الزوجة الصالحة

إدمانٌ مستترٌ بعباءةِ الأمل

بقلم ليلى الأحمد

جلستْ "ليلى" تتأملُ انعكاسَ وجهها في مرآةِ غرفةِ الضيوفِ المعتمةِ، ترتدي ثوبَها البيجَ الذي اختارتْه بعنايةٍ لليلةِ الخطبةِ الرسميةِ. لم يكنْ في قلبِها سوى مزيجٍ منَ الرجاءِ والقلقِ. كانَ "فهد"رجلاً صالحاً، طيبَ القلبِ، وذا أخلاقٍ رفيعةٍ، كما شهدَ الجميعُ. لكنَّ شيئاً ما كانَ يثقلُ صدرَها، ذكرى الأيامِ الماضيةِ، والظلالِ التي طاردتْ أحلامَها.

كانتْ "ليلى" قدْ عرفتْ "فهد" في حفلِ زفافٍ لأحدِ الأقاربِ، وتبادلا نظراتٍ سريعةً، ثمَّ أُعجبتْ بابتسامتِهِ الهادئةِ ووقارِهِ. تقدمَ لخطبتِها بعدَ لقاءٍ واحدٍ، بطلبٍ منْ والدتِهِ التي سمعتْ عنْ أخلاقِها وجمالِها. كانتْ هذهِ فرصةً ثمينةً، فرصةً للخروجِ منْ دوامةِ الوحدةِ والانتظارِ، وربما لاستعادةِ شيءٍ منْ بريقِ الحياةِ التي بدأتْ تخفتُ.

لكنَّ "فهد" لمْ يكنْ يعرفْ كلَّ شيءٍ. كانَ في حياتِها سرٌّ، جرحٌ قديمٌ لمْ يندملْ بالكاملِ. كانتْ قدْ أحبتْ شاباً قبلَ سنواتٍ، شاباً جامحاً، مليئاً بالحياةِ، لكنَّهُ كانَ أيضاً ضائعاً. كانَ إدمانُهُ للمخدراتِ قدْ دمرَ حياتَهُما، وأثقلَ روحَها بالهمومِ. تخلتْ عنهُ في النهايةِ، لكنَّ الفراقَ كانَ مؤلماً، تركَ فيها ندوباً عميقةً.

"هلْ أنا ظالمةٌ بحقِ "فهد"؟" تساءلتْ في نفسِها، وقدْ استقرَّ قلبُها لبعضِ الوقتِ، مستشعرةً دفءَ الأملِ الذي بدأَ يتسللُ إلى روحِها. كانَ "فهد" يمثلُ الأمانَ، الاستقرارَ، الزواجَ المباركَ الذي ترجوهُ كلُّ فتاةٍ مسلمةٍ. لكنَّ شبحَ الماضي كانَ يلوحُ في الأفقِ، يهمسُ لها بكلماتِ الشكِ والريبةِ.

في هذهِ الأثناءِ، كانَ "فهد" يستقبلُ ضيوفَهُ في صالونِ منزلِهِ الفخمِ. كانَ يشعرُ ببعضِ التوترِ، لكنَّهُ كانَ أيضاً متفائلاً. كانتْ "ليلى" فتاةً جميلةً، أخلاقَها كريمةٌ، وعائلتُها مرموقةٌ. كانَ والدُهُ قدْ اختارَها لهُ، بعدَ بحثٍ طويلٍ، وكانَ "فهد" يثقُ بذوقِ والدتِهِ وحكمتِها.

"أهلاً بكَ يا عمي،" قالَ "أحمد"، والدُ "ليلى"، وهو يعانقُ والدَ "فهد". "أتمنى أنْ تكونَ "ليلى" عندَ حسنِ ظنِكم." "إنَّها ابنةُ رجلٍ صالحٍ،" أجابَ والدُ "فهد" بابتسامةٍ. "ونحنُ نثقُ بذوقِكُم."

كانَ "فهد" يراقبُ "ليلى" منْ بعيدٍ. رأى جمالَها الهادئَ، وخجلَها الظاهرَ. وجدَ فيها كلَّ ما كانَ يتمناهُ في شريكةِ حياتِهِ. لكنَّهُ لمْ يكنْ يدركَ الثقلَ الذي كانتْ "ليلى" تحملهُ في قلبِها.

في غرفةِ "ليلى"، كانتْ والدتُها "أميرة" تساعدُها في ترتيبِ حجابِها. "تبدينَ كالقمرِ يا ابنتي،" قالتْ "أميرة" وعيناها تلمعانِ بالفخرِ. "أتمنى لكِ كلَّ السعادةِ." "شكراً يا أمي،" أجابتْ "ليلى" بصوتٍ خفيضٍ. "لكنَّني أشعرُ ببعضِ القلقِ." "القلقُ طبيعيٌ في هذهِ اللحظةِ،" قالتْ "أميرة" وهي تمسكُ بيدِ ابنتِها. "لكنَّ "فهد" رجلٌ طيبٌ، وسيُسعدُكِ بإذنِ اللهِ."

