الحب الأول 151
ضوءٌ في عتمة الشك
بقلم فاطمة النجار
كانت الأيام تمضي، تحمل معها نسائم الأمل ورذاذ الشك، في بيت آل العاصمي الذي امتلأ بضجيج الحيوية والترقب. استقرت رنا في منزل عائلتها، بعد انتهاء مراسم الخطبة التي تمت بلمسة من الدهشة ورباط من الطمأنينة. كانت الأيام الأولى من الخطبة كأنها بداية رحلة استكشاف، يتلمس فيها كل منهما الآخر بلطف وحذر، متسللين إلى أغوار روح شريك الحياة المستقبلي.
كانت والدة رنا، السيدة ليلى، تتابع ابنتها بعين الأم التي لا تعرف إلا الحب والقلق. كانت ترى في رنا تلك الفتاة التي طالما حلمت بها، الورعة، المهذبة، ذات القلب الكبير. لكنها لم تستطع أن تنفض عنها غبار المخاوف التي تثيرها قصة حب بدأت من فراغ، أو هكذا بدا لها. لم تنقصها الثقة في عمر، الشاب الذي بدا لها من خير شباب المسلمين، لكنها كانت تعرف أن الأقدار غالباً ما تخبئ في طياتها ما لا نتوقعه.
في أحد الأيام، بينما كانت رنا تساعد والدتها في ترتيب بعض الأمتعة التي أحضرها عمر كهدية، عثرت على صندوق خشبي قديم، مغبر، تفوح منه رائحة الزمن. فضولها دفعها لفتحه، فتصدرت المشهد صور فوتوغرافية قديمة، وبعض الرسائل المكتوبة بخط أنيق. كانت الصور لعمر في مراحل عمرية مختلفة، برفقة عائلته، وبعض أصدقائه. لكن ما لفت انتباهها حقاً، صورة لرجل وامرأة، يبدو عليهما الوقار، وعلى وجهيهما ابتسامة تحمل ألف حكاية. تحت الصورة، كُتب بخط صغير: "جدتي العزيزة، وجدي الغالي".
شعرت رنا بوخزة غريبة في قلبها. لم تكن تتذكر أن عمر قد تحدث عن جديه بشكل مفصل. أمسكت بالرسائل، وكانت كلها موجّهة إلى عمر، بخط يد جدته، تتغنى بفضله، وتدعو له بالتوفيق. في إحدى الرسائل، كان هناك سطرٌ لفت انتباهها: "يا ولدي، إنّ عائلة آل فهد، هم أهلٌ للثقة والجود، وإذا ما أصبحتَ واحداً منهم، فاعلم أنك قد حملتَ أمانةً عظيمة."
تحدثت رنا مع عمر عن الصندوق، وعن الرسائل. كان عمر متفاجئاً بعض الشيء، لم يكن يتذكر أنه ترك كل هذا في منزل والده. لكنه ابتسم، وقال: "سبحان الله، هذه الصور والرسائل من أيام جدتي رحمها الله. لم أكن أعرف أن والدتي احتفظت بها. أما عن عائلة آل فهد، فهم عائلة عريقة، عرفتها العائلة منذ زمن طويل، وكانت هناك علاقة طيبة بينهم وبين عائلتنا."
لم تشبع كلمات عمر فضول رنا تماماً. شعرت بأن هناك شيئاً ما، قصة لم تُحكى بالكامل. بدأت تسأل والدتها عن عائلة آل فهد. السيدة ليلى، كانت مترددة في البداية، لكن رنا أصرت. ذكرت السيدة ليلى أن عائلة آل فهد كانت من العائلات التجارية الكبرى في المدينة، وأنهم كانوا في فترة من الفترات، على وشك الارتباط بعائلة آل العاصمي. لكن ظروفاً ما، حالت دون ذلك. لم تفصح السيدة ليلى عن تفاصيل أكثر، واكتفت بكلمات مبهمة، زادت من تعقيد الصورة في ذهن رنا.
من جهة أخرى، كان صديق عمر المقرب، أحمد، يتابع علاقته مع زميلته في العمل، سارة. كانت سارة فتاة جميلة، ذكية، لكنها كانت تحمل في قلبها شيئاً من الانانية، وغروراً ربما لم ينتبه إليه أحمد بعد. كان يرى فيها شريكة مثالية، فكرياً واجتماعياً، لكنه كان يفتقد فيها تلك الروح الهادئة، تلك القناعة التي كانت تظهر في حديث رنا.
في أحد الأيام، وبينما كان أحمد يراجع بعض الأوراق مع سارة في المكتب، تلقت سارة اتصالاً هاتفياً. كانت تتحدث بصوت منخفض، ووجهها يكسوه بعض الارتباك. بعد أن أنهت المكالمة، نظرت إلى أحمد وقالت: "هذا والدي، يبدو أنه لديه أخبار مفاجئة. يقول أننا سننتقل إلى مدينة أخرى قريباً، بسبب صفقة عمل جديدة."
شعر أحمد ببعض الصدمة. لم يكن يتوقع هذا الخبر. كان يخطط لمستقبله مع سارة، وكان هذا الانتقال سيغير كل شيء. حاول أن يبدو متفهمًا، لكن صوته كان يحمل بعض التردد. قالت سارة: "لا تقلق يا أحمد، سنحاول أن نبقي علاقتنا قوية. أنا أحبك."
لكن أحمد لم يكن متأكداً. كانت كلماتها تبدو قوية، لكن نظرتها كانت تحمل شيئاً من الشك، كأنها لم تكن مستعدة حقاً لهذا التغيير. بدأ يفكر في الفرق بين حبه لسارة، وبين ما يراه في علاقة عمر برنا. كان عمر يبني علاقته على أسس متينة، على الصدق والمودة، وعلى الاستعداد للتضحية. أما هو، فكان يواجه عقبة، قد تكون كبيرة، ولم يكن متأكداً من قوة سارة في تجاوزها.
بعد لقاء أحمد مع سارة، قرر أن يزور عمر. وجده في شقته، يتأمل في ضوء الغروب. بدأ أحمد يسرد له ما حدث مع سارة. استمع عمر إليه بصبر، ثم قال: "يا أحمد، الحب الحقيقي ليس كلمة تقال، بل فعلٌ يُرى. إذا كانت سارة تحبك حقاً، فستجد الطرق لتبقى قريبة منك، وستعملان معاً لمواجهة أي عقبة. لكن إذا كان الأمر صعباً عليها، فربما تكون هذه هي الحقيقة التي تحتاج أن تراها."
كانت كلمات عمر كبلسم على جرح أحمد. لكنه كان يعلم أن الأمر ليس بهذه البساطة. كانت هناك مشاعر مختلطة، وآمال معلقة. نظر إلى عمر، وقال: "أنت محق يا صديقي. ولكنني ما زلت أتمنى أن تكون الأمور أفضل."
في تلك الليلة، بينما كانت رنا تتأمل في سماء المدينة المضاءة، شعرت برغبة ملحة في معرفة المزيد عن هذه العائلة، عائلة آل فهد. كانت تشعر أن مفتاحاً ما، يكمن في تلك القصة المنسية، مفتاحٌ قد يفسر الكثير، وربما يزيل الشكوك التي بدأت تتسلل إلى قلبها. في تلك العتمة الخفيفة، شعرت بضوءٍ ضعيفٍ ينبعث من الماضي، يحمل وعداً بكشف الحقيقة.