الزوجة الصالحة
رنينُ القلبِ في قاعةِ الشرف
بقلم ليلى الأحمد
تجمَّعَ أفرادُ العائلةِ في قاعةِ الشرفِ الفسيحة، حيثُ كانَ نورُ الشمسِ يتسللُ عبرَ النوافذِ المُزخرفةِ، مُلقيًا بظلالٍ ذهبيةٍ على أثاثِ القصرِ الفخم. رائحةُ القهوةِ العربيَّةِ والهيلِ كانتْ تملأُ الأجواء، ممزوجةً بعطرِ الزهورِ الطبيعيَّةِ التي زيَّنتْ طاولاتٍ مُنسَّقة. السيدةُ "أمينة"، والدةُ عبدُ الرحمن، كانتْ تجلسُ على رأسِ الطاولة، بكاملِ أناقتها وهيبتها. وجهُها يحملُ علاماتِ الزمنِ، لكنَّ عينيهَا لا تزالانِ تحملانِ بريقَ الذكاءِ والحزم.
"أيتها الغاليات"، بدأتْ أمينةُ حديثَها بصوتٍ دافئ، "أهلاً بكنَّ في بيتِكم. نسألُ اللهَ أنْ يكونَ مقامُكنَّ طيبًا." وقفَ أمامَها ثلاثُ فتياتٍ، كلٌّ منهنَّ تحملُ جمالًا خاصًّا، ولكنَّ وجوههنَّ كانتْ تحملُ مزيجًا منَ الارتباكِ والفضول.
الأولى، "فاطمة"، كانتْ في أوائلِ العشرينيات، بشعرٍ أسودَ طويلٍ مُنسدلٍ على كتفيها، وعينينِ لوزيتينِ واسعتين. كانتْ تبدو خجولةً بعضَ الشيء، ولكنَّها كانتْ تحملُ هدوءًا يلفتُ النظر. الثانية، "سارة"، كانتْ أكثرَ جرأةً، بشعرٍ بنيٍّ مُجعَّدٍ قصير، وابتسامةٍ مرحةٍ تزينُ وجهَها. كانَ فيها شيءٌ منَ الحياةِ والمرح. الثالثة، "مريم"، كانتْ الأكبرَ سنًّا بينهنَّ، في منتصفِ العشرينيات، بشعرٍ بنيٍّ داكنٍ مُقصوصٍ بعناية، وعينينِ حادتينِ تُظهرانِ ذكاءً وحكمة. كانتْ فيها وقارٌ يُناسبُ شخصيتها.
كانتْ أمينةُ قدْ أرسلتْ دعواتٍ لعددٍ منَ الأسرِ التي تعرفُها جيدًا، والتي تمتلكُ بناتٍ صالحاتٍ، مُتديناتٍ، وذواتِ أخلاقٍ كريمة. اختارتْ هؤلاءِ الثلاثَ بعنايةٍ فائقة، بعدَ استشارةٍ عميقةٍ معَ زوجاتِ إخوتِها، ومعَ شيخٍ جليلٍ في المدينةِ، للتأكدِ منْ صلاحِهنَّ ودينهنَّ.
"كما تعلمنَ، فقدْ طلبتْ منكنَّ القدومَ لنُعينَ ابني عبدُ الرحمنْ على اختيارِ شريكةِ حياتِهِ. هوَ رجلٌ فاضل، ولكنهُ لمْ يتزوَّجْ بعد. نحنُ نرجو لهُ الخيرَ والسعادة، ونأملُ أنْ تجدنَ فيهِ ما يُرضيكنَّ."
كانَ الصمتُ يخيمُ على المجلس، لمْ تُجبْ الفتياتُ فورًا، ولكنَّهنَّ تبادلنَ النظراتِ بخجلٍ واحترام. "نحنُ نقدرُ ثقتكِ يا خالةَ أمينة"، قالتْ فاطمةُ بصوتٍ ناعم، "ونسألُ اللهَ أنْ يُوفقَ عبدُ الرحمنْ."
في تلكَ اللحظة، انفتحَ بابُ القاعةِ ودخلَ عبدُ الرحمنْ. كانَ يرتدي ثوبًا أزرقَ داكنًا، عمامتهُ البيضاءُ تضفي عليهِ هالةً منَ الوقار. توقفتِ الأحاديثُ فورًا، ونظرتْ جميعُ العيونِ إليه. شعرَ بثقلِ النظراتِ، ولكنهُ حافظَ على رباطةِ جأشِهِ.
"السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاته"، قالَ بصوتٍ عميقٍ وهادئ. "وعليكم السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاته"، ردَّتِ الجميعُ في صوتٍ واحد.
اقتربَ عبدُ الرحمنْ منْ والدتِهِ، وقبَّلَ يدها ورأسها. "كيفَ حالُكِ يا أمي؟" "بخيرٍ يا بني، الحمدُ لله. تفضلْ، اجلسْ."
جلسَ عبدُ الرحمنْ على الكرسيِّ المُعدِّ لهُ بجانبِ والدتِهِ. كانتْ عيناهُ تتفحصُ الفتياتِ الثلاثَ بنظرةٍ سريعةٍ، ثمَّ استقرَّتْ على الأرض. لمْ تكنْ لديهِ رغبةٌ في إحراطهنَّ، ولا في إثارةِ مشاعرِهنَّ. هدفهُ كانَ واضحًا: إيجادُ شريكةِ حياةٍ تُعينهُ على طاعةِ الله، وتُعيدُ البسمةَ إلى حياتِهِ.
"ها هنَّ يا عبدُ الرحمنْ"، قالتْ أمينةُ، "أخترتُ لهنَّ بعدَ مشورةٍ. هؤلاءِ هنَّ فاطمة، سارة، ومريم. كلهنَّ بناتُ خيرٍ وفضل." "أهلًا وسهلًا بهنَّ جميعًا"، أجابَ عبدُ الرحمنْ، "أسألُ اللهَ أنْ يُعيننا جميعًا."
بدأتْ أمينةُ تطرحُ الأسئلةَ على الفتيات. أسئلةٌ عنْ حياتهنَّ، عنْ طموحاتهنَّ، عنْ فهمهنَّ لدورِ المرأةِ المسلمةِ في الحياةِ الزوجيَّة. كانتْ الإجاباتُ تُظهرُ مدى تديُّنِهنَّ وعقلانيتِهنَّ.
فاطمةُ كانتْ تتحدثُ ببساطةٍ ورقة، تُظهرُ اهتمامًا بالعباداتِ والأعمالِ الصالحة. سارةُ كانتْ تبدو أكثرَ واقعية، تتحدثُ عنْ أهميَّةِ بناءِ أسرةٍ مُترابطةٍ، وعنْ تربيةِ الأبناء. مريمُ كانتْ تُبدي آراءً أكثرَ عمقًا، تتحدثُ عنْ أهميَّةِ العلمِ والمعرفةِ للمرأة، وعنْ دورِها في المجتمعِ منْ منظورٍ إسلاميٍّ صحيح.
كانَ عبدُ الرحمنْ يستمعُ بصمتٍ، يحاولُ أنْ يشعرَ بشيءٍ ما. أنْ يشعرَ بنبضةِ قلبٍ، بنداءٍ خفيٍّ يُرشِدُهُ. ولكنهُ لمْ يشعرْ بشيءٍ. كانَ يدركُ أنَّ الاختيارَ صعبٌ، وأنَّهُ لا ينبغي أنْ يتسرع.
بعدَ فترةٍ منَ الحديثِ، ابتسمتْ أمينةُ وقالتْ: "والآن، حانَ الوقتُ ليتحدثَ عبدُ الرحمنْ. سأتركُ لكُنَّ بعضَ الوقتِ ليتعرفَ بعضُكنَّ على بعضٍ في جوٍّ هادئ." نهضتْ أمينةُ، وتبعها باقي أفرادِ العائلةِ الذينَ كانوا حاضرين، تاركينَ عبدُ الرحمنْ معَ الفتياتِ الثلاث.
شعرَ عبدُ الرحمنْ بالتوترِ يُساوره. لمْ يكنْ معتادًا على هذهِ المواقف. كانَ يفضلُ أنْ يتحدثَ في أمورٍ عادية، لا في أمورٍ تتعلَّقُ بمستقبلِ حياتِهِ. "تفضلنَ"، قالَ عبدُ الرحمنْ، "هلْ توددنَ شربَ شيءٍ؟ قهوةٌ، شاي؟" "لا شكرًا لكَ يا سيدي"، قالتْ فاطمةُ بخجل. "نحنُ بخيرٍ"، أضافتْ سارةُ بابتسامة.
بدأَ عبدُ الرحمنْ يتحدثُ عنْ عملِهِ، عنْ مسؤولياتِهِ، وعنْ اهتماماتِهِ. حاولَ أنْ يجعلَ الجوَّ طبيعيًّا قدرَ الإمكان. كانَ يتحدثُ بصدقٍ، عنْ قناعاتِهِ، وعنْ رؤيتِهِ للحياة.
"كما تعلمنَ، فقدْ مررتُ بظروفٍ صعبةٍ في حياتي. فقدتُ منْ أحببتُ، وهذا جعلني أُفكِّرُ كثيرًا في معنى الحياةِ، وفي قيمةِ الأُسرة." كانَ يتحدثُ بحذر، لا يريدُ أنْ يُثيرَ الشفقةَ، بلْ أنْ يُبيِّنَ جانِبًا منْ شخصيتِهِ.
"أنا أبحثُ عنْ شريكةِ حياةٍ تُعينني على طاعةِ اللهِ ورسولِهِ، تُعينني على بناءِ أسرةٍ صالحةٍ، وتُشاركني في تحملِ مسؤولياتِ الحياة. الأهمُّ عندي هوَ الدينُ والخُلُق. أما الباقي، فباللهِ تُعين."
نظرتْ إليهِ الفتياتُ بانتباه. كانَ صوتهُ يحملُ صدقًا، وعيناهُ تحملانِ عمقًا. شعرتْ فاطمةُ بشيءٍ منَ الألفةِ تجاههُ. كانَ رجلاً يتحدثُ عنِ اللهِ وعنِ الأخلاق، وهذا ما كانتْ تبحثُ عنه. سارةُ لاحظتْ أنَّهُ رجلٌ يحملُ ثقلًا، ولكنهُ يسعى للأمام. كانَ يبدو مستقرًا، وذو مسؤولية. مريمُ لاحظتْ حكمةً في كلامِهِ، ورغبةً في بناءِ مستقبلٍ قائمٍ على أسسٍ صلبة.
"يا سيدي عبدُ الرحمنْ"، قالتْ مريمُ بهدوء، "الزواجُ مسؤوليةٌ عظيمة، وأنَّ اختيارَ الشريكِ هوَ أهمُّ قرارٍ في حياةِ المرء. ما هيَ الصفاتُ التي ترجوها في شريكةِ حياتِكَ، بعيدًا عنِ الدينِ والخُلُق؟"
سألَ عبدُ الرحمنْ نفسَهُ السؤال. ماذا يريدُ حقًا؟ "أريدُها أنْ تكونَ عونًا لي في ديني ودنياي. أنْ تكونَ صبورةً، وأنْ تُحسنَ تربيةَ أولادنا. وأنْ تكونَ ذاتَ رأيٍ سديدٍ، وأنْ تُشاورني في أمورِ البيت. أريدُها أنْ تكونَ صديقةً لي، قبلَ أنْ تكونَ زوجة." كانَ يتحدثُ عنِ الحلالِ، عنِ العلاقةِ الزوجيةِ المبنيةِ على المودةِ والرحمةِ، كما أمرَ الله.
"وهلْ هناكَ صفاتٌ في المرأةِ تُزعجكَ؟" سألتْ سارةُ بجرأةٍ لطيفة. تردَّدَ عبدُ الرحمنْ لبرهة. لمْ يكنْ يريدُ أنْ يُعطيَ انطباعًا سلبيًّا. "لا أُحبُّ التبذيرَ والإسراف. ولا أُحبُّ اللجاجةَ والجدالَ غيرَ المُبرَّر. وأُقدِّرُ منْ تُحسنُ إدارةَ بيتها، وتُحافظُ على أسرارِ زوجها."
نظرتْ إليهِ فاطمةُ. شعرتْ بأنَّها تفهمُهُ. كانتْ تُقدِّرُ البساطةَ، وتُؤمنُ بأهميَّةِ إدارةِ البيتِ بحكمة. سارةُ ابتسمتْ. كانتْ تدركُ أنَّ لديهِ معاييرَ، ولكنهُ معاييرٌ منطقية. مريمُ كانتْ تُراقبُ ردودَ أفعالِهنَّ. كلُّ واحدةٍ منهنَّ كانَ لها ردُّ فعلٍ مختلف.
"شكرًا لكَ يا سيدي عبدُ الرحمنْ على صراحتِكَ"، قالتْ مريمُ. "نحنُ نقدرُ ذلكَ حقًا." "الشكرُ لكمْ على حسنِ استماعِكُنَّ"، أجابَ عبدُ الرحمنْ.
في تلكَ اللحظة، انفتحَ البابُ مرةً أخرى، ودخلتْ والدتُهُ أمينة. "كيفَ كانَ لقاؤُكُنَّ؟" سألتْ بلهفة. "الحمدُ لله، كانَ لقاءً طيبًا"، قالتْ مريمُ.
"لقدْ أعددنا وليمةَ غداءٍ فاخرة"، قالتْ أمينةُ، "ثمَّ بعدَ ذلكَ، سنُكملُ الحديثَ في جوٍّ عائليٍّ أكبر. أرجو أنْ يُساعدَكنَّ هذا الوقتُ على اتخاذِ قرارٍ مُناسبٍ لكنَّ."
خرجَ عبدُ الرحمنْ منْ القاعةِ، وشعرَ بأنَّهُ قدْ ألقى حملًا ثقيلًا. لمْ يشعرْ بنبضةِ قلبٍ قويةٍ لأيِّ واحدةٍ منهنَّ. ولكنَّهُ كانَ يأملُ أنْ يكونَ قدْ أظهرَ لهنَّ منْ هوَ عليهِ بصدقٍ وأمانة. كانَ يعرفُ أنَّ هذهِ البدايةُ ليستْ سهلة، وأنَّ الطريقَ لا يزالُ طويلاً. ولكنَّهُ كانَ مُصممًا على إعطاءِ نفسِهِ فرصةً جديدةٍ للسعادة.