الفصل 17 / 25

الزوجة الصالحة

بوادر التصدع

بقلم ليلى الأحمد

اجتاحت رياحٌ باردةٌ أرجاءَ الغرفةِ المزدانةِ بزخارفِ الشرقِ الأصيل، تحملُ معها نذيرَ شؤمٍ غامضٍ ما كانَ لحياةِ "نور" أنْ تحتملَ وطأتَهُ. جلستْ "نور" قبالةَ "فاطمة" والدتها، وعيناها تترقرقُ فيهما دموعٌ حبستْها بصعوبةٍ عن الانهمار. كانتْ "فاطمة" قدْ جلبتْ معها أخبارًا أثقلتْ كاهلَ "نور" أكثرَ مما تتصور.

"يا ابنتي،" قالتْ "فاطمة" بصوتٍ تكسوهُ الرجفة، "لقدْ تحدثتُ معَ خالتكِ "أمينة" بالأمس. وقدْ نقلتْ لي ما سمعتْهُ منْ حديثٍ بينَ "سارة" وابنةِ عمها "ليلى"."

تنفستْ "نور" بعمقٍ، وقلبُها يخفقُ بعنفٍ كما لوْ أنهُ يحاولُ الهربَ منْ صدرها. لمْ يكنْ في حديثِ "سارة" ما يُقلقها عادةً، فهيَ لمْ تعدْ ترى فيها سوى ظلٍ باهتٍ منْ ماضيٍ حاولتْ جاهدةً طيه. لكنْ هذهِ المرة، كانَ الأمرُ مختلفاً.

"وماذا سمعتْ يا أمي؟" سألتْ "نور" وصوتُها بالكادِ مسموعٌ.

"قالَتْ "ليلى" لـ "سارة" إنَّ والدكِ، حفظهُ الله، قدْ تلقى عرضاً للزواجِ منْ أسرةٍ مرموقةٍ لـ "سارة"، وهذا العرضُ يحملُ معه منافعَ كبيرةً للشركتين. وقدْ ألمحتْ "سارة" بـ "الجديد" الذي سيحدثُ قريباً."

صدمةٌ قاتلةٌ گزتْ "نور" حتى النخاع. "الجديد"؟ هلْ تقصدُ "سارة" بـ "الجديد" الزواجَ منْ "أحمد"؟ لمْ تكنْ تتخيلُ يوماً أنْ تصلَ الأمورُ إلى هذا الحد. كانتْ ترى في "أحمد" سنداً وحبّاً، شريكَ حياةٍ ومستقبلاً مشرقاً. ورغمَ أنَّ الزواجَ لمْ يكنْ قدْ تمَّ بعد، وأنَّ الخطبةَ لمْ تُعقدْ رسمياً، إلا أنَّ القلبَ كانَ قدْ مالَ، والنفسُ قدْ ارتضتْ.

"ولكنْ… ولكنَّ "أحمد" لمْ يقلْ لي شيئاً،" تمتمتْ "نور" وكأنها تخاطبُ نفسها. "هلْ يعقلُ أنْ يكونَ قدْ…؟"

قاطعتْها "فاطمة" بحنانٍ، "لا تستعجلي الحكمَ يا ابنتي. ربما كانَ حديثُ "سارة" مجردَ تمنياتٍ أوْ محاولةٍ لإثارةِ الغيرة. ولكنْ… قلبي لا يطمئن."

تسللَ الشكُ إلى روحِ "نور" كالسمِ البطيء. كيفَ يمكنُ لـ "أحمد" أنْ يخفيَ عنها أمراً كهذا؟ ألمْ يَعِدْها بالصدقِ والشفافية؟ ألمْ يكنْ بينهما ميثاقُ حبٍّ واحترام؟

في تلكَ الأثناء، كانَ "أحمد" منهمكاً في اجتماعٍ حاسمٍ معَ فريقِ العملِ في شركتِهِ. كانتْ صفقةٌ ضخمةٌ على وشكِ الانعقاد، صفقةٌ ستُغيّرُ مسارَ الشركةِ للأفضل، وتُعززُ مكانتَها في السوقِ المحلي. وبينَ الأرقامِ والتقارير، كانَ وجهُ "نور" يراودُهُ. تذكرَ وعدَهُ لها بأنْ يكونَ صريحاً معها في كلِّ شيء.

بعدَ الاجتماع، اتصلَ بـ "نور" ليطمئنَ عليها، ولمْ يكنْ لديهِ أدنى فكرةٍ عما يدورُ في خلدِها.

"مرحباً يا حبيبتي،" قالَ بصوتٍ دافئٍ، "كيفَ حالُكِ اليوم؟ هلْ أنجزتِ ما لديكِ؟"

شعرتْ "نور" ببرودةٍ تسري في أطرافِها. لمْ تستطعْ إخفاءَ اضطرابِها. "أنا بخيرٍ… إلى حدٍ ما."

"ماذا بكِ؟" سألَ "أحمد" بقلقٍ واضحٍ في صوتِهِ، "هلْ هناكَ ما يُزعجُكِ؟"

أخذتْ "نور" نفساً عميقاً. لمْ تكنْ تريدُ أنْ تتهمَ أحداً دونَ دليلٍ قاطع، ولكنَّ الشكَّ كانَ قدْ استقرَّ في قلبِها. "أحمد، هلْ… هلْ تقدمَ لكَ أيُّ أحدٍ بطلبِ زواجٍ لـ "سارة"؟"

توقفَ "أحمد" قليلاً. كانَ سؤالُ "نور" مفاجئاً وغيرَ متوقع. نعم، كانتْ هناكَ محاولاتٌ منْ جانبِ والدِ "سارة" للتقريبِ بينَ العائلتين، ومحاولاتٌ منْ جانبِ "سارة" نفسها لإعادةِ التواصل، ولكنهُ كانَ يرفضُها جميعاً بصمتٍ أوْ بوضوحٍ.

