الحب الأول 151
حفل النور والعبير
بقلم فاطمة النجار
اقترب موعد الخطبة الرسمية، وازدادت وتيرة التحضيرات. كانت الأجواء في منزل "ليلى" أشبه بخلية نحلٍ نشطة، تتخللها ضحكات النساء، وأصوات العطور، ورائحة الطعام الشهي. اختارت "ليلى" فستاناً أنيقاً بلونٍ سماوي، تطرزه خيوطٌ فضيةٌ لامعة، وزينت شعرها بتسريحةٍ بسيطةٍ تبرز جمال ملامحها. كان قلبها يرقص فرحاً، ممزوجاً بترقبٍ شديدٍ للقاء "أحمد" في هذه المناسبة السعيدة.
في مساء يوم الخطبة، اكتست الشوارع المحيطة بالمنزل بالأنوار الملونة. استقبلت "ليلى" والدتها وزوجة عمها، ومن ثم توجهت إلى قاعةٍ صغيرةٍ تم تجهيزها في حديقة المنزل، مزينةً بالورود البيضاء والشموع التي تمنح المكان سحراً خاصاً. كانت القاعة تعج بالمدعوين، الأهل والأصدقاء، يتبادلون التهاني والتبريكات.
وقفت "ليلى" في زاويةٍ من القاعة، تراقب المشهد بعينين زائغتين. رأى والدها "خالد" والد "أحمد" "السيد علي" يقتربان منها، ومعهما "أحمد". ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ واسعة، وشعرت بارتعاشةٍ خفيفةٍ تسري في أوصالها.
"ما شاء الله، بارك الله فيكم يا عروسنا الجميلة." قال "السيد علي" بابتسامةٍ عميقة.
"شكراً لك يا عمي." ردت "ليلى" بصوتٍ يحمل الحياء.
ثم جاء دور "أحمد". تقدم نحوها، وابتسامته الصادقة ترتسم على وجهه. حمل في يده باقةً من الورد الأبيض، قدمها لها. "ليلى، مباركٌ لكِ."
"مباركٌ لنا ولك." ردت "ليلى"، وشعرت بأنها لا تستطيع النظر في عينيه مباشرةً.
"أرى أنكِ تزدادين جمالاً كل يوم." قال "أحمد" بصوتٍ خفيض، وكأنه يتحدث معها وحدها.
تورد وجه "ليلى" وأخفضت بصرها. "هذا من لطفك."
بدأت مراسم الخطبة الرسمية. جلست "ليلى" بجوار والدتها، و"أحمد" بجوار والده. كانت الكلمات تتدفق، كلماتٌ عن الحب، عن الأمل، وعن بناء أسرةٍ سعيدة. تحدث المأذون بكلماتٍ مباركة، داعياً لهما بالتوفيق والسعادة.
وعندما حان وقت تبادل الخواتم، تقدم "أحمد" نحو "ليلى"، ووضع في إصبعها خاتماً ماسياً لامعاً. ثم وضعت "ليلى" خاتماً مشابهاً في إصبع "أحمد". كانت لحظةً مؤثرة، لحظةٌ يلتف فيها القدر ليجمع روحين في رباطٍ مقدس.
بعد الانتهاء من المراسم، وقفت "ليلى" وسط القاعة، ترقص مع والدتها، ثم مع والدها. وبعدها، اقترب "أحمد" منها مرةً أخرى. "هل تسمحين لي برقصةٍ واحدة؟" سأل بابتسامة.
نظرت "ليلى" حولها، ورأت أن بعض الأزواج بدأوا يرقصون على أنغام موسيقى هادئة. "بالتأكيد."
مشيا معاً إلى وسط القاعة، وبدأت موسيقى هادئة. أمسك "أحمد" بيد "ليلى"، وبدأت تتمايلان ببطء. كانت هذه أول مرةٍ يرقصان فيها معاً، وشعرت "ليلى" بأنها تقف بين ذراعيه، تشعر بأمانٍ وحنانٍ غريبين.
"ليلى، هل تعلمين أنني فكرت كثيراً في هذه اللحظة؟" قال "أحمد" بصوتٍ يكاد يكون مسموعاً.
"وماذا كنت تفكر؟"
"كنت أفكر كيف سأكون سعيداً لو شاركتكِ كل لحظات الحياة. كيف سنبني بيتنا، وكيف سنربي أبناءنا. كيف سنقضي ليالينا نتحدث عن أحلامنا، وعن آمالنا."
"وأنا أيضاً يا أحمد. لقد بدأت أشعر بأنك الرجل المناسب لي. الرجل الذي يفهمني، ويدعمني، ويشاركني طموحاتي."
تبادلا نظراتٍ عميقة، نظراتٌ تعبر عن الكثير من المشاعر التي لم تستطع الكلمات أن تصفها. كانت هذه الرقصة، وهذه الكلمات، بمثابة تأكيدٍ إضافي لصدق مشاعرهما، ولعمق العلاقة التي بدأت تتكون بينهما.
انتهت الموسيقى، وابتعد "أحمد" عن "ليلى"، لكن عينيه بقيتا مثبتتين عليها. "شكراً لكِ على هذه الليلة." قال.
"شكراً لك أنت."
بعد انتهاء الحفل، ذهب "أحمد" مع والده، وبقيت "ليلى" مع عائلتها. شعرت "ليلى" بسعادةٍ غامرة، فقد كانت ليلةً مليئةً بالنور والعبير، ليلةً رسمت بدايةً جديدةً في حياتها.
نظرت إلى خاتمها الماسي، وشعرت بأنه أصبح جزءاً منها. لم تعد مجرد فتاةٍ صغيرة، بل أصبحت عروساً، وعلى أعتاب حياةٍ جديدة.
في طريق عودتها إلى غرفتها، جلست "ليلى" على طرف سريرها، وأمسكت بكتابٍ كانت قد أهدته لها "السيدة زينب" في بداية الأسبوع. كان كتاباً عن الحياة الزوجية، وعن بناء أسرةٍ سعيدة. فتحت الكتاب، وقرأت أول صفحة: "الحب ليس مجرد شعورٍ عابر، بل هو رحلةٌ طويلة، رحلةٌ تبدأ بالتعارف، ثم تتطور إلى بناءٍ متينٍ أساسه الاحترام والتفاهم، والتوكل على الله."
ابتسمت "ليلى"، وشعرت بأن كلمات الكتاب تتناغم مع مشاعرها. إنها على وشك البدء في هذه الرحلة، رحلةٌ مليئةٌ بالحب، وبالتحديات، وبالمسؤوليات. لكنها كانت مستعدةً، مستعدةً لمواجهة كل شيءٍ مع "أحمد"، شريك حياتها.