التي كانتْ تتذكرها. بدا عليها أنها تحملُ ثقلًا كبيرًا.

"هلْ أنتِ سعيدةٌ يا سارة؟" سألتْ ليلى فجأةً، بصوتٍ خرجَ أعمقَ مما قصدت.

نظرتْ إليها سارةُ بتعجبٍ، ثمَّ هزتْ رأسها ببطء. "السعادةُ نسبيةٌ يا ليلى. في بعضِ الأحيانِ، نجدُ أنفسنا نسيرُ في دروبٍ لمْ نكنْ نخططُ لها، ولكننا نحاولُ أنْ نجعلَ منها أفضلَ ما يمكن."

كانَ في صوتِ سارةَ حزنٌ عميقٌ، وكلماتها بدتْ كصدىً لما تشعرُ بهِ ليلى. شعرتْ ليلى بشيءٍ غريبٍ يربطها بسارة، رغبةٌ في أنْ تتشاركها أعباءَها، ولكنَّ الظروفَ لمْ تسمحْ بذلك.

في تلكَ اللحظةِ، دخلَ عمُّها بدرٌ إلى الشرفةِ، وبدا وجههُ كئيبًا. قالَ لوالدهِ: "يا أخي، لديَّ أمرٌ هامٌّ أودُّ أنْ أتحدثَ معكَ فيهِ على انفراد."

شعرَ والدُ ليلى ببعضِ القلق، ولكنهُ أومأ برأسهِ، ودعا الجميعَ إلى الداخل. جلستْ ليلى مرةً أخرى مع أمها، تشعرُ بأنَّ شيئًا ما يحدثُ خلفَ الكواليس، شيئًا يؤثرُ على مجرى الأمورِ، وربما على مستقبلها.

بعدَ أنْ ذهبَ الضيوفُ، سألتْ ليلى أمها عنْ سببِ كآبةِ عمها بدر.

"لا تقلقي يا ابنتي، مجردُ أمورٍ تخصُّ العمل." قالتْ والدتها، ولكنَّ عينيها لمْ تعكسا ذلكَ الهدوء.

في تلكَ الليلةِ، لمْ ينمْ قلبُ ليلى. استمرَّتْ تهامساتُ القلوبِ تترددُ في أرجاءِ عقلها، تحذرُها منْ شيءٍ قادمٍ، شيءٍ قدْ يغيرُ كلَّ شيء. تساءلتْ عنْ سببِ قلقِ خالدٍ، وعنْ كآبةِ عمها بدر، وعنْ نظرةِ سارةَ الغامضة. بدا أنَّ العاصفةَ قادمةٌ، وأنها تحملُ معها رياحًا قدْ تعصفُ بمسارِ حياتها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%