"لماذا تسألينَ هذا السؤالَ يا "نور"؟" سألَ "أحمد" بهدوءٍ، محاولاً استيعابَ ما يحدث.

"فقط… فقطْ سمعتُ حديثاً…" قالتْ "نور" بترددٍ. "قالوا إنَّ هناكَ عرضاً للزواجِ لـ "سارة"، وإنَّ الأمرَ قدْ يتمُّ قريباً."

شعرَ "أحمد" بخيبةِ أملٍ. كيفَ وصلتْ هذهِ الأخبارُ إلى "نور" بهذهِ الطريقة؟ ولماذا لمْ تتحدثْ إليهِ مباشرةً؟ "يا "نور"، هلْ تثقينَ بي؟"

"أوثقُ بكَ يا "أحمد"، ولكنَّ… ولكنَّ ما سمعتُ يبعثُ على القلق."

"لا تقلقي يا حبيبتي. لمْ يحدثْ شيءٌ منْ هذا القبيل. كانتْ هناكَ بعضُ المحاولاتِ القديمةِ، ولكنَّني لمْ أوافقْ عليها أبداً. وأنا ملتزمٌ لكِ."

كانَ كلامُ "أحمد" مطمئناً، ولكنَّ شيئاً ما في نبرتِهِ، أوْ في صمتِهِ القصيرِ قبلَ الإجابة، جعلَ قلبَ "نور" يشعرُ بوخزةِ شكٍ جديدة. هلْ كانَ صادقاً تماماً؟ أمْ كانَ يحاولُ فقطْ تهدئتَها؟

في بيتِ "سارة"، كانتْ الأمورُ تسيرُ بخطىً أسرعَ مما توقعتْ "نور". كانتْ "سارة" تراقبُ "أحمد" عنْ كثبٍ، وتتواصلُ معَ والدِها باستمرار. كانَ والدُ "سارة" مصرّاً على إتمامِ هذا الزواج، مدركاً للمنافعِ الماديةِ والمعنويةِ التي سيجلبُها لهُ.

"أمي،" قالتْ "سارة" لوالدتِها في المساءِ، "هلْ تتذكرينَ حديثَ "ليلى" معَ "نور"؟"

"نعم، ماذا عنها؟"

"لقدْ زادَ الأمرُ تأكيداً. والدُ "أحمد" يبدو أنهُ يتفاوضُ معي على التفاصيلِ الأخيرة. إنَّ الأمرَ قابَ قوسينِ أوْ أدنى."

لمْ تكنْ "سارة" تعلمُ أنَّ هذهِ الكلماتِ ستصلُ إلى "نور" بطريقةٍ ما، وأنَّها ستُشعلُ نارَ الشكِّ والريبةِ في قلبِها. كانتْ تعتقدُ أنَّها تسيرُ بخطىً ثابتةٍ نحو هدفِها، دونَ أنْ تدركَ أنَّ هذهِ الخطى قدْ تقودُها إلى طريقٍ مسدودٍ، أوْ إلى طريقٍ مليءٍ بالأشواكِ التي ستُدمي قلبَ كلِّ منْ يعترضُ طريقَها.

بينما كانتْ "نور" تغرقُ في بحرٍ منْ الشكوكِ، كانَ "أحمد" غافلاً تماماً عنْ حجمِ العاصفةِ التي تتشكلُ فوقَ رأسِهِ. كانَ يرى في علاقتِهِ بـ "نور" شيئاً مقدساً، شيئاً لا يمكنُ أنْ يُكسر. ولكنْ، هلْ كانَ يعلمُ أنَّ الأقدارَ قدْ نسجتْ خيوطاً أخرى، وأنَّ هناكَ قوىً تعملُ في الخفاءِ لتغييرِ مسارِ حياتِهِ وحياةِ "نور"؟

تذكرتْ "نور" كلماتِ "أحمد" الأخيرة: "وأنا ملتزمٌ لكِ." هلْ كانَ هذا الالتزامُ حقيقياً؟ أمْ كانَ مجردَ كلامٍ يُقالُ في لحظةِ ضعفٍ أوْ محاولةٍ للخروجِ منْ مأزق؟ استشعرتْ "نور" بوادرَ تصدّعٍ في صرحِ حبِّها، تصدّعٍ قدْ يُصبحُ فيما بعدُ انهداماً شاملاً. وبدأتْ تتساءلُ، هلْ حقاً ستستطيعُ تجاوزَ هذهِ المحنة؟ أمْ أنَّ هذهِ المحنةَ ستكونُ نقطةَ النهايةِ لكلِّ ما بنتهُ معَ "أحمد"؟

نهايةُ الفصلِ تركتْ "نور" في دوامةٍ منْ القلقِ والاضطراب. هلْ تستمرُ في الثقةِ بـ "أحمد"؟ أمْ تبدأُ في البحثِ عنْ دليلٍ يُؤكدُ لها ما تخشاهُ؟ كانتْ الأيامُ القادمةُ حبلى بالمفاجآت، ولعلَّ بعضَ هذهِ المفاجآتِ ستكونُ مؤلمةً للغاية.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%