الحب الأول 151
ظلال الماضي التي تلاحق الحاضر
بقلم فاطمة النجار
عادَ أحمدُ إلى شقتهِ وقلبُهُ مُثقلٌ بالهمومِ. لم تكنْ الرسالةُ الغامضةُ مجردَ تحذيرٍ، بل كانتْ كالقشةِ التي قصمتْ ظهرَ بعيرٍ، بعدَ كلِّ ما مرَّ بهِ من صعوباتٍ. لقد كانَ يُحاولُ جاهدًا أن يُحافظَ على تفاؤلهِ، وأن يُقنعَ نورةَ وعائلتها بأنَّ الأمورَ ستتحسنُ. لكنَّ هذهِ الرسالةَ جعلتْ الشكوكَ تتسللُ إلى عقلهِ.
"من يكونُ هذا الشخصُ؟ وما علاقتهُ بما حدثَ لشركةِ والدِ نورةَ؟" سألَ نفسهُ بصوتٍ عالٍ، وهو يُقلّبُ الرسالةَ في يدهِ.
في تلكَ الليلة، لم يستطعْ أحمدُ أن ينامَ. ظلَّ يُفكرُ في الأسبابِ المحتملةِ لانهيارِ الشركةِ. هل كانتْ مجردَ خسارةٍ عاديةٍ، أم أنَّ هناكَ مؤامرةً خفيةً؟ تذكرَ بعضَ الكلماتِ التي قالها والدُ نورةَ عن مستثمرٍ غامضٍ تراجعَ في اللحظةِ الأخيرةِ. هل كانَ هذا المستثمرُ هو من يقفُ وراءَ كلِّ هذا؟
في صباحِ اليومِ التالي، قررَ أحمدُ أن يبدأَ تحقيقَهُ الخاصَ. ذهبَ إلى مكتبهِ، وبدأَ بالبحثِ في سجلاتِ الشركةِ القديمةِ، وملفاتِ الصفقاتِ التي تمتْ خلالَ الفترةِ الماضيةِ. كانَ يعرفُ أنَّ هذا الأمرَ يتطلبُ وقتًا وجهدًا، لكنهُ لم يستطعْ الانتظارَ.
"يجبُ أن أعرفَ الحقيقةَ، لأجلِ نورةَ، ولأجلِ مستقبلنا," قالَ لنفسهِ.
كانَ والدُ نورةَ، السيدُ خالدٌ، قد بدأَ أيضًا في استعادةِ بعضِ ذكرياته. كانَ يُفكرُ في كلِّ شخصٍ تعاملَ معهُ في عالمِ الأعمالِ. هل هناكَ من كانَ يحملُ لهُ ضغينةً؟ هل هناكَ من كانَ يغارُ من نجاحهِ؟
"أتذكرُ عندما كنتُ أتعاملُ مع السيدِ رضوانَ," قالَ لزوجتهِ في أحدِ الأيامِ. "كانَ دائمًا ما يُظهرُ لي احترامًا كبيرًا، لكنني شعرتُ في بعضِ الأحيانِ بأنَّ وراءَ هذا الاحترامِ شيئًا آخرَ."
"ومن هو السيدُ رضوانُ؟" سألتْ زوجتهُ.
"كانَ منافسًا قديمًا لي في بدايةِ مشواري. لكنهُ لم ينجحْ في مجالِ الأعمالِ بنفسِ القدرِ الذي نجحتُ فيهِ. ربما يحملُ ضغينةً قديمةً."
في هذهِ الأثناء، كانتْ نورةُ تُحاولُ أن تُعطي صورةً من الهدوءِ والتفاؤلِ لعائلتها، رغمَ أنها كانتْ تشعرُ بنفسِ القلقِ الذي كانَ يُساورُ أحمدَ. كانتْ تقضي وقتًا طويلاً في الأرضِ، تعملُ بجدٍّ، وتُساعدُ والدها.
"أمي، هل يمكنُ أن نتحدثَ قليلًا عن الماضي؟" سألتْ نورةُ والدتها في إحدى الليالي.
"ماذا تريدينَ أن تعرفي يا حبيبتي؟"
"أتذكرينَ كيفَ كانتْ حياتنا قبلَ سنواتٍ؟ هل كانَ أبي يتعاملُ مع الكثيرِ من الأشخاصِ الذين قد يحملونَ لهُ ضغينةً؟"
تنهدتْ والدةُ نورةَ. "كانَ والدكِ رجلًا ناجحًا جدًا. والنجاحُ يجلبُ معه الحسدَ والضغينةَ أحيانًا. لكنني لا أتذكرُ شخصًا معينًا كانَ يُشكلُ خطرًا كبيرًا عليهِ."
"ولكنْ، هل كانَ هناكَ أيُّ صفقاتٍ فاشلةٍ في الماضي؟ أيُّ مشاكلَ ماليةٍ واجهها أبي قبلَ هذهِ المرةِ؟"
"كانتْ هناكَ بعضُ الصعوباتِ الصغيرةِ، لكنهُ كانَ دائمًا يتجاوزها بفضلِ ذكائهِ وحكمتهِ. لم أسمعْ منهُ يومًا عن مشكلةٍ قد تكونُ كبيرةً إلى هذا الحدِّ."
كانتْ هذهِ المحادثاتُ تُساعدُ نورةَ على فهمِ الصورةِ بشكلٍ أعمقَ. لكنها في الوقتِ نفسهِ كانتْ تُزيدُ من حيرتها.
في الطرفِ الآخرِ، كانَ والدُ أحمدَ، السيدُ أحمدُ الكبيرُ، يُحاولُ أن يُساعدَ ابنهُ في تحقيقهِ. كانَ لديهِ شبكةٌ واسعةٌ من العلاقاتِ في عالمِ الأعمالِ، وكانَ يُمكنهُ أن يحصلَ على معلوماتٍ قد لا يتمكنُ أحمدُ من الحصولِ عليها بنفسهِ.
"يا بني، لقد تحدثتُ مع بعضِ أصدقائي القدامى," قالَ السيدُ أحمدُ الكبيرُ في إحدى المكالماتِ الهاتفيةِ. "يبدو أنَّ هناكَ حركةً غيرَ طبيعيةٍ في سوقِ الأسهمِ قبلَ فترةٍ وجيزةٍ من انهيارِ شركةِ السيدِ خالدٍ. هناكَ شركاتٌ بدأتْ تبيعُ أسهمها بأسعارٍ بخسةٍ، ثمارتفعتْ هذهِ الأسهمُ مرةً أخرى بعدَ فترةٍ."
"هل تعتقدُ أنَّ هذا لهُ علاقةٌ بانهيارِ شركةِ السيدِ خالدٍ؟" سألَ أحمدُ.
"من الصعبِ الجزمُ بذلكَ. لكنَّ التوقيتَ مُريبٌ جدًا. يبدو أنَّ هناكَ من كانَ يُخططُ لضربِ بعضِ الشركاتِ القويةِ."
بدأَ أحمدُ يُركزُ بحثهُ على هذهِ النقطةِ. بدأَ يتتبعُ حركةَ الأسهمِ، ويُحاول