الحب الأول 151
خَطَأٌ مُتَكَرِّرٌ وَظِلٌّ مُخيفٌ
بقلم فاطمة النجار
كانَ قلبُ "فارسٍ" يقرعُ طبولَ العجلةِ والفرحِ وهو يقودُ سيارتهُ الفارهةَ باتجاهِ منزلِ "ليلى". كانتْ الشمسُ قدْ بدأتْ تميلُ نحو المغيبِ، مرسلةً خيوطَها الذهبيةَ على سماءِ الرياضِ، مضيفةً إلى المشهدِ جمالاً وسحراً. لكنَّ جمالَ المدينةِ لم يكنْ ليُشتتَ تفكيرهُ عنِ الهدفِ المنشودِ. اليومَ، سيتقدمُ لطلبِ يدِ "ليلى" رسمياً، وسيضعُ حجراً أساسياً في بناءِ مستقبلهِ معها.
تذكرَ حديثَهُ معَ والدهِ، وكيفَ كانَ والدهُ سعيداً جداً بخطوتهُ. "فارسٌ يا بني، إنّ الزواجَ مسؤوليةٌ كبيرةٌ، ولكنهُ أيضاً أجملُ ما في الحياةِ. وخاصةً إذا كنتَ معَ شريكةِ حياةٍ صالحةٍ، كـ "ليلى" التي سمعتُ عنْها الكثيرَ من الثناءِ. ابدأْ حياتكَ الجديدةَ ببركةِ اللهِ، وباستشارةِ أهلكَ. لا تنسَ أنَّ اختيارَ الزوجةِ الصالحةِ هو مفتاحُ السعادةِ في الدنيا والآخرةِ."
كلماتُ والدهِ كانتْ بمثابةِ دفعةٍ قويةٍ لهُ. لقدْ كانَ "فارسٌ" يعلمُ أنّهُ يقدمُ على خطوةٍ جادةٍ، لكنّهُ لم يكنْ مستعداً للتحدياتِ التي قدْ تواجهه. كانتْ هناكَ دائماً تلكَ الشكوكُ التي تتسللُ إلى عقلهِ، تلكَ الأفكارُ التي تجعلهُ يتساءلُ عنْ مدى نضجهِ العاطفيِّ.
كانَ "فارسٌ" قدْ مرَّ بتجاربَ عاطفيةٍ سابقةٍ، بعضها انتهى قبلَ أنْ يبدأَ، وبعضها الآخرُ تركَ فيهِ أثراً. كانَ لديهِ ميلٌ للانجرافِ وراءَ المشاعرِ، خاصةً عندما يشعرُ بالوحدةِ أو بالضغوطِ. كانَ يعرفُ أنّهُ كانَ يتصرفُ أحياناً باندفاعٍ، دونَ التفكيرِ في العواقبِ. لكنّ "ليلى" كانتْ مختلفةً. كانتْ تتمتعُ بصفاءٍ وهدوءٍ، وببريقٍ روحيٍّ جذبَهُ بشدةٍ.
وصلَ "فارسٌ" إلى منزلِ "ليلى". كانَ المنزلُ يزدانُ بنورهِ الخافتِ، ويعبقُ برائحةِ الياسمينِ التي كانتْ تنبعثُ من حديقتهِ الجميلةِ. استقبلهُ والدُ "ليلى"، السيدُ "أحمد"، بترحيبٍ حارٍّ. كانَ السيدُ "أحمد" رجلاً وقوراً، يحملُ في عينيهِ حكمةَ السنينِ، وفي حديثهِ صدقَ المعدنِ.
جلسَ "فارسٌ" في غرفةِ الاستقبالِ، وبدأَ حديثهُ. "سيدي أحمد، جئتُ اليومَ لألتمسَ مباركتكم، وأطلبَ يدَ ابنتكم الغاليةِ "ليلى" للزواجِ. لقدْ رأيتُ فيها ما لم أرَ في غيرها، وأرى فيها شريكةَ حياتي التي أدعو اللهَ أنْ يجمعني بها على خيرٍ."
كانَ وجهُ السيدِ "أحمد" يتسمُ بالجديةِ، ولكنهُ كانَ يبدو راضياً. "نشكرُ لكَ سعيكَ يا "فارسٌ". "ليلى" ابنتي غاليةٌ، ولا أريدُ لