الفصل 11 / 25

الحب الأول 151

حديثٌ بين قلبين

بقلم فاطمة النجار

في مساء ذلك اليوم، وبعد أن هدأت ضجة النهار، وبينما كانت السماء تتوشح بأرديتها الأرجوانية، جلست ليلى في غرفتها. كانت قد أمضت النهار في محاولةٍ لترتيب الأفكار المتضاربة التي اجتاحت عقلها. اقتراح الحاج صالح كان مفاجأةً مدوية، وأعاد تشكيل الصورة التي كانت قد بدأت تتضح أمامها.

لم تكن ليلى لتستقبل فكرة الزواج بالرفض المطلق. كانت تعرف أن الزواج قسمةٌ ونصيب، وأن له حكمةً إلهية. ولكن، أن يكون هذا الزواج مرتبطًا بمثل هذه الظروف، وأن يكون الطرف الآخر هو خالد، ابن عمها الذي عرفته منذ نعومة أظفارها… كان الأمر يتطلب منها وقفةً للتأمل.

لقد نشأت ليلى وخالد معًا. كانت تتذكر أيام الطفولة، وكيف كان يلعب معها في حديقة المنزل، ويحميها من أي أذى. كان دائمًا لطيفًا، حنونًا، وصادقًا. لم يكن يعرف الغدر أو الخيانة. كان يمثل لها دومًا صورة الأخ الكبير الذي يمكنها الاعتماد عليه.

لكن هل يمكن أن يتحول هذا الاحترام والأخوّة إلى حبٍّ زوجي؟ هل يمكن أن تجد فيه شريك حياتها الذي تبحث عنه؟

وبينما هي غارقةٌ في أفكارها، سمعت طرقًا خفيفًا على باب غرفتها. لم يكن طرقًا قويًا أو متعجلًا، بل كان فيه ترددٌ واحترام.

"ادخل," قالت ليلى، وصوتها يحمل شيئًا من الارتباك.

انفتح الباب ببطء، ودخل خالد. كان يرتدي ملابس المنزل البسيطة، وبدا عليه بعض التردد.

"مساء الخير يا ليلى," قال بصوتٍ هادئ.

"مساء النور يا خالد," أجابت ليلى، وحاولت أن تبتسم.

"جئت لأطمئن عليكِ. سمعتُ ما قاله الحاج صالح اليوم، وأردتُ أن أتأكد أنكِ بخير."

جلست ليلى على طرف السرير، وأشارت له بالجلوس على كرسيٍ مجاور.

"أنا بخير يا خالد. فقط… الأمر كان مفاجئًا."

"أعلم. وأنا آسفٌ جدًا لأنني لم أستطع أن أقول لكِ شيئًا بالأمس. لكنني أردتُ أن أتأكد أولًا من صحة الاقتراح، ومن موافقة الأعيان."

"هل… هل كنتَ تعلم بهذا الاقتراح منذ البداية؟" سألت ليلى، وبدأت تشعر ببعض التساؤلات.

"نعم. لقد تحدث معي الحاج صالح، واقترح عليّ الأمر. وبعد تفكيرٍ طويل، وبعد أن رأيتُ مدى صعوبة الموقف الذي تمرون به… وافقتُ على أن أكون جزءًا من هذا الحل."

نظرت ليلى إلى خالد، ورأت في عينيه صدقًا وشجاعة. كان على استعدادٍ لتقديم المساعدة، حتى لو كان الثمن هو حياته الشخصية.

"ولماذا يا خالد؟" سألت ليلى بهدوء. "ما الذي دفعك إلى هذا؟"

"الحب يا ليلى," أجاب خالد، وبدت كلماته صادقةً وعميقة. "حبٌّ عائلي، حبٌّ تجاه عائلة عمي، وتجاهكِ أنتِ. لقد رأيتُكِ تكبرين، ورأيتُ طيبتكِ، ونقاءكِ. ورأيتُ كم عانت عائلتكِ. لم أستطع أن أقف مكتوف الأيدي."

"ولكن… هذا زواجٌ، خالد. زواجٌ شرعي. هل… هل أنتَ مستعدٌ لذلك؟"

"نعم يا ليلى. أنا مستعدٌ. ومستعدٌ لأن أكون زوجًا صالحًا، وزوجًا يحميكِ ويصونكِ، وزوجًا يسعى لإسعادكِ. لم يكن هذا هو الطريق الذي كنتُ أتخيله، ولكن إذا كان هذا هو الطريق الذي سيجلب الأمان لعائلتكِ، ويحفظ كرامتكِ، فسأمشي فيه بكل سرور."

