الزوجة الصالحة

ظلالٌ الماضي وحنينٌ إلى الأمان

بقلم ليلى الأحمد

بعدَ أسابيعَ قليلةٍ، كانتْ "ليلى" تعيشُ في منزلِ "فهد" الجديدِ. كانَ المنزلُ واسعاً، نظيفاً، ومليئاً بالحبِّ والتقديرِ. "فهد" كانَ زوجاً مثالياً، صبوراً، رحيماً، ومُحباً. كانَ يتعاملُ معَ "ليلى" بلطفٍ شديدٍ، ويُظهرُ لها اهتماماً بالغاً. لمْ يكنْ يفتقرُ لشيءٍ، لا منَ المالِ، ولا منَ الاحترامِ.

لكنَّ "ليلى" كانتْ ما تزالُ تشعرُ بثقلِ الماضي. كانتْ تتذكرُ أيامَها معَ "كريم"، الشابِّ الذي أحبتهُ بتهورٍ، وأحبها هوَ أيضاً، لكنَّ إدمانَهُ كانَ كالسيفِ الذي بترَ كلَّ خيوطِ الأملِ. كانتْ تتذكرُ لياليَ سهرِهِ، ومشاجراتِهما، وعينيهِ اللتينِ كانتا تلمعانِ بالدموعِ أحياناً، وبالجنونِ أحياناً أخرى. كانَ "كريم" كالنارِ، يُشعلُ الحياةَ، ولكنهُ أيضاً يحرقُ كلَّ شيءٍ.

"لماذا لمْ أستطعْ نسيانَهُ؟" تساءلتْ "ليلى" وهيَ تتأملُ وجهَ "فهد" النائمِ. كانَ "فهد" كالنورِ، هادئاً، موثوقاً، ومُريحاً. كانتْ تشعرُ معَهُ بالأمانِ الذي لمْ تشعرْ بهِ منْ قبلُ. لكنَّها في نفسِ الوقتِ، كانتْ تشتاقُ إلى تلكَ الشرارةِ، إلى تلكَ الحياةِ الجامحةِ التي عاشتْها معَ "كريم". هلْ كانتْ مدمنةً على هذا الشعورِ المتقلبِ؟ هلْ كانتْ تبحثُ عنِ المخاطرةِ حتى وهيَ تعيشُ حياةً مستقرةً؟

كانَ "فهد" رجلاً مؤمناً، يحرصُ على صلاتِهِ، ويُحبُّ قراءةَ القرآنِ. كانَ يُشجعُ "ليلى" على العبادةِ، ويُساعدُها في أمورِ دينِها. كانتْ "ليلى" تُقدرُ فيهِ هذهِ الصفاتِ، لكنَّ قلبَها كانَ ما يزالُ يتوقُ إلى عالمٍ آخرَ، عالمٍ قدْ لا يكونُ مباركاً، ولكنهُ كانَ يشعُّ بالحياةِ.

في أحدِ الأيامِ، تلقتْ "ليلى" مكالمةً هاتفيةً. كانَ الصوتُ المتحدثُ مألوفاً، ولكنهُ كانَ مصحوباً ببعضِ الرعشةِ. "ليلى؟" قالَ الصوتُ. "منْ أنتَ؟" سألتْ "ليلى" بارتيابٍ. "أنا... أنا "كريم"." شهقتْ "ليلى" بذعرٍ. لمْ تسمعْ صوتَ "كريم" منذُ سنواتٍ. كانَ آخرُ لقاءٍ بينَهُما في المستشفى، قبلَ أنْ يختفي منْ حياتِها.

"كيفَ عرفتَ رقمي؟" سألتْ "ليلى" بصوتٍ متهدجٍ. "لا يهمُ كيفَ،" أجابَ "كريم" بصوتٍ متعبٍ. "المهمُّ أنَّني أريدُ أنْ أراكِ. لديَّ أمرٌ مهمٌ أريدُ أنْ أتحدثَ معَكِ فيهِ."

كانَ صوتُ "كريم" يحملُ شيئاً منَ اليأسِ، شيئاً منَ الاستجداءِ. شعرتْ "ليلى" بقلبِها ينقبضُ. لقدْ وعدتْ "فهد" بأنْ تكونَ صادقةً معه، وأنْ لا تُبقي أسراراً. ولكنَّ فكرةَ رؤيةِ "كريم" مجدداً، والخوفِ منْ تأثيرِهِ عليها، جعلتها تتراجعُ.

