الفصل 14 / 25

الحب الأول 151

خيوط ماضٍ متشابك

بقلم فاطمة النجار

اتخذت رنا قراراً حاسماً. لم يعد احتمال وجود سرٍّ في ماضي عائلتها وعائلة خطيبها يحتمل التأجيل. بدأت رحلتها بصبر، تجمع القطع المتناثرة من المعلومات، مستعينةً بوالدتها، وببعض الأقارب الذين كانوا على دراية بتفاصيل قديمة.

كانت الخطوات الأولى تتجه نحو السيدة عائشة، عمة عمر، وهي سيدةٌ تجاوزت السبعين من عمرها، تحمل في ذاكرتها أسراراً كثيرة، وتحتفظ ببعض الوثائق القديمة. رأت رنا في السيدة عائشة مفتاحاً قد يفتح أبواباً مغلقة. بعد أخذ الإذن من والدتها، ذهبت رنا لزيارة السيدة عائشة، برفقة عمر الذي كان سعيداً بفضول خطيبته.

استقبلتهما السيدة عائشة بابتسامة دافئة، ويدها التي تحمل آثار الزمن، أسرعت لتقديم القهوة والشاي. جلست رنا إلى جانبها، وبدأت تسألها عن عائلة آل فهد، وعن أي علاقة قد تكون جمعت العائلتين في الماضي.

بدأت السيدة عائشة بالحديث، وبصوتٍ فيه حنين، تتذكر الأيام الخوالي. "آه يا ابنتي، عائلة آل فهد… كانوا نعم الجيران، ونعم الأهل. السيد فهد، رحمه الله، كان رجلاً كريماً، طيب القلب. وزوجته، السيدة فاطمة، كانت امرأةً صالحة، تحرص على دينها وأخلاقها. كانت علاقتنا طيبة جداً، بل إنّ هناك مشروع زواج كان مخططاً له بين عائلتنا وعائلتكم، بين السيد فهد وبين ابنة عمي. لكن القدر كان له رأي آخر."

تحدثت السيدة عائشة عن تفاصيل هذا الزواج الموعود، وعن الحزن الذي أصاب العائلتين عندما لم يكتمل. ثم أشارت إلى صندوق خشبي قديم، مشابه للصندوق الذي وجدته رنا، وقالت: "هذا الصندوق، يحوي بعض ذكريات تلك الفترة. كانت رسائل متبادلة بيني وبين السيدة فاطمة، وبعض صور العائلتين. لم أكن أعرف أن والدة عمر احتفظت ببعضها."

فتحت السيدة عائشة الصندوق، وظهرت صورٌ لم تكن رنا قد رأتها من قبل. صورٌ للسيد فهد والسيدة فاطمة، وهما في شبابهما، يبدوان في غاية الأناقة والوقار. ظهرت في بعض الصور، ابنة عم السيدة عائشة، وهي فتاة جميلة، تشبه رنا في بعض ملامحها.

سألت رنا: "وهل كان هناك أي تواصل بعد ذلك؟"

قالت السيدة عائشة: "التواصل قلّ كثيراً بعد عدم إتمام الزواج. ظروف الحياة، والمسافات، والمسؤوليات. لكننا لم ننسَ بعضنا تماماً. وقد حرصت عائلة عمر، وخاصة والدته، على أن تكون هناك علاقة طيبة مع عائلة آل فهد. كان عمر، رحمه الله، والد عمر، كثير الإعجاب بالسيد فهد. وقد حدث لقاءٌ مهمٌ بينهما قبل سنوات."

شعرت رنا بأنها تقترب من الحقيقة. سألت: "لقاءٌ مهم؟ وماذا كان يدور حول هذا اللقاء؟"

نظرت السيدة عائشة إلى عمر، وقالت: "كان السيد فهد، والد السيد فهد، رحمه الله، قد أوصى ابنه، عندما كان شاباً، بأن يبحث عن حلّ لمشكلةٍ كانت قد أصابت العائلة. مشكلةٌ تتعلق بإرثٍ قديم، وبعض الحقوق المنسية. وقد علم السيد فهد، أن عائلة السيد عمر، لها باعٌ طويلٌ في حلّ مثل هذه الأمور. لهذا، سعى للقاء والدك. وكانت هناك مناقشاتٌ معمقة."