كانت كلمات خالد مؤثرةً جدًا. لم تكن كلماتٍ تقال لمجرد التهرب من مسؤولية، بل كانت صادرةً من قلبٍ كبير.

"لكن… أنا… أنا لا أعرف ما إذا كنتُ أحبك بهذا الشكل يا خالد," قالت ليلى بصدقٍ مؤلم.

نظر إليها خالد، ولم تبدُ عليه أي علاماتٍ للغضب أو الإحباط.

"وأنا أفهم ذلك يا ليلى. الحب لا يُجبر. ولكن، الحب يمكن أن ينمو. يمكن أن ينبثق من الاحترام، ومن المودة، ومن العشرة الطيبة. أنا لا أطلب منكِ حبًا جارفًا من اللحظة الأولى. أطلب منكِ فرصةً. فرصةً لنتعرف على بعضنا البعض بشكلٍ أعمق، كزوجين. فرصةً لنبني بيتًا قائمًا على المودة والرحمة، كما أمرنا ديننا."

"ولكن… ماذا عن قلبي؟ ماذا عن… مشاعري؟"

"مشاعركِ هي الأهم يا ليلى. وأنا لن أفعل شيئًا يغضب الله، أو يتعارض مع ما تريده أنتِ. إذا كنتِ تشعرين بأن هذا الأمر صعبٌ عليكِ، أو أنكِ غير مستعدةٍ له، فسأتقبل ذلك. وسنبحث عن حلٍّ آخر. ربما يكون هناك حلٌّ آخر."

نظرت ليلى إلى خالد، ورأت في عينيه عطفًا وتفهمًا. لم يكن يسعى لفرض رأيه، بل كان يبحث عن راحة بالها.

"ولكن… إذا رفضنا، فماذا سيحدث؟" سألت. "الحاج صالح قال إن هناك من يحاول استغلال الوضع."

"نعم. وإذا رفضنا، فقد يجد هؤلاء فرصةً لفرض شروطهم. وقد يضطرون لبيع الأراضي بأسعارٍ بخسة، أو ما هو أسوأ. وهذا ما لا أستطيع تحمله. رؤية عائلتكِ تنهار."

شعرت ليلى بثقل الاختيار. إما أن تقبل بهذا الزواج، الذي قد يكون جسرًا نحو الأمان، ولكن بدون حبٍّ مسبق، أو أن ترفض، وتخاطر بانهيار كل شيء.

"خالد," قالت ليلى بصوتٍ خافت، "أنا أحترمك كثيرًا. وأنا ممتنةٌ جدًا لكل ما تفعله من أجل عائلتي. أنتَ حقًا رجلٌ نبيل."

"لا شكر على واجب يا ليلى. أنتِ تستحقين كل خير."

"ولكن… هل يمكن أن تعطيني بعض الوقت؟ بعض الوقت للتفكير؟"

"بالتأكيد. خذي وقتكِ الكامل. تحدثي مع والدتكِ، فكري مليًا. أنا هنا، ولن أذهب إلى أي مكان. وسأتفهم أي قرارٍ تتخذينه."

وقف خالد، واقترب منها. وضع يده بلطفٍ على كتفها.

"تذكري يا ليلى، أن سعادتكِ هي الأولوية. ولن أفعل شيئًا يتعارض مع رغبتكِ. فقط… أردتُ أن تعرفي أنني هنا، وأنني أهتم بكِ، وأهتم بعائلتكِ."

ابتسمت ليلى ابتسامةً خجولة. "شكرًا لك يا خالد."

"مع السلامة يا ليلى."

خرج خالد، وأغلقت ليلى الباب خلفه. جلست مرةً أخرى، وشعرت بأنها في مفترق طرق. أمامها اختيارٌ صعب، ولكن أمامها أيضًا شعاعٌ من الأمل. شعاعٌ أضاءته كلمات خالد، وصدقه، ونبله.

هل يمكن للحب أن يولد من هذا الزواج؟ هل يمكن لقلبها أن يجد طريقه إلى قلب خالد، حتى لو بدأ الأمر بأسبابٍ أخرى؟

كانت ليلى تشعر بالارتباك، ولكنها أيضًا كانت تشعر بشيءٍ جديدٍ يتسلل إليها. شعورٌ بالأمان، وشعورٌ بأنها ليست وحدها في هذه المحنة.

وانتظرت، مع إيقاع دقات قلبها الذي أصبح أسرع، ما ستخبئه لها الأيام القادمة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%