الزوجة الصالحة
صدى الماضي وصخب الحاضر
بقلم ليلى الأحمد
ارتجفتْ يدا ليلى وهيَ تُحكمُ قبضتها على عباءتها، عيناها تتابعانِ الرجلَ الأسودَ الذي لمْ يزلْ يقفُ في زاويةِ الشارعِ، هامسًا في هاتفهِ بكلماتٍ تحملُ نبرةَ تهديدٍ مبطنة. "تمَّ تأكيدُ الموعد. لا تقلق. كلُّ شيءٍ سيكونُ وفقًا للخطة. لنْ يتمكنوا منْ منعِ ما سيحدث." هذهِ العباراتُ دارتْ في رأسِ ليلى كصدىً مزعجٍ، وبدأتْ تشعرُ بثقلِ المسؤوليةِ يقعُ على عاتقها. لمْ تعدْ القضيةُ مجردَ تأجيلٍ لزواج، بلْ أصبحتْ وكأنَّ هناكَ مؤامرةً تُحاكُ في الظلام.
تسللتْ ليلى مبتعدةً، وقدْ أصبحَ قلبها دليلها الوحيد. اتجهتْ عائدةً إلى منزلها، وكلُّ خطوةٍ تخطوها كانتْ أثقلَ منْ سابقتها. عندما وصلتْ إلى غرفتها، أغلقتِ البابَ بهدوءٍ، ثمَّ جلستْ على حافةِ سريرها، تحاولُ استيعابَ ما سمعتْ. منْ هوَ الرجلُ؟ ومنْ همْ "هم" الذينَ لنْ يتمكنوا منْ منعِ ما سيحدث؟ وما هيَ "الخطة"؟
كانتْ كلماتُ الرسالةِ النصيةِ المجهولةِ تترددُ في ذهنها: "الماضي لا يزالُ يلقي بظلالهِ. كنْ على حذرٍ." هلْ للرجلِ الأسودِ علاقةٌ بهذهِ الرسالة؟ هلْ هوَ جزءٌ منْ سرٍّ قديمٍ يعودُ إلى خلافاتِ العائلةِ؟
في اليومِ التالي، قررتْ ليلى أنْ تواجهَ والدها. كانتْ تخشى أنْ تُقلقهُ أكثرَ، ولكنَّها شعرتْ بأنَّ معرفةَ الحقيقةِ أهمُّ منْ أيِّ قلقٍ قدْ ينشأ.
"أبي، هلْ لي أنْ أتحدثَ معك؟" قالتْ ليلى بصوتٍ يرتجفُ قليلاً، وهيَ تجدهُ جالسًا في مكتبهِ، يقلبُ أوراقًا كثيرة.
رفعَ والدها عينيهِ عنها، وبدا عليهِ الإرهاق. "تفضلي يا ابنتي. ما الأمر؟"
"لقدْ سمعتُ عنْ حديثكَ مع عمي بدرٍ الليلةَ الماضية. هلْ هناكَ شيءٌ خطيرٌ؟"
تنهدَ والدها بعمقٍ، وبدا كأنَّه يحاولُ ترتيبَ أفكاره. "يا ابنتي، هناكَ بعضُ الأمورِ التي لمْ أكنْ أودُّ أنْ أُخبركِ بها حتى لا تُثقلي عليكِ. الأمرُ يتعلقُ بعملِ والدِ سارة، عمكِ بدر. لقدْ واجهَ صعوباتٍ كبيرةً جدًا في مشروعهِ الجديد، بلْ إنهُ على وشكِ الإفلاس."
اتسعتْ عينا ليلى. "الإفلاس؟ ولكنْ! كيفَ ذلك؟"
"يبدو أنَّ هناكَ منافسةً شديدةً، وأنهُ استثمرَ كلَّ مدخراته. وهوَ الآنَ في وضعٍ حرجٍ جدًا، ويحتاجُ إلى دعمٍ ماليٍّ كبيرٍ لتجاوزِ هذهِ الأزمة."
"وهلْ لهذا علاقةٌ بتأجيلِ زواجي منْ خالد؟" سألتْ ليلى، وهيَ تشعرُ بأنَّ الخيوطَ بدأتْ تتجمعُ في ذهنها.
