الفصل 18 / 25

الحب الأول 151

الرياح العاصفة في بيت العائلة

بقلم فاطمة النجار

استيقظت نورة على وقع خطواتٍ متسارعةٍ في أرجاء البيت. لم تكن تلك خطوات أمها المعتادة في الصباح الباكر، ولا صوت أبيها وهو يعدُّ أوراقه استعدادًا ليوم العمل. كانت خطواتٍ تحملُ ثقلاً، وتنبئُ بخبرٍ جلل. نهضت من فراشها، وقلبها يخفقُ بخفةٍ زائفة، محاولةً استيعاب ما يدور حولها. دخلت المطبخ، ففوجئت بأبيها يجلسُ على طاولة الطعام، ووجهه شاحبٌ، وعيناه تحدقان في الفراغ. كانت والدتها تقفُ بجانبه، تمسحُ دموعها بكمِّ ثوبها، وصوتُ شهقاتها مكتومٌ بالكاد.

"ماذا يحدث؟" سألت نورة بصوتٍ متردد، وكأنها تخشى الإجابة.

لم يرد أبوها. بل رفعَ رأسه ببطء، ونظر إليها نظرةً تحملُ ألفَ معنى. نظرةُ انكسارٍ، وخيبةٍ، وألمٍ عميق. ثم نطقَ بصوتٍ أجشٍّ، وكأنه خرجَ من بئرٍ سحيقة: "الشركة… خسرت كل شيء."

تجمدت نورة في مكانها. لم تفهم الكلمات في البداية، ثم بدأت تتضحُ الصورةُ المرعبة. خسرت كل شيء؟ أموالهم؟ مستقبلهم؟ أحلامهم؟ نظرت إلى والديها، ورأت فيهما صورتهما المستقبلية، صورةَ الإنسان الذي فقدَ كل ما يملك.

"كيف؟" همست، وعيناها تترقرقان بالدموع.

"مستثمرٌ كبيرٌ تخلى عن الصفقة في آخر لحظة، وتحت ضغوطٍ لم نكن نتوقعها. كلُّ شيءٌ انهارَ يا ابنتي. كلُّ شيءٌ تلاشى." كان صوتهُ يخفتُ مع كل كلمة، وكأنه يفقدُ القدرة على الكلام.

جلست نورة على الكرسي المقابل لأبيها، وشعرت ببرودةٍ تسري في أوصالها. كانت قد رأت في الأيام الماضية بعضَ التعبِ على وجهِ أبيها، والقلقَ الذي كان يخفيه. لكنها لم تتخيل أبدًا أن يصلَ الأمرُ إلى هذا الحد. كانت تعيشُ في عالمٍ خاصٍ بها، مليءٍ بأحلامها مع أحمد، وبالآمالِ التي كانت تراودها حولَ مستقبلٍ مشرقٍ يجمعُهما. لكن هذا الخبرَ كأنه هدمَ كلَّ تلكَ الأحلامِ بضربةٍ واحدة.

"وماذا سنفعل؟" سألت بصوتٍ يكادُ لا يُسمع.

"لا أعرفُ يا نورة. لا أعرفُ حقًا. كلُّ ما أملكهُ هو هذا البيت، وبعضُ المدخراتِ التي ستكفينا بالكاد لعدةِ أشهر." قال أبوها، ووجههُ يعكسُ قمةَ اليأس.

في تلك اللحظة، رأت نورةُ وجهَ أحمدِ يبرقُ في ذهنها. تذكرت كلماتهِ المشجعة، ودعمهِ الدائم. تذكرت كيف كان يقولُ لها دائمًا: "مهما حدث، سنكونُ معًا. سنواجهُ الصعابَ سويًا." هل سيصدقُ هذا الوعدُ الآن؟ هل سيبقى بجانبها في هذهِ الأزمة؟

"يجبُ أن نخبرَ أحمدَ," قالت فجأةً، بصوتٍ قويٍّ لم تتوقعهُ هي نفسها. "يجبُ أن يعرفَ."

