الفصل 5 / 25

الحب الأول 151

سَكْرَةُ الشَّوْقِ وَوَجَعُ الْحَنِينِ

بقلم فاطمة النجار

كان الليل قد أسدل ستاره على مدينة الرياض، ملقياً بوشاحه الأسود الموشى بنجومٍ خافتة، وبقمرٍ شاحبٍ يتوارى خلف غيومٍ رقيقة. في غرفته الهادئة، لم يكن لـ "فارس" سوى صوتٍ مكتومٍ لموسيقى عربيةٍ قديمةٍ تنساب من سماعاتٍ صغيرةٍ، تتردد ألحانها في فضاءٍ يعبق برائحةِ البخورِ العطرةِ التي ألفتها جدرانُ المنزلِ. كان يجلسُ متكئاً على نافذته الواسعة، يراقبُ أضواءَ المدينةِ المتلألئةِ وكأنها نجومٌ سقطتْ من السماءِ لتبثَّ في ليلِ البشرِ بعضَ السحرِ. لكنّ سحرَ المدينةِ لم يكنْ ليُنسيهِ سحرَ "ليلى".

كانتْ صورَتُها محفورةً في ذهنهِ، لا تفارقهُ لحظةً. تلكَ العينانِ الواسعتانِ اللتانِ كانتا تحملانِ في طياتهما بحراً من الحياءِ والأملِ، والابتسامةُ التي كانتْ تُزهرُ على شفتيها كوردةٍ نادرةٍ في صحراءٍ قاحلةٍ. تذكّرَ حديثَهُ معها في اللقاءِ الأخيرِ، كيفَ كانتْ كلماته تخرجُ متقطعةً، ممزوجةً بشعورٍ غريبٍ من الخوفِ والإعجابِ. لم يكنْ يعرفُ كيفَ يصفُ ذلكَ الشعورَ، لكنه كانَ يعلمُ جيداً أنّهُ لم يمرّ بتجربةٍ كهذهِ من قبل.

كان "فارس" شاباً طموحاً، ناجحاً في عملهِ، محبوباً من أهلهِ وأصدقائهِ. كانتْ حياتهُ تسيرُ على وتيرةٍ منتظمةٍ، مليئةٍ بالإنجازاتِ والتخطيطِ للمستقبلِ. لم يكنْ لهُ متسعٌ من الوقتِ للعواطفِ الجامحةِ أو للأوهامِ. لكنّ "ليلى" قد اقتحمتْ عالمَهُ الهادئَ، وبدأتْ تهزُّ أركانهُ، تزرعُ فيهِ بذورَ شوقٍ لم يكنْ يعرفُ مصدرهُ.

في الأيامِ التي تلتْ لقاءَهما، كانَ "فارس" يجدُ نفسهُ يفكرُ فيها كثيراً. كانَ يتفقدُ هاتفهُ باستمرارٍ، ينتظرُ رسالةً منها، أو اتصالاً. كانتْ هذهِ الحالُ تزعجُهُ، فهو لم يعتدْ أنْ يكونَ أسيرَ مشاعرٍ. بدأَ يلاحظُ تغيراً في عاداتهِ اليوميةِ. كانَ يهملُ بعضَ واجباتهِ، يفقدُ تركيزهُ في اجتماعاتِ العملِ، وينامُ ساعاتٍ أقلَّ.

كانَ صديقهُ المقرّبُ "خالد" يلاحظُ ذلكَ التغييرَ. "ما بكَ يا فارس؟ تبدو شاردَ الذهنِ في الآونةِ الأخيرةِ. هل من مشكلةٍ في العملِ؟" سألَهُ "خالد" ذاتَ مساءٍ وهما يحتسيانِ الشايَ في مقهىً هادئٍ.

تلعثمَ "فارس" قبلَ أنْ يجيبَ: "لا، لا شيءَ يتعلقُ بالعملِ. فقط بعضُ الأفكارِ تشغلُ بالي."

ابتسمَ "خالد" بثقةٍ: "أعرفُ تلكَ النظرةَ. إنها نظرةُ من تعلقَ بقلبٍ. هل هي الفتاةُ التي تحدثتَ عنها؟ الفتاةُ ذاتُ الجمالِ الربانيِّ؟"

توردَ وجهُ "فارسٍ"، لكنهُ حاولَ أنْ يبدوَ طبيعياً. "لا أعرفُ يا خالد. إنها مجردُ فكرةٍ عابرةٍ."

"فكرةٌ عابرةٌ لا تجعلُ رجلاً ذكياً مثلكَ سارحاً طوالَ الوقتِ. يا صديقي، إنّ القلبَ لهُ لغةٌ خاصةٌ، وإذا استجابَ لها، فلا تخفْ. ولكنْ، تأكدْ أنْ تكونَ هذهِ الاستجابةُ في إطارٍ صحيحٍ، إطارٍ يرضي اللهَ ويرضي الأهلَ."

كلماتُ "خالدٍ" تركتْ أثراً في نفسِ "فارسٍ". كانَ يعرفُ أنّهُ يتجاوزُ حدودَ ما اعتادَ عليهِ. كانتْ رغبتهُ في رؤيتها، في سماعِ صوتها، أقوى من أيِّ منطقٍ. بدأَ يجدُ أعذاراً لزيارةِ عائلةِ "ليلى" دونَ سببٍ واضحٍ، يتظاهرُ بالاهتمامِ بشؤونٍ عائليةٍ مشتركةٍ، فقط ليحظى بلمحةٍ منها، بكلمةٍ عابرةٍ.

في أحدِ الأيامِ، بينما كانَ "فارس" في مكتبهِ، تلقى رسالةً نصيةً من "ليلى". كانَ قلبُهُ ينتفضُ فورَ رؤيةِ اسمها. "أرجو أنْ تكونَ بخيرٍ يا فارس. ترددتُ كثيراً قبلَ أنْ أبعثَ إليكَ، لكنني شعرتُ بأنّ هذا الوضعَ لا يليقُ بنا. نحنُ نعرفُ ما بيننا، وما يجبُ علينا فعلهُ."

شعرَ "فارسٍ" بانقباضٍ في صدرهِ. هل كانتْ تقصدُ ما كانَ يخافه؟ هل كانتْ ترفضه؟ قرأَ الرسالةَ مرةً أخرى، ثمَّ ثالثةً. بدأَ يتخيلُ أسوأَ الاحتمالاتِ.

"لا أدرى ما الذي تقصدينهُ يا ليلى. هل لكِ أنْ توضحي؟" كتبَ بسرعةٍ، ثمَّ مسحَ الرسالةَ وأعادَ كتابتها، ثمَّ ضغطَ على زرِّ الإرسالِ وقلبُهُ يدقُّ بعنفٍ.

لم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى وصلهُ الردُّ: "أقصدُ أنْ نتبعَ الطريقَ الصحيحَ. الطريقَ الذي يسمحُ لنا بالحديثِ دونَ حياءٍ، وبالنظراتِ دونَ خوفٍ، وباللقاءاتِ دونَ حرجٍ. الطريقَ الذي يبدأُ بخطبةٍ رسميةٍ."

كانتْ كلماتُ "ليلى" كالصاعقةِ، لكنها كانتْ صاعقةً تبعثُ الحياةَ في قلبهِ. لقدْ أرادَ ذلكَ، كانَ يحلمُ بذلكَ، لكنهُ كانَ خائفاً من طلبِ يدها، خائفاً من الرفضِ، خائفاً من مسؤوليةِ الزواجِ. لكنّ "ليلى" قدْ منحتهُ الشجاعةَ التي كانَ يفتقدها.

"حسناً يا ليلى. سأتحدثُ معَ والديّ. أريدُ أنْ ألتقيَ بوالدكِ قريباً." كتبَ وهو يشعرُ بنشوةٍ عارمةٍ.

في تلكَ الليلةِ، لم ينمْ "فارسٌ" كثيراً. كانَ عقلهُ مليئاً بالتخطيطِ والترتيبِ. كانَ يعرفُ أنّهُ سيلتقي بوالدِ "ليلى" قريباً، وأنّ هذهِ الخطوةَ ستكونُ بدايةً لمرحلةٍ جديدةٍ في حياتهِ. لكنْ، رغمَ كلِّ هذهِ السعادةِ، كانَ هناكَ خيطٌ رفيعٌ من القلقِ يتسللُ إلى روحهِ. كانَ يعلمُ أنّهُ في الآونةِ الأخيرةِ قدْ بدأَ ينجرفُ وراءَ مشاعرهُ، وأنّ هذهِ المشاعرَ قدْ دفعتْهُ لاتخاذِ قراراتٍ متسرعةٍ. هل كانَ مستعداً حقاً لهذهِ المسؤوليةِ؟ هل كانَ يحبُّ "ليلى" حقاً، أمْ أنّهُ كانَ مفتوناً بجمالها وحيائها؟ كانتْ هذهِ الأسئلةُ تدورُ في ذهنهِ، تتصارعُ معَ رغبتهِ الجامحةِ في الارتباطِ بها. لكنْ، في نهايةِ المطافِ، كانَ الشوقُ أقوى من أيِّ شكٍّ. كانَ يريدُها، ويريدُ أنْ يجعلَها سعيدةً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%