"بالفعل، هذا هوَ بيتُ القصيد. والدُ خالدٍ، وهوَ ابنُ عمي، لديهِ استثماراتٌ مشتركةٌ مع والدِ سارة. ويبدو أنَّ هذا المشروعَ الذي فشلَ فيهِ عمكِ بدرٍ قدْ أثرَ على استثماراتِ والدِ خالدٍ أيضًا. هما يحاولانِ حلَّ المشكلةِ في صمتٍ، ولكنَّ الأمرَ أصبحَ يتطلبُ الكثيرَ منَ التركيزِ والمجهود."
"ولكنْ، لماذا لمْ يخبرني خالدٌ بهذا؟"
"ربما لمْ يُردْ أنْ يُثقلَ عليكِ، أوْ ربما لمْ تكنْ لديهِ المعلوماتُ الكافيةُ بعد. خالدٌ شابٌّ مسؤولٌ، ويُقدِّرُ مشاعركِ."
لمْ تشعرْ ليلى بالارتياح. بقيتْ الشكوكُ تحومُ حولها. بقيتْ صورةُ الرجلِ الأسودِ وكلماته تترددُ في أذنها. "كلُّ شيءٍ سيكونُ وفقًا للخطة." هلْ كانَ ما سمعتْ مجردَ هلوسةٍ، أمْ أنَّ هناكَ شيئًا آخرَ يحدثُ خلفَ الكواليس؟
"يا أبي، هلْ أنتَ متأكدٌ أنَّ هذهِ هيَ كلُّ الحقيقة؟" سألتْ ليلى، وعيناها تنظرانِ في عينيهِ بجدية.
نظرَ والدها إليها بتعجبٍ. "ولماذا تسألينَ هكذا يا ابنتي؟ هلْ سمعتِ شيئًا؟"
"لا يا أبي، ولكنَّني أشعرُ أنَّ هناكَ شيئًا غامضًا في الأمر. لقدْ رأيتُ رجلاً مريبًا بالقربِ منْ منزلِ عمي بدرٍ البارحة، وكانَ يتحدثُ في هاتفهِ بطريقةٍ غريبة. كما أنني تلقيتُ رسالةً نصيةً غامضةً بالأمس."
بدأَ وجهُ والدها يتغيرُ، وتلاشتْ ابتسامتهُ. "رسالةً؟ ورجلاً مريبًا؟ ماذا كانَ يقولُ؟"
حكتْ ليلى لوالدها كلَّ ما رأتهُ وسمعتهُ. شعرَ والدها بالصدمةِ، ثمَّ بالجديةِ. "يا ابنتي، يجبُ أنْ نأخذَ هذا الأمرَ على محملِ الجد. قدْ يكونُ هناكَ ما هوَ أبعدُ منْ مجردِ صعوباتٍ مالية."
في تلكَ اللحظةِ، رنَّ هاتفُ والدها، وكانَ المتصلُ هوَ والدُ خالدٍ. تحدثَ معه بصوتٍ منخفضٍ، وبدا عليهِ القلقُ الشديد. بعدَ أنْ أغلقَ الخطَّ، نظرَ إلى ليلى بعينينِ تشتعلانِ بالقلق.
"لقدْ اتصلَ بي والدي خالد. يقولُ إنَّه تلقى تهديداتٍ مبطنةٍ تتعلقُ بمشروعهِ الحالي، وأنَّ شخصًا يحاولُ أنْ يبتزَّه. يبدو أنَّ هذهِ التعقيداتُ ليستْ طبيعيةً على الإطلاق. لقدْ طلبَ مني أنْ أكونَ حذرًا، وأنْ أحذرَ عائلتي."
شعرتْ ليلى بأنَّ جسدها قدْ تجمد. كلُّ ما كانَ يبدو مجردَ صدفةٍ أوْ سوءِ حظٍّ، قدْ تحولَ الآنَ إلى حقيقةٍ مرعبة. لقدْ كانتْ على حقٍّ في شعورها بأنَّ هناكَ شيئًا مريبًا. لقدْ بدأتْ أسرارُ الماضي تنكشفُ، وصخبُ الحاضرِ يُهددُ بتقويضِ كلِّ شيءٍ بنتهُ.