الحب الأول 151
على أعتاب الزمن
بقلم فاطمة النجار
كانت عينا الشابة "ليلى" تتوهجان بريقاً يشبه لمعان النجوم المتلألئة في سماء الصحراء الصافية، وهي تقف على الشرفة المطلة على بستان الزيتون الممتد في فناء منزلهم العتيق. نسمة المساء الباردة حملت معها عبق التراب المبلل بقطرات الندى ورائحة الياسمين المتفتحة، لتداعب خصلات شعرها السوداء المنسدلة على كتفيها. كانت في الثامنة عشرة من عمرها، فتنةٌ تجمع بين رقة الزهور وصلابة جذوع الشجر.
"ليلى!"
جاء الصوت من الداخل، نداءٌ عميقٌ وحنون، صوت والدتها "فاطمة". ارتسمت ابتسامة رقيقة على شفتيها، ثم استدارت لتجيب. لم تكن هذه مجرد ليلة عادية؛ كانت ليلة مفترق الطرق، الليلة التي ستحدد مسار حياتها، تلك الليلة التي سيُطرق بابهم بخطبةٍ طال انتظارها.
كانت "فاطمة" امرأةٌ كريمة، وجهها يحمل أثر السنين بحكمة ووقار، وعيناها الواسعتان تحتجبان وراء حجابٍ أنيق. وقفت في مدخل الصالة، تبدو كملكةٍ تحتضن مملكتها. "اقتربي يا ابنتي، إنهم قادمون."
نظرت "ليلى" إلى أسفل، حيث سيارةٌ فارهةٌ توقفت أمام بوابة البيت، أضواؤها تخترق ظلمة المساء. كان قلبها يدق بعجلة، مزيجٌ من الترقب والقلق، ممزوجٌ بشيءٍ من الغموض لا تستطيع تفسيره. لقد سمعت عن "أحمد"، الشاب الذي سيتقدم لخطبتها، سمعت عنه الكثير من الأقاويل الحسنة، عن خلقه ودينه، عن نجاحه في تجارته، وعن أخلاقه الرفيعة. كان والداه، "السيد علي" و"السيدة زينب"، من جيرانهم القدماء، عائلةٌ مرموقةٌ تحظى بالاحترام في الحي.
"هل أنتِ مستعدة؟" سألت "فاطمة" بابتسامةٍ متكلفة، محاولةً إخفاء توترها الخاص.
أومأت "ليلى" برأسها، ثم مدت يدها لتلمس قلادتها الصغيرة التي تحمل حرف اسمها. تذكرت حين كانت طفلةً تلعب في حديقة جيرانهم، حين رأت "أحمد" لأول مرة. كان شاباً يافعاً، يتجاوزها بسنواتٍ قليلة، يقرأ كتاباً تحت شجرة الزيتون، شعره الأسود منسدلٌ على جبينه، وعيناه تلمعان بالذكاء. التقت نظراتهما للحظة، ثم ابتسم لها ابتسامةً خفيفة، قبل أن يعود إلى عالمه. لم تقابل "أحمد" بعدها إلا في المناسبات العائلية، أو في المسجد، حيث كانت تجلس مع والدتها في قسم النساء. كانت دائماً تشعر بشيءٍ غريبٍ تجاهه، إعجابٌ خفيٌّ، وربما فضولٌ، لكنها كانت تعلم أن هذه المشاعر لا ينبغي لها أن تتجاوز حدود الشرع والحياء.
"تذكري يا ليلى، هذا زواجٌ عن اختيار، عن توافقٍ بين عائلتين، وعن رضىً شرعي. اجتهدي في أن تظهري بأفضل ما لديكِ. أخلاقكِ ودينكِ هما أغلى ما تملكين." قالت "فاطمة" بجدية، ثم شدّت على يد ابنتها.
"أعلم يا أمي." أجابت "ليلى" بصوتٍ هادئ، لكنه لم يخفِ اضطرابها.
سارتا معاً إلى الداخل، حيث استقبلتهما رائحة البخور الفواحة والقهوة العربية المُعدّة بعناية. كان والدها "خالد"، رجلٌ طيبٌ يمتلك ابتسامةً دافئة وقلباً واسعاً، ينتظرهما في صدر المجلس، برفقة "السيد علي" و"السيدة زينب". كان "خالد" يشعر بفرحةٍ غامرة، فابنته "ليلى" هي أغلى ما لديه، وقد حان الوقت لتستقر وتجد من يرعاها ويشاركها حياتها.
"أهلاً بكم، أهلاً بأهل البيت الكرام." قال "السيد علي" بابتسامةٍ مشرقة، وهو يصافح "خالد".
"أهلاً بك يا أبا أحمد، تفضلوا، البيت بيتكم." أجاب "خالد" بحفاوة.
