الفصل 2 / 25

الحب الأول 151

همسات الروح

بقلم فاطمة النجار

بعد مرور أسبوعين على لقاء الخطبة، كانت الأجواء في منزل "ليلى" مشحونةً بالترقب والفرح. استقرت الأمور، وحددت الخطبة الرسمية بعد شهرٍ واحد، مما أعطى متسعاً من الوقت للتحضيرات. كانت "ليلى" تعيش أياماً مليئةً بالعمل، تساعد والدتها في اختيار الأقمشة لتفصيل فستان الخطبة، وفي إعداد قوائم المدعوين، وتلقي التهاني من الأقارب والصديقات.

في أحد الأيام، بينما كانت "ليلى" جالسةً في غرفتها، تقلب صفحات كتابٍ قديم، سمعت نقراً خفيفاً على الباب. "ادخل." قالت وهي ما تزال غارقةً في قراءة قصيدةٍ عن الشوق.

دخلت والدتها "فاطمة"، وبيدها طبقٌ صغيرٌ يحتوي على تمرٍ مغطىً بطبقةٍ رقيقةٍ من الشوكولاتة. "هل أنتِ متعبةٌ يا ابنتي؟" سألت بابتسامةٍ هادئة.

"قليلاً يا أمي، لكنها تعبٌ لذيذ." أجابت "ليلى" وهي تأخذ قطعةً من التمر.

جلست "فاطمة" بجانبها، وتنهدت بارتياح. "أحمدٌ اتصل اليوم، يريد أن يطمئن عليكِ."

تورد وجه "ليلى" قليلاً. "حقاً؟ وماذا قال؟"

"قال إنه اشتاق لسماع صوتكِ، ويريد أن يتأكد أن كل شيءٍ على ما يرام. لقد طلب مني أن أسألكِ إن كنتِ ترغبين في أن يتحدث معكِ قليلاً عبر الهاتف." قالت "فاطمة" وهي تراقب رد فعل ابنتها.

ترددت "ليلى" للحظة. لم تكن قد تحدثت مع "أحمد" هاتفياً إلا مراتٍ قليلة، وكانت تلك الأحاديث قصيرةً ومقتضبة، بحضور والدتها أو والدتها. لكن فكرة التحدث معه بمفردها، ولو عبر الهاتف، أثارت في نفسها شعوراً بالفضول الممزوج بالخجل.

"ربما... ربما لا بأس." قالت "ليلى" بصوتٍ خافت.

ابتسمت "فاطمة" بتقدير. "حسناً، سأعطيه الرقم."

ذهبت "فاطمة" لإحضار الهاتف، وعادت لتعطي "ليلى" الرقم. نظرت "ليلى" إلى هاتفها، وقلبها يدق بسرعة. لقد أصبحت هذه العلاقة أكثر جديةً ورسميةً، وهذا الشعور بالاقتراب من شخصٍ سيشاركها حياتها كان غريباً وجميلاً في نفس الوقت.

بعد دقائق، رنّ هاتفها. نظرت إلى الشاشة، ورأت اسم "أحمد" مسجلاً. أخذت نفساً عميقاً، ثم أجابت.

"السلام عليكم." قالت "ليلى" بصوتٍ لم تستطع التحكم فيه كثيراً، كان يهتز قليلاً.

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا أخت ليلى. كيف حالكِ؟" جاء صوته، هادئاً وعميقاً، يبعث على الراحة.

"بخير والحمد لله. كيف حالك أنت؟"

"بخير ما دمتِ بخير. أردت فقط أن أتأكد أنكِ لستِ متعبةً من التحضيرات. سمعت من والدتي أن الأمر بدأ يأخذ منحىً جاداً."

ابتسمت "ليلى" بخجل. "نعم، الأمور تسير على ما يرام. أنا سعيدةٌ بهذا كله."

"وأنا كذلك. هذه الخطوة مباركة، وأتمنى من الله أن ييسرها لنا. ليلى، هل تسمحين لي أن أسألكِ سؤالاً شخصياً بعض الشيء؟"

"تفضل."

"ما هو شغفكِ الحقيقي في الحياة؟ ما الذي تحلمين بتحقيقه؟"

فاجأها السؤال. لم تتوقع أن يسألها "أحمد" عن أحلامها بهذا العمق. "اممم، أنا أحب القراءة كثيراً، وأحب تعلم اللغات الجديدة. أحلم بأن أعمل في مجال الترجمة، وأن أساهم في نقل المعرفة بين الثقافات."

"هذا رائع! أنا أيضاً أحب القراءة. ما هو آخر كتابٍ قرأتِه؟"

بدأت "ليلى" تتحدث عن الكتب التي قرأتها، وعن اهتماماتها الثقافية. وتفاجأت بأن "أحمد" يشاركها نفس الاهتمامات، بل إنه قرأ بعض الكتب التي ذكرتها. كان حديثهما يتجاوز حدود الحديث العادي، فقد بدأت تكشف عن أفكارها ومشاعرها، وهو كذلك.

"ولماذا اخترتِ الترجمة تحديداً؟" سأل "أحمد".

"أرى أن الكلمات قادرةٌ على بناء الجسور بين الناس، وعلى نشر السلام والتفاهم. أريد أن أكون جزءاً من هذا البناء. كما أنني أؤمن بأن الأدب العربي له مكانةٌ عظيمة، وأريد أن أقدمه للعالم بلغاتٍ أخرى."

"أتفق معكِ تماماً. اللغة هي مفتاح العقول والقلوب. هل تحلمين بالسفر؟"

"نعم، أحلم بالسفر وزيارة بلادٍ مختلفة، والتعرف على ثقافاتٍ متنوعة. لكن الأهم بالنسبة لي هو أن أكون دائماً قريبةً من أسرتي، وأن أحافظ على روابطي القوية بهم."

"هذا جميلٌ جداً. وأنا أيضاً أحلم بإنشاء أسرةٍ قوية، تكون دعامةً لنا في هذه الحياة. أسرةٌ تسير على هدى الله، وتتشارك همومها وأفراحها."

كان حديثهما ينساب بسلاسةٍ، وكأنهما يعرفان بعضهما البعض منذ زمنٍ طويل. شعرت "ليلى" بأنها قادرةٌ على أن تكون على طبيعتها مع "أحمد"، وأن هناك مساحةً من الثقة والتفاهم بدأت تتكون بينهما.

"ليلى، هل تعلمين أنني عندما رأيتكِ لأول مرةٍ قبل سنواتٍ في حديقة جيراننا، شعرت بشيءٍ غريب؟ شعرت بأنكِ فتاةٌ مميزة، تحملين نوراً في عينيكِ. ولم أكن أعلم حينها أن القدر سيجمعنا بهذا الشكل." قال "أحمد" بصوتٍ فيه شيءٌ من الحنين.

تورد وجه "ليلى" مرةً أخرى. لم تكن تعلم أن "أحمد" قد لاحظها منذ تلك الفترة. "هل حقاً؟"

"نعم. كنتُ أراكِ في المناسبات العائلية، ودائماً ما كنتِ تثيرين إعجابي ببرائتكِ وأخلاقكِ. عندما تقدمتُ لخطبتكِ، لم أكن أبحث فقط عن زوجة، بل كنتُ أبحث عن شريكة حياةٍ تشاركني أحلامي وقيمي."

انتهى الحديث بعد أكثر من ساعة. عندما أغلقت "ليلى" الهاتف، شعرت بخفةٍ وسعادةٍ غامرة. لقد كشف لها هذا الاتصال عن جوانب جديدةٍ في شخصية "أحمد"، جوانبٌ جعلتها تشعر بالارتياح والأمل. لم تعد المسألة مجرد خطبةٍ تقليدية، بل أصبحت بدايةً لعلاقةٍ مبنيةٍ على الود والاحترام المتبادل.

نظرت إلى والدتها التي كانت تراقبها بابتسامةٍ متفهمة. "لقد تحدثتما طويلاً." قالت "فاطمة" بهدوء.

"نعم يا أمي. لقد كان حديثاً ممتعاً ومفيداً." أجابت "ليلى" وهي تبتسم.

"الحمد لله. هذا خبرٌ يسرني. إن "أحمد" شابٌ طيب، ونرجو أن تكونا أسرةً سعيدة."

"آمين يا رب."

نظرت "ليلى" إلى النافذة، ورأت القمر قد ارتفع في السماء، يسكب نوراً فضياً على بستان الزيتون. شعرت بأن روحها قد استنارت أيضاً. إنها مرحلةٌ جديدة، ومرحلةٌ تبشر بالخير. لقد كشفت همسات الروح بينها وبين "أحمد" عن أرضيةٍ صلبةٍ يمكن أن يبنى عليها مستقبلٌ مشرق، مستقبلٌ مليءٌ بالحب الحلال، وبالتفاهم، وبالسعادة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%