"لا أستطيعُ يا "كريم"،" قالتْ "ليلى" بحزمٍ مصطنعٍ. "لقدْ تجاوزتُ الماضي." "لكنَّكِ لمْ تتجاوزيهِ،" قالَ "كريم" بنبرةٍ ساخرةٍ. "ما زلتِ تتذكرينَني، أليسَ كذلك؟"

شعرتْ "ليلى" بالغضبِ. كيفَ يجرؤُ "كريم" على التحدثِ بهذهِ الطريقةِ؟ أليسَ هوَ مَنْ دمرَ حياتَها؟ "لا،" قالتْ "ليلى" بشدةٍ. "لقدْ نسيتُكَ. وحياتي الآنَ سعيدةٌ ومستقرةٌ." "هلْ أنتِ سعيدةٌ حقاً؟" سألَ "كريم" بنبرةٍ هادئةٍ. "أمْ أنَّكِ تختبئينَ وراءَ هذا الزواجِ؟"

صمتتْ "ليلى" للحظةٍ. هلْ كانَ "كريم" على حقٍ؟ هلْ كانتْ سعادتُها معَ "فهد" مجردَ قناعٍ؟ "لا أريدُ التحدثَ معك،" قالتْ "ليلى" وأنهتِ المكالمةَ.

جلستْ "ليلى" على الأريكةِ، تشعرُ بالبردِ يخترقُ عظامَها، رغمَ دفءِ الغرفةِ. كانَ صوتُ "كريم" قدْ أيقظَ في قلبِها شيئاً كانتْ تحاولُ إخمادَهُ. كانَ إدمانُها على "كريم" ليسَ مجردَ حبٍ، بلْ كانَ تعلقاً مدمناً، تعلقاً بالخطرِ، تعلقاً بالجنونِ.

"ماذا أفعلُ؟" تساءلتْ في نفسِها. هلْ يجبُ عليها أنْ تخبرَ "فهد"؟ هلْ ستفهمُ طبيعةَ هذا الإدمانِ؟ هلْ ستُصدقُ أنَّها تريدُ أنْ تكونَ لهُ الزوجةَ الصالحةَ، ولكنَّ هذا التعلقَ القديمَ ما يزالُ يُربكُها؟

كانتْ "ليلى" تدركُ أنَّ "كريم" قدْ يكونُ ورطةً. ولكنَّ فكرةَ مواجهتهِ، والتأكدِ منْ أنَّهُ لنْ يُفسدَ حياتَها، كانتْ تُثيرُ فيها شيئاً منَ الاهتمامِ. لقدْ كانتْ دائماً تنجذبُ إلى الأشخاصِ الذينَ يحملونَ قصصاً غامضةً، أوْ يمرونَ بتحدياتٍ صعبةٍ. هلْ كانَ هذا جزءاً منْ شخصيتِها؟ هلْ كانتْ مدمنةً على البحثِ عنِ المشاكلِ؟

"لا،" همستْ لنفسِها. "أنا لستُ كذلكَ. أنا أريدُ الأمانَ، والاستقرارَ. أريدُ أنْ أكونَ زوجةً صالحةً." لكنَّ صوتَ "كريم" ظلَّ يترددُ في أذنيها، يهمسُ لها بكلماتِ الماضي، بوعودِ الحبِّ الجامحِ، وبأحلامٍ لمْ تتحققْ.

في المساءِ، عادَ "فهد" منْ عملِهِ. كانَ مُرهقاً، ولكنهُ كانَ مبتسماً. "مساءُ الخيرِ يا حبيبتي،" قالَ وهوَ يُقبلُ جبينَها. "مساءُ النورِ يا زوجي الغالي،" أجابتْ "ليلى"، محاولةً أنْ تُخفي ارتباكَها.

لاحظَ "فهد" بعضَ التغييرِ في سلوكِ "ليلى". كانتْ شاردةَ الذهنِ، وعيناها تحملانِ بعضَ القلقِ. "هلْ كلُّ شيءٍ على ما يرامِ يا "ليلى"؟" سألَها بلطفٍ. "نعم، كلُّ شيءٍ على ما يرامِ،" كذبتْ "ليلى" بابتسامةٍ باهتةٍ.

كانتْ "ليلى" تقفُ على مفترقِ طرقٍ. أمامَها طريقُ الأمانِ والاستقرارِ معَ "فهد"، وخلفَها ظلالُ الماضي معَ "كريم". هلْ ستستطيعُ أنْ تتغلبَ على هذا الإدمانِ، هذا التعلقَ الغريبَ بـ"كريم"؟ أمْ أنَّها ستُلقي بنفسِها مرةً أخرى في دوامةِ الألمِ؟

شعرتْ "ليلى" بأنَّ هذا الإدمانَ ليسَ مجردَ تعلقٍ بشخصٍ، بلْ هوَ إدمانٌ على ذكرياتِ مرحلةٍ معينةٍ منْ حياتِها، مرحلةٍ كانتْ فيها حرةً، ولكنَّها أيضاً كانتْ خطرةً. هلْ يمكنُ لشخصٍ أنْ يُدمنَ على الخطرِ؟ هلْ يمكنُ لشخصٍ أنْ يُدمنَ على الألمِ؟

نظرتْ "ليلى" إلى "فهد" وهوَ يتناولُ عشاءَهُ. رأتْ فيهِ كلَّ الصفاتِ التي تتمناها. رأتْ فيهِ الأملَ، والأمانَ، والحبَّ الصادقَ. ولكنَّ شبحَ "كريم" ظلَّ يلوحُ في الأفقِ، يهمسُ لها بكلماتٍ قدْ تُغيرُ كلَّ شيءٍ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%