دخلت "ليلى" إلى المجلس، وقلبها يخفق بعنف. رأت "أحمد" واقفاً بجوار والده، شابٌ طويل القامة، يرتدي ثوباً أنيقاً، ووجهه ينم عن وقارٍ وهدوء. كانت عيناه، تلك العيون التي تذكرها جيداً، تلمعان بذكاءٍ وعمق، وتتجهان نحوها بترحيبٍ لطيف. شعرت "ليلى" بالخجل، فخفضت بصرها، ثم جلست بجوار والدتها.
بدأ الحديث يتدفق، أحاديثٌ حول العائلتين، حول الذكريات المشتركة، وحول المستقبل. كان "أحمد" يتحدث بصوتٍ رصين، يجيب على أسئلة والدها بكياسةٍ واحترام، ويبدي اهتماماً حقيقياً بكل كلمة. كانت "ليلى" تستمع بصمت، تراقب حركاته، تستمع إلى نبرة صوته، وتقيّم كل تفصيل. شعرت بأنها أمام شخصٍ مختلف، شخصٌ يحمل ثقلاً ووقاراً يتجاوز عمره.
"والله يا أبا ليلى، إن ابنتكم لؤلؤةٌ في عقدكم. لم نرَ مثلها في أخلاقها ودينها. قد رزقنا الله إياها، ونرجو من الله أن يجمع بين قلبيها على خير." قال "السيد علي" وهو ينظر إلى "خالد" وعيناه مليئتان بالرجاء.
هذه الجملة، "يجمع بين قلبيها"، ارتفعت بها دقات قلب "ليلى". كانت تعلم أن الخطوة الأولى قد اتخذت، وأن باباً جديداً سيُفتح، بابٌ يحمل معه وعوداً وأحلاماً، وربما تحدياتٍ لم تكن تتوقعها.
"بارك الله فيكم يا أبا أحمد. إن ليلى هي فلذة كبدنا، وإنا نثق بكم وبحسن اختياركم." أجاب "خالد" بامتنان.
ثم التفت "أحمد" نحو "ليلى"، وابتسامةٌ خفيفةٌ ارتسمت على شفتيه. "السلام عليكم يا أخت ليلى."
ردت "ليلى" بصوتٍ خافت، "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
كانت هذه اللحظة، لحظة أولى تبادلٍ للنظرات والكلمات المباشرة بينهما، لحظةً تاريخية في حياتها. شعرت بأن هناك خيطاً رفيعاً بدأ ينسج بينهما، خيطٌ من الاحترام والتقدير، ووعدٌ بزواجٍ مبارك.
تحدث "أحمد" قليلاً عن اهتماماته، عن شغفه بالقراءة، وعن أحلامه في توسيع تجارته، وكيف أنه يطمح لبناء أسرةٍ صالحة. كانت كلماته صادقة، تشع منه طاقةٌ إيجابية. لم يكن متكبراً أو متعالياً، بل كان يتحدث ببساطةٍ وتواضع.
"نحن نعلم أن ليلى ما زالت صغيرة، وأنها تحتاج إلى وقتٍ لتعتاد فكرة الزواج. لكننا نثق بأنها ستجد في أحمد الزوج الصالح الذي يرعاها ويسعدها. نحن نريد لها الأفضل، والأفضل هو من يعينها على طاعة الله وعلى حسن تربية أبنائها مستقبلاً." قالت "السيدة زينب" بحنان، وهي تنظر إلى "ليلى" بعينين تفيضان بالحب.
شعرت "ليلى" بالارتياح لحديث "السيدة زينب"، فهو يعكس فهماً ووعياً لطبيعة الفتاة الشابة.
انتهى اللقاء بالاتفاق على الخطبة الرسمية بعد بضعة أسابيع. تبادل الجميع التهاني، وتصافحوا بحرارة. وقفت "ليلى" في مدخل المنزل، تشاهد سيارة "آل أحمد" وهي تغادر، تترك وراءها عطر الورد والبنفسج، ورائحة المستقبل الذي بدأ يتشكل.
عادت إلى غرفتها، وجلست على حافة سريرها. نظرت إلى انعكاسها في المرآة، فتاةٌ جميلةٌ، يرتسم على وجهها مزيجٌ من الدهشة والفرح. لم تتوقع أن تكون هذه الخطوة سلسةً ومباركةً بهذا الشكل. هل حقاً سيكون "أحمد" هو الرجل الذي سيشاركها حياتها؟ هل ستجد في هذا الزواج السعادة والسكينة التي تبحث عنها؟
لم تكن تعرف الإجابة، لكنها شعرت بأن قدراً جميلاً قد بدأ يخط سطوره. إنها على أعتاب الزمن، وعلى بداية رحلةٍ جديدة، رحلةٌ في دروب الحب الحلال، رحلةٌ تبدأ بخطوةٍ مباركة.