نظرت والدتها إليها بعينينِ مليئتينِ بالدهشة. "الآن؟ قبلَ كلِّ شيء؟"

"نعم. هو شريكي في الحياةِ المستقبلية. يجبُ أن يعرفَ ما يحدثُ لعائلتي." قالت نورةُ بحزمٍ، وشعرتُ بنوعٍ من الثباتِ يتسللُ إلى روحها. هذهِ الأزمةُ ليستْ مجردَ خسارةٍ ماليةٍ لعائلتها، بل هي اختبارٌ لعلاقتها بأحمد، واختبارٌ لمدى صدقِ الحبِّ الذي يجمعُهما.

في تلك الأثناء، كان أحمدُ يشعرُ بوخزٍ غريبٍ في قلبه. منذُ الصباحِ وهو يحاولُ التركيزَ في عملهِ، لكنَّ صورةَ نورةِ القلقةِ كانتْ تقتحمُ أفكارهُ. كانَ قد لاحظَ عليها في الأيامِ الماضيةِ بعضَ التوترِ، لكنها كانتْ تُحاولُ طمأنتهُ، وتقولُ إنها مجردُ ضغوطٍ متعلقةٍ بعملِ والدها. لكنَّ قلبهُ لم يطمئن.

قررَ أن يذهبَ لزيارتها في وقتِ الغداء. لم يُبدِ أيَّ سببٍ مقنعٍ لذلك، فقط قالَ إن لديهِ أمرًا مهمًا يرغبُ في مناقشتهِ معها. عندما وصلَ إلى بيتِ عائلتها، وجدَ البابَ مفتوحًا، ودخلَ ليجدَ الصمتَ يلفُّ المكان. استغربَ هذا الهدوءَ الذي لم يعتدْ عليهِ في هذا البيتِ دائمًا.

"السلام عليكم!" نادى بصوتٍ عالٍ.

لم يجبْهُ أحد. ذهبَ إلى غرفةِ المعيشة، ثم إلى المطبخ، ولم يجدْ أحدًا. ثم سمعَ صوتَ والدهِ يتحدثُ بهدوءٍ من غرفةِ المكتب. ذهبَ إلى هناك، ليجدَ والدَ نورةَ جالسًا وراءَ مكتبهِ، ووُجههُ شاحبٌ، وحولهُ أوراقٌ مبعثرةٌ.

"يا عم، هل كلُّ شيءٍ على ما يرام؟" سألَ أحمدُ بقلقٍ.

رفعَ والدُ نورةَ رأسهُ ببطءٍ، وبدا عليهِ التأثرُ الشديد. "أحمد، اجلسْ يا بني."

جلسَ أحمدُ، وشعرَ بأنَّ الهواءَ أصبحَ ثقيلًا. "ما الأمرُ يا عم؟ تبدو قلقًا."

تنهدَ والدُ نورةَ بعمقٍ. "الأمرُ أكبرُ مما تتخيلُ يا أحمد. لقد واجهنا كارثةً."

ثم بدأَ بسردِ القصةِ كاملةً، عن انهيارِ الشركةِ، والخسارةِ الفادحةِ التي لحقتْ بهم. كانَ أحمدُ يستمعُ، وعيناهُ تتسعانُ تدريجيًا، وقلبهُ ينقبضُ مع كلِ كلمةٍ يسمعها. لم يصدقْ أنَّ ما يرويهِ والدُ نورةَ هو واقعٌ. لقد كانتْ شركةُ السيدِ خالدٍ من أكبرِ الشركاتِ في المنطقة، وسمعتها كانتْ لامعةً.

"لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله," قالَ أحمدُ بصوتٍ متهدجٍّ. "هذا أمرٌ جللٌ جدًا."

"نعم يا بني. ونورةُ… نورةُ قلقةٌ جدًا، لكنها حاولتْ أن تُظهرَ لي بعضَ القوة."