كانتْ "أميرة" تعلمُ قليلاً عنْ ماضي ابنتِها، لكنَّها لمْ تكنْ تعرفُ عمقَ الجرحِ. كانتْ ترجو أنْ يكونَ "فهد" هوَ الدواءَ، وأنْ تمسحَ يداهُ على جروحِ "ليلى" العميقةِ.

مرَّتِ الساعاتُ بسرعةٍ. تبادلتْ العائلتانِ الحديثَ، وتمَّ الاتفاقُ على تفاصيلِ الزواجِ. كانتْ "ليلى" تجيبُ بذكاءٍ وهدوءٍ، لكنَّ قلبَها كانَ يشعرُ بخفقاتِ التوترِ. كانتْ تتجنبُ النظرَ مباشرةً إلى "فهد"، خشيةً أنْ تراهُ في عينيهِ ما لا تتمنى.

بعدَ انتهاءِ اللقاءِ الرسميِّ، وقبلَ أنْ يغادرَ ضيوفُ "فهد"، طلبَ "فهد" منْ "ليلى" أنْ تُريكَ حديقةَ المنزلِ. وافقتْ "ليلى" على مضضٍ. سارا جنباً إلى جنبٍ في الممشى المرصوفِ بالأحجارِ، تحتَ نورِ القمرِ الخافتِ. "أشعرُ أنَّنا نعرفُ بعضَنا منذُ زمنٍ طويلٍ،" قالَ "فهد" بنبرةٍ صادقةٍ. "نعم،" أجابتْ "ليلى" بصوتٍ ضعيفٍ. "ربما." "ماذا تشعرينَ يا "ليلى"؟" سألَ "فهد" بنبرةٍ هادئةٍ، وقدْ لمحَ ظلَّ القلقِ في عينَيها.

سادَ صمتٌ طويلٌ. كانتْ "ليلى" تفكرُ فيما ستقولُ. هلْ تخبرهُ بالحقيقةِ؟ هلْ تُلقي بعبءِ ماضيها على كاهلِهِ قبلَ أنْ يبدأَ زواجُهما؟ هلْ تضعُ حداً لكلِّ هذا الأملِ ببساطةٍ؟

"أنا... أشعرُ ببعضِ الارتباكِ،" قالتْ "ليلى" أخيراً، بعدَ أنْ قررتْ أنْ تُخفي الأمرَ قليلاً، وأنْ تُعطي نفسَها و"فهد" فرصةً. "إنَّها مسؤوليةٌ كبيرةٌ." "أتفهمُ ذلكَ،" قالَ "فهد" بابتسامةٍ دافئةٍ. "ولكنَّ اللهَ معنا. وسأكونُ بجانبِكِ."

نظرتْ "ليلى" إلى عينَي "فهد". رأتْ فيهما صدقاً ونقاءً لمْ ترَ مثلَهُما منْ قبلُ. هلْ يمكنُ لهذا الرجلِ أنْ يمحوَ ظلالَ الماضي؟ هلْ يمكنُ لحبِّهِ أنْ يشفي جراحَها؟

"هلْ أنتَ متأكدٌ مني يا "فهد"؟" سألتْ "ليلى" بجرأةٍ، لمْ تتوقعْ أنْ تتحدثَ بهذا الشكلِ. "بلْ أنتِ مَنْ سأكونُ متأكداً منْها،" أجابَ "فهد" بابتسامةٍ أوسعَ. "أنا واثقٌ منْ أنَّ اللهَ اختاركِ لي."

كانتْ كلماتُهُ كبلسمٍ على جروحِها، لكنَّ الشكَّ ظلَّ يراودُها. لقدْ جربتْ الحبَّ منْ قبلُ، وانتهى بها المطافُ في بئرٍ منَ اليأسِ. هلْ هيَ مدمنةٌ على البحثِ عنِ الحبِّ، وإنْ كانَ سبباً في ألمِها؟ أمْ أنَّ هذا هوَ الحبُّ الحقيقيُّ الذي لمْ تستطعْ رؤيتَهُ منْ قبلُ؟

عادَ "فهد" ليودعَ عائلتَها، تاركاً "ليلى" في الحديقةِ، وسطَ صمتِ الليلِ. كانتْ تفكرُ في كلِّ ما حدثَ، في كلِّ ما قيلَ. هلْ هيَ مستعدةٌ لمواجهةِ هذا المصيرِ؟ هلْ ستكونُ "الزوجةُ الصالحةُ" التي يتمناها "فهد"؟

ارتفعتْ نسمةٌ عليلةٌ، حملتْ معها رائحةَ الياسمينِ. أغمضتْ "ليلى" عينيها، واستنشقتِ الهواءَ. كانَ الأمرُ أشبهَ برهانٍ، رهانٍ على مستقبلِها، رهانٍ على قدرتها على نسيانِ الماضي، وبناءِ بيتٍ جديدٍ مباركٍ. لكنَّ هذا الرهانَ كانَ يخفي خلفَهُ شيئاً أعمقَ، شيئاً لمْ تدركْه بعدُ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%