الزوجة الصالحة
الستارُ ينكشفُ عنْ وجهِ الحقيقةِ
بقلم ليلى الأحمد
ارتسمَ على وجهِ والدِ ليلى مزيجٌ منَ الصدمةِ والقلقِ العميقِ، بينما كانَ يحدقُ في ابنتهِ بنظرةٍ تفوقُ الكلمات. "لقدْ طلبَ مني أنْ أكونَ حذرًا، وأنْ أحذرَ عائلتي." كانتْ هذهِ الكلماتُ بمثابةِ صفعةٍ أقامتْ ليلى منْ جلستها. لمْ تعدْ الأمورُ مجردَ تأجيلٍ لموعدِ زواجٍ، بلْ أصبحتْ قضيةً تمسُّ أمنَ عائلتها.
"تهديداتٌ؟ ابتزاز؟ أبي، منْ يكونُ هذا الشخص؟ وماذا يريد؟" سألتْ ليلى بصوتٍ مرتجفٍ، بينما كانتْ تتخيلُ وجهَ الرجلِ الأسودِ الذي رأتهُ بالأمس.
"والدي خالدٍ لمْ يُحددْ هويتهُ بعد. ولكنَّه قالَ إنَّ هذهِ التهديداتِ تبدو مرتبطةً بقضيةِ شراكةٍ قديمةٍ بينَ والدهِ وبعضِ الأشخاصِ الذينَ لمْ يكنْ لديهمْ نوايا حسنة. يبدو أنَّهمْ يحاولونَ استغلالَ الأزمةِ الماليةِ لعمكِ بدرٍ لفرضِ سيطرتهم."
"ولكنْ، لماذا لمْ يُخبرنا خالدٌ بهذا؟"
"ربما كانَ يحاولُ أنْ يُحافظَ على هدوءِ الأمورِ، أوْ ربما كانَ يخافُ عليكِ. خالدٌ يحبُّكِ كثيرًا يا ابنتي، ويُقدِّرُ سلامتكِ."
شعرَتْ ليلى بأنَّ هذا التفسيرَ ليسَ كافيًا. هلْ كانَ خالدٌ يتكتمُ عنْ حقيقةٍ قدْ تؤثرُ على علاقتهما؟ بدأتْ تشعرُ ببعضِ الريبةِ تجاهَ صمتِ خالدٍ.
في غضونِ ذلك، كانتْ والدةُ ليلى قدْ دخلتْ الغرفةَ، وقدْ رأتْ قلقَ زوجها وابنتها. "ماذا يحدث؟ تبدو وجوهكمْ شاحبةً."
بعدَ أنْ شرحَ لها والدُ ليلى الموقفَ، احتضنتْ والدةُ ليلى ابنتها بقوة. "يا ابنتي، يجبُ أنْ نتحلى بالقوةِ والصبر. هذهِ ابتلاءاتٌ منَ الله، وسنتجاوزُها بإذنهِ. ولكنْ، يجبُ أنْ نكونَ حذرينَ جدًا."
قررتْ ليلى أنْ تتصرفَ. لمْ تعدْ قادرةً على الجلوسِ وانتظارِ ما سيحدث. أرادتْ أنْ تعرفَ الحقيقةَ بنفسها. في المساءِ، اتصلتْ بخالدٍ.
"خالد، يجبُ أنْ نتحدثَ. الآن." قالتْ بصوتٍ جادٍ، لا يحتملُ التأجيل.
"ليلى، أنا آسفٌ جدًا. لقدْ كنتُ مشغولًا للغايةِ لمحاولةِ حلِّ هذهِ المشكلة."
"هلْ تعلمُ بما يحدثُ لِوالدكَ؟ هلْ تعلمُ عنِ التهديداتِ؟"
صمتَ خالدٌ للحظةٍ، ثمَّ قالَ بصوتٍ متعبٍ: "نعم، أعلمُ. والدي لمْ يُردْ أنْ يُقلقكِ، ولكنَّ الأمرَ أصبحَ خطيرًا."
"ولماذا لمْ تخبرني أنتَ؟ لماذا كنتَ تتكتمُ عني؟"
"كنتُ أخشى عليكِ يا ليلى. كنتُ أخشى أنْ تتعرضي لأذى. كلُّ ما أفعلهُ هوَ لحمايتكِ."
"حمايتي؟ أمْ أنَّكَ كنتَ تحاولُ أنْ تُخفي شيئًا؟"
"ليلى، أرجوكِ. أنا لا أخفي شيئًا. نحنُ في وضعٍ صعبٍ جدًا."
"صعبٌ لدرجةِ أنْ تُصبحَ حياتي معلقةً؟ صعبٌ لدرجةِ أنْ أتلقى تهديداتٍ ولا أعرفُ منْ أينَ تأتي؟"
"أنا أعدكِ، سأخبركِ بكلِّ شيءٍ غدًا. بمجردِ أنْ تتضحَ الأمورُ أكثر. رجاءً، ثقي بي."
لمْ تكنْ ليلى مقتنعةً تمامًا، ولكنَّها شعرتْ بصدقِ خالدٍ في صوتهِ. وافقتْ على اللقاءِ غدًا.
في تلكَ الأثناء، كانتْ ليلى تشعرُ بأنَّ الأفكارَ تتشابكُ في عقلها. بدأتْ تُعيدُ ترتيبَ الأحداثِ: خلافاتُ الماضي، الأزمةُ الماليةُ لعمرها بدر، التهديداتُ التي تلقاها والدُ خالدٍ، الرجلُ الأسودُ الذي رأتهُ، الرسالةُ النصية.
فجأةً، تذكرتْ شيئًا. تذكرتْ أنَّ والدَ سارة، عمها بدر، كانَ لديهِ ابنٌ آخرٌ منْ زواجٍ سابقٍ، ابنٌ لمْ يُتحدثْ عنه كثيرًا. كانَ اسمهُ "نادر". تذكرتْ أنَّ هذا نادرَ قدْ كانَ يمتلكُ بعضَ الأفكارِ المظلمةِ، وأنهُ دخلَ في بعضِ المشاكلِ في السابق. هلْ يمكنُ أنْ يكونَ لهُ علاقةٌ بما يحدث؟
في صباحِ اليومِ التالي، قابلتْ ليلى خالدًا في مكانٍ عامٍّ وهادئ. كانَ الجوُّ مشحونًا بالتوتر.
"خالد، أنا بحاجةٍ إلى الحقيقةِ كاملةً." قالتْ ليلى فورَ أنْ جلسا.
تنهدَ خالدٌ بعمقٍ. "أنتِ على حقٍّ. لقدْ أخطأتُ في عدمِ إخباركِ بكلِّ شيءٍ منذُ البداية. ولكنْ، دعيني أشرحُ لكِ."
بدأَ خالدٌ يروي القصةَ. "والدي وشريكهُ القديمُ، وهوَ والدُ سارة، كانا يمتلكانِ شركةً كبيرةً. ولكنَّ هذا الشريكَ، أيْ والدَ سارة، كانَ لديهِ بعضُ الممارساتِ المشبوهةِ في إدارةِ الأموال. اكتشفَ والدي هذا لاحقًا، وحاولَ مواجهته. ولكنَّ والدَ سارةَ، خشيَ الفضيحةَ، فقامَ بتلفيقِ قضيةٍ ضدَّ والدي، وحاولَ أنْ يُورطهُ في مشاكلَ مالية. هذا هوَ السببُ في الخلافاتِ القديمةِ بينَ العائلتين."
"إذًا، والدُ سارةَ هوَ منْ فعلَ هذا؟" سألتْ ليلى بدهشة.
"نعم. وبعدَ فشلِ مشروعِهِ الأخيرِ، باتَ يائسًا. ويبدو أنَّ هناكَ شخصًا ما، ربما رجلٌ منْ ماضيهِ، يُحرِّضهُ ويُساندهُ في محاولةِ الابتزاز. هذا الشخصُ هوَ منْ يتواصلُ معَ والدي، ويُهددهُ. ويُحاولُ استغلالَ أزمةِ والدِ بدرٍ الماليةِ لزيادةِ الضغط."
"وهلْ سارةُ على علمٍ بكلِّ هذا؟"
"لا أعتقدُ ذلك. سارةُ فتاةٌ طيبةٌ، ولكنَّ والدها ربما كانَ يُخفي عنها الكثيرَ. لقدْ شعرتْ هيَ الأخرى ببعضِ القلقِ خلالَ زيارتها، ولكنَّها لمْ تفهمِ السببَ الحقيقي."
"وماذا عنْ نادر؟ هلْ لهُ علاقةٌ بهذا؟"
"بدأتُ أشكُّ في ذلك. سمعتُ أنَّ نادرَ كانَ في الآونةِ الأخيرةِ على اتصالٍ ببعضِ الأشخاصِ ذوي السمعةِ السيئة. قدْ يكونُ هوَ الوسيطَ بينَ والدِ سارةَ وهذا الشخصِ المجهول."
شعرتْ ليلى بأنَّ الستارَ قدْ انزاحَ عنْ وجهِ الحقيقةِ. أدركتْ أنَّ الأمورَ كانتْ أكثرَ تعقيدًا مما ظنتْ. لمْ يكنْ الأمرُ مجردَ صدفةٍ، بلْ كانتْ هناكَ نوايا خبيثةٌ تُحاكُ في الظلام.