"وأنا سأكونُ معها، يا عم. أعدكَ بذلك." قالَ أحمدُ بصدقٍ، وشعرَ بأنَّ هذهِ اللحظةَ هي اختبارٌ حقيقيٌّ لوعدهِ لنورة.

في هذهِ الأثناء، كانتْ نورةُ قد أعدتْ كوبينِ من الشايِ، واحتسستهما مع والدتها في صمتٍ. كانتْ والدتها تبكي بصمتٍ، ونورةُ تحاولُ أن تُشعرها بالأملِ، رغمَ أنَّ اليأسَ كانَ يعصفُ بقلبها.

"لا تقلقي يا أمي. سنتجاوزُ هذا الأمرَ معًا." قالت نورةُ، وحاولتْ أن ترسمَ ابتسامةً على وجهها.

"كيفَ يا ابنتي؟ كلُّ شيءٍ قد ضاع."

"ليسَ كلُّ شيءٍ يا أمي. لدينا بعضنا البعض. ولدينا إيمانُنا بالله."

ثم سمعتا صوتَ أحمدَ ينادي. دخلَ إلى المطبخِ، ورأى وجهيهما المتعبينِ. اقتربَ منهما، وضمَّ والدةَ نورةَ بلطفٍ.

"لا تقلقي يا خالة. كلُّ شيءٍ سيكونُ بخيرٍ بإذنِ الله." قالَ أحمدُ، ونظرَ إلى نورةَ بعينينِ مليئتينِ بالحبِّ والطمأنينة.

"لقد أخبرتُ أحمدَ يا أمي," قالت نورةُ، وشعرتْ بنوعٍ من الارتياحِ لوجودهِ.

"وهو بدورهِ أخبرني بكلِّ شيءٍ," قالَ أحمدُ، واحتضنَ نورةَ بلطفٍ. "نورة، أريدُ أن تعرفي شيئًا واحدًا. هذهِ الأزمةُ لن تُغيرَ شيئًا بيننا. بل ستزيدنا قوةً."

نظرتْ نورةُ إلى أحمدَ، ورأتْ في عينيهِ الصدقَ والوفاء. شعرتْ بأنَّ قلوبها قد اتحدتْ في هذهِ اللحظةِ، وأنَّ الحبَّ الذي يجمعُهما هو أقوى من أيِّ خسارةٍ ماليةٍ.

"شكرًا لكَ يا أحمد. شكرًا لوجودكَ." قالت بصوتٍ مختنقٍ بالعواطف.

"لا تشكريني. هذا واجبي. وسنواجهُ هذهِ المحنةَ معًا، كفريقٍ واحدٍ."

كانتْ تلكَ الكلماتُ كبلسمٍ شافٍ على قلبِ نورةَ. لكنها كانتْ تعلمُ أنَّ الطريقَ أمامهم لن يكونَ سهلًا. وأنَّ هذهِ الأزمةَ ستُجبرهم على اتخاذِ قراراتٍ صعبةٍ، وربما ستُغيرُ مسارَ حياتهم بشكلٍ جذري. لكنها كانتْ على يقينٍ بأنَّ حبهما، وإيمانُهما، وقوةَ عائلتيهما، ستكونُ لهم العون والسند.

في تلكَ الليلة، وبينما كانتْ الشمسُ تغربُ، وبأشعتها الذهبيةِ تلونُ السماءَ، كانتْ عائلةُ نورةَ تجلسُ مع أحمدَ ووالدهِ. كانَ الحديثُ يدورُ حولَ كيفيةِ تخطي هذهِ الأزمةِ. كانَ أحمدُ يقترحُ حلولًا عمليةً، ويُظهرُ خبرةً في مجالِ الأعمالِ لم تكنْ نورةُ تتوقعها. كانَ يحاولُ طمأنتهم، والتأكيدَ على أنَّ لديهِ بعضَ المدخراتِ التي يمكنُ أن تساعدَ في تخطي المرحلةِ الأولى.