أصغى عمر بعناية، وشعر أن جدته كانت تحاول أن تلمح له بشيءٍ لم يتوصل إليه بنفسه. لم يكن لديه أي معلومات عن إرثٍ قديم أو حقوقٍ منسية.

"ولكن، هل انتهت هذه المشكلة؟" سألت رنا.

تنهدت السيدة عائشة، وقالت: "النتيجة، لم تكن واضحة تماماً. بعض الأمور حُسمت، وبعضها بقي معلقاً. السيد فهد، كان رجلاً صبوراً، وكان يأمل في حلٍّ يرضي الجميع. لكن، بعد وفاته، انشغل ابنه، السيد فهد، في أمور أخرى. ولم يتمّ متابعة الأمر بنفس القدر."

شعرت رنا بثقلٍ يتزايد في صدرها. كل معلومة جديدة، كانت تفتح باباً لسؤالٍ آخر. سألت: "وهل هناك أي وثائق تتعلق بهذا الإرث؟"

قالت السيدة عائشة: "ربما. كانت هناك بعض الأوراق في مكتب السيد فهد، رحمه الله. لكنني لا أعرف أين هي الآن. ربما احتفظت بها والدة عمر."

كانت رنا تشعر أن خيوط الماضي بدأت تتشابك، وتكوّن صورةً غامضة، تحتاج إلى المزيد من التوضيح. شكرت رنا وعمر السيدة عائشة، وعادا إلى منزل العاصمي، وقلب رنا يخفق بشدة.

في تلك الأثناء، كان أحمد يعيش فترةً عصيبة. بعد انتقال سارة، حاولت علاقتها أن تستمر عبر مكالمات الفيديو والرسائل. لكن المسافة، وضغوط الحياة الجديدة لسارة، بدأت تفرض نفسها. كانت المكالمات أقل، والردود أبطأ. شعر أحمد بأن شيئاً ما، قد انكسر.

في أحد الأيام، تلقى أحمد مكالمةً من سارة. كانت صوتها فيه نبرةٌ مختلفة. "أحمد، أنا آسفة. الحياة هنا أصعب مما كنت أتوقع. وهناك… هناك شخصٌ آخر في حياتي الآن. شابٌ تعرفت عليه هنا. إنه يهتم بي، ويفهم ظروفي. أرجو أن تتفهم."

صُعق أحمد. شعر بالخيانة، وبالوحدة. حاول أن يتكلم، لكن الكلمات جمدت في حلقه. أنهت سارة المكالمة بكلمات اعتذارٍ باردة.

جلس أحمد وحيداً، يشعر بحرارة الدموع في عينيه. نظر إلى صورة عمر ورنا، التي كانت على هاتفه. كانا يبدوان سعيدين، مترابطين. تذكر نصيحة عمر له، عن الحب الحقيقي. أدرك أن ما فقده، لم يكن حباً حقيقياً. تذكر قصة الحب التي تربطهما، والتي بنيت على الوضوح والصدق.

قرر أحمد أن يبدأ من جديد. بدأ يركز على عمله، وعلى تحسين نفسه. وبدأ يعيد تقييم ما يبحث عنه في شريكة حياته. كانت ذكرى علاقة عمر ورنا، بمثابة درسٍ حيٍّ له، عن معنى الثبات، والصبر، وبناء العلاقة على أسسٍ متينة.

بينما كانت رنا تبحث في منزل والديها، عن أي شيءٍ قد يقودها إلى الحقيقة، عثرت على ألبوم صورٍ قديم، لم تكن تعرف بوجوده. وبين صفحاته، وجدت صوراً لعمر، وهو طفلٌ صغير، يقف بجانب جدته. وفي إحدى الصور، كانت السيدة فاطمة، والدة السيد فهد، تبدو وهي تحتضن عمر الصغير. كان هناك شيءٌ غريب في نظرات السيدة فاطمة، مزيجٌ من الحنان، والألم، والترقب.

شعرت رنا بأنها تقترب أكثر فأكثر، وأن الحقيقة، رغم غموضها، بدأت ترسم ملامحها. كانت تعلم أن هذه القصة، لا تتعلق فقط بماضي عائلتيها، بل ربما بمستقبلهما أيضاً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%