الزوجة الصالحة
بصيصُ أملٍ في عينيها
بقلم ليلى الأحمد
تواصلَ اللقاءُ في قاعةِ الطعامِ الكبرى، حيثُ اجتمعَ شملُ العائلةِ بأكملِها. السيدةُ أمينة، وجلالَتهُ، وبعضُ عمَّاتِ عبدِ الرحمنْ وبناتِهنَّ. الأجواءُ كانتْ مُفعمةً بالترحابِ واللطف، لكنَّ الفتياتِ الثلاثَ كنَّ لا يزلنَ يشعرنَ ببعضِ التوتر.
كانَ الغداءُ شهيًّا، يضمُّ أصنافًا متنوعةً منَ المطبخِ العربيِّ الأصيل. اللحمُ المطهوُّ ببطءٍ، الأرزُّ العطريُّ، والسلطاتُ الطازجة. كانَ حديثُ العائلةِ يدورُ حولَ أمورٍ عامة، عنْ أخبارِ المدينةِ، وعنْ أحوالِ الناس. كانَ الهدفُ واضحًا: جعلُ الفتياتِ يشعرنَ بالراحةِ والاندماج.
خلالَ الغداء، كانَ عبدُ الرحمنْ يُراقبُ الفتياتِ عنْ كثب. كانتْ فاطمةُ تتحدثُ بهدوءٍ معَ إحدى بناتِ عمَّاتِهِ عنْ حفظِ القرآن. وسارةُ كانتْ تُبدي حماسًا وهيَ تتحدثُ عنْ مبادراتٍ اجتماعيَّةٍ في قريتها. أما مريمُ، فكانتْ تُناقشُ أحدَ أعمامِ عبدِ الرحمنْ في مسألةٍ فقهيَّةٍ مُعقدة.
بدأتْ نظرةُ عبدُ الرحمنْ تستقرُّ على فاطمة. كانَ هناكَ شيءٌ في هدوئِها، في طريقةِ حديثِها، يُشبهُ شيئًا قديمًا. لمْ يستطعْ أنْ يُحدِّدَ ما هوَ بالضبط، لكنَّهُ شعرَ بجاذبيَّةٍ خفيَّة. هلْ هوَ براءةٌ؟ أمْ تواضع؟ أمْ قناعةٌ؟
في لحظةٍ معينة، رفعتْ فاطمةُ عينيها، والتقى بصرُها ببصرِ عبدُ الرحمنْ. كانَ ذلكَ لقاءَ بصرٍ سريعًا، لكنَّهُ كانَ كافيًا. شعرَ عبدُ الرحمنْ بأنَّ هناكَ شرارةً صغيرةً قدْ اشتعلتْ. في عينيْ فاطمة، رأى شيئًا لمْ يرهُ في عينيْ سارةَ أوْ مريم. رأى عمقًا، ورأى سكينة، ورأى حنينًا غامضًا.
"ما رأيُكِ يا فاطمةُ في العملِ الخيريِّ؟" سألَها عبدُ الرحمنْ فجأة، بصوتٍ أعلى قليلًا ممَّا اعتادَ عليه. فوجئتْ فاطمةُ بالسؤالِ المباشر، ولكنَّها أجابتْ بثقةٍ وهدوء: "هو عملٌ عظيمٌ يا سيدي. فيهِ نفعٌ للمجتمعِ، وقربٌ منَ الله. ولكنَّ الأهمَّ هوَ الإخلاصُ فيه، وأنْ يكونَ ابتغاءَ وجهِ اللهِ وحده."
كانَ جوابُها بسيطًا، ولكنهُ يحملُ معنًى عميقًا. أعجبتْ عبدُ الرحمنْ صراحتُها، وقناعتُها. "وهلْ كنتِ تُمارسينَ شيئًا منْ ذلكَ؟" سألَها مرةً أخرى. "نعم، كنتُ أُساعدُ في بعضِ الأنشطةِ في مسجِدِنا. توزيعِ الصدقاتِ، وزيارةِ المرضى."
كانَ عبدُ الرحمنْ يستمعُ بانتباهٍ شديد. كلُّ كلمةٍ تقولُها فاطمةُ كانتْ تُعمِّقُ انطباعَهُ الإيجابيَّ عنها. كانتْ مختلفةً عنْ فتياتِ عصرِها. كانتْ تحملُ قيَمًا أصيلة، ورغبةً صادقةً في فعلِ الخير.
السيدةُ أمينة، بذكائِها الفطريِّ، لاحظتْ هذا التفاعلَ الخاصَّ بينَ ابنِها وفاطمة. ابتسمتْ في سِرِّها. كانتْ ترى في فاطمةَ الصفاتِ التي تتمناها لابنِها. هدوءُها، تدينُها، وتواضعُها.
بعدَ الغداء، دعتهنَّ السيدةُ أمينةُ إلى صالةِ الجلوسِ الداخلية، حيثُ كانَ الشايُ والحلوياتُ مُعدَّة. "يا فتياتي العزيزات"، قالتْ أمينةُ، "أتمنى أنْ تكونوا قدْ ارتحتُنَّ. أودُّ أنْ أعرفَ رأيَكُنَّ بصراحةٍ. هلْ ترينَ أنَّ عبدُ الرحمنْ هوَ الرجلُ الذي يُناسبُكُنَّ؟"
صمتتْ الفتياتُ لبرهة. كانتْ لحظةُ الحقيقة. قالتْ سارةُ أولًا: "يا خالةَ أمينة، عبدُ الرحمنْ رجلٌ فاضل، ولكنَّني أشعرُ أنَّنا مختلفانِ في بعضِ الأمور. أنا أُحبُّ الحياةَ المرحةَ، وأُحبُّ الاختلاطَ الاجتماعيَّ. أخشى أنْ لا أستطيعَ التكيُّفَ معَ طبيعةِ حياتِهِ."
ابتسمتْ أمينةُ. "شكرًا لصراحتِكِ يا ابنتي. هذا يُسعدني. فالحياةُ شراكةٌ، والصدقُ هوَ أساسُها."
ثمَّ قالتْ مريمُ: "يا خالةَ أمينة، عبدُ الرحمنْ رجلٌ حكيمٌ، ويُثيرُ الإعجاب. ولكنَّني أشعرُ أنَّنا لا نتشاركُ الكثيرَ منَ الاهتمامات. أنا أُحبُّ النقاشَ الفكريَّ، وأُحبُّ القضايا المُعقدة. أخشى أنْ تكونَ حياتُنا هادئةً جدًّا بالنسبةِ لي."
"شكرًا لكِ يا ابنتي أيضًا"، قالتْ أمينةُ. "أنا أُقدِّرُ صراحتَكِ."
ثمَّ حانَ دورُ فاطمة. نظرتْ إلى أمينةَ، ثمَّ إلى عبدِ الرحمنْ الذي كانَ يستمعُ بصمتٍ. "يا خالةَ أمينة"، قالتْ بصوتٍ خفيضٍ، "عبدُ الرحمنْ رجلٌ نبيلٌ، ويُشعرُني بالأمان. ولكنَّني أشعرُ بأنَّهُ يحملُ شيئًا منَ الحزنِ في قلبِهِ. وأنا لا أعرفُ إنْ كنتُ أستطيعُ أنْ أُسعِدَ رجلًا حزينًا."
كانَ هذا الاعترافُ صادقًا. عبدُ الرحمنْ شعرَ بأنَّهُ قدْ لمسَ قلبَها. لمْ يُحاولْ أنْ يُخفيَ حزنَهُ، بلْ أظهرهُ بطريقةٍ طبيعية.
"يا ابنتي فاطمة"، قالَ عبدُ الرحمنْ بصوتٍ عميقٍ، "كلُّ إنسانٍ لهُ ماضٍ، ولهُ تجاربُ تُشكِّلُهُ. قدْ أكونُ أحملُ بعضَ الحزن، ولكنَّني أسعى دائمًا لأنْ أكونَ أفضل. أسعى لأنْ أجدَ السعادةَ، وأنْ أُشاركها معَ منْ تُسعدُني."
نظرتْ إليهِ فاطمةُ مرةً أخرى. رأتْ في عينيهِ صدقًا، ورأتْ أملًا. لمْ ترَ مجرَّدَ رجلٍ حزين، بلْ رأتْ رجلًا يُحاولُ أنْ يتجاوزَ ألمَهُ، وأنْ يبنيَ مستقبلًا. "إذا كانَ الأمرُ كذلكَ يا سيدي"، قالتْ فاطمةُ، "فأنا أُحبُّ أنْ أكونَ جزءًا منْ هذا المستقبل. أُحبُّ أنْ أحاولَ جاهدةً لأُسعِدَكَ."
كانَ كلامُها هذا كبلسمٍ على قلبِ عبدِ الرحمنْ. شعرَ بشيءٍ ينمو في صدرِهِ، شيءٌ لمْ يشعرْ بهِ منذُ زمن. كانَ خوفًا، ولكنهُ كانَ خوفًا مُمتزجًا بالأمل. السيدةُ أمينةُ، وقدْ رأتْ هذهِ اللحظةَ الفارقة، ابتسمتْ ابتسامةً واسعة. "الحمدُ للهِ ربِّ العالمين"، قالتْ، "يبدو أنَّ اللهَ قدْ أرادَ لنا الخير."
لمْ يكنِ الأمرُ قرارًا نهائيًّا بالطبع. كانَ لا يزالُ هناكَ وقتٌ للتعارفِ بينَ العائلتين، وربما بينَ عبدِ الرحمنْ وفاطمةَ تحديدًا. ولكنَّ بذرةَ الأملِ قدْ زُرعتْ.
"يا فاطمة"، قالَ عبدُ الرحمنْ، "هلْ تسمحينَ لي بأنْ نتحدثَ أكثرَ في وقتٍ لاحق؟ ربما في جلسةٍ خاصة؟" "نعم، يا سيدي"، أجابتْ فاطمةُ بخجل، "بإذنِ الله."
كانَ خروجُ الفتياتِ الثلاثِ منْ بيتِ عبدِ الرحمنْ مختلفًا عنْ مجيئهنَّ. كانَ هناكَ شعورٌ بالارتياحِ لدى سارةَ ومريم، وشعورٌ بالأملِ والترقُّبِ لدى فاطمة. أما عبدُ الرحمنْ، فقدْ شعرَ بأنَّهُ قدْ خطى خطوةً كبيرة. خطوةً نحو الحياة، نحو الحبِّ الذي كادَ أنْ ينساه. الليلةَ، ولأولِ مرةٍ منذُ سنواتٍ طويلة، استطاعَ عبدُ الرحمنْ أنْ ينامَ قريرَ العين. كانَ يحلمُ بابتسامةٍ هادئة، وبنورٍ خافتٍ يُضيءُ ظلامَ قلبِهِ.