"لكنَّ هذا ليسَ كافيًا يا أحمد," قالَ والدُ نورةَ بحزنٍ. "سنحتاجُ إلى بيعِ بعضِ الأصولِ، وربما حتى هذا البيتِ."

ارتعشتْ نورةُ عندَ سماعِ كلمةِ "بيت". هذا البيتُ الذي شهدَ ذكرياتِ طفولتها، وذكرياتِ لقاءاتها الأولى بأحمد.

"لا تقلقوا يا عم," قالَ أحمدُ بحزمٍ. "سنبحثُ عن حلولٍ أخرى. لا تستعجلوا في اتخاذِ قراراتٍ متسرعةٍ."

"ماذا تقصدُ يا بني؟" سألَ والدُ أحمدَ.

"أنا أعملُ على مشروعٍ جديدٍ، بدأتُ بتطويرهِ منذُ فترةٍ. يعتمدُ على تقنيةٍ جديدةٍ في مجالِ الطاقةِ المتجددة. أؤمنُ جدًا بهذا المشروعِ. وإذا نجحَ، فسيعوضُ خسائرَكم، وربما أكثر."

نظرتْ نورةُ إلى أحمدَ بعينينِ تقديرٍ وإعجاب. لم تكنْ تعرفُ شيئًا عن هذا المشروع. كانَ يعملُ بصمتٍ، ويُحضرُ لشيءٍ كبيرٍ.

"ولكن هل هذا المشروعُ جاهزٌ الآن؟" سألَ والدُ نورةَ بتشككٍ.

"ليسَ تمامًا. لكنني بدأتُ بالفعلِ في التواصلِ مع مستثمرينَ محتملينَ. وأعتقدُ أننا خلالَ الأشهرِ القليلةِ القادمةِ، سنرى نتائجَ ملموسةً."

كانَ كلامُ أحمدَ مليئًا بالأملِ، لكنَّ الظروفَ كانتْ قاهرةً. كانَ الوقتُ عاملًا أساسيًا، وكانَ لابدَّ من إيجادِ حلولٍ سريعةٍ.

"هذا جيدٌ يا أحمد. لكننا بحاجةٍ إلى دعمٍ الآن. قبلَ أن نصلَ إلى هذا الحلِ المستقبلي." قالَ والدُ نورةَ، وشعرَ بالإحباطِ يلوحُ في الأفق.

"لدي فكرةٌ أخرى," قالت نورةُ فجأةً. "تذكرتُ أنَّ جدي كانَ يملكُ قطعةَ أرضٍ زراعيةً في الريفِ. لم نستغلها منذُ سنواتٍ. ربما يمكننا أن نزرعها، وأن نبيعَ المحصولَ. قد لا يكونُ المبلغَ كبيرًا، لكنه قد يساعدُ في تحملِ بعضِ المصاريفِ."

نظرَ إليها والدها والدتها بفخرٍ. كانتْ نورةُ دائمًا ما تُفاجئهم بذكائها وقدرتها على إيجادِ حلولٍ للمشاكل.

"هذهِ فكرةٌ رائعةٌ يا ابنتي," قالَ والدُها. "لا أعرفُ لماذا لم أفكرْ في ذلكَ."

"والدي لديهِ بعضُ الخبرةِ في الزراعةِ," قالَ أحمدُ. "يمكننا أن نستشيره. ويمكنني أن أخصصَ بعضَ الوقتِ لمساعدتكم في هذا الأمرِ."

في تلكَ اللحظة، شعرتْ نورةُ بأنَّ اليأسَ بدأَ يبتعدُ قليلًا. كانتْ الأزمةُ كبيرةً، لكنَّ إرادةَ الحياةِ، وقوةَ الروابطِ الأسريةِ، وحبَّ أحمدَ، بدأتْ تُشعُّ كشموعٍ في عتمةِ الليل. لكنها كانتْ تعلمُ أنَّ هذهِ مجردُ البدايةِ، وأنَّ الطريقَ أمامهم سيحتاجُ إلى الكثيرِ من الجهدِ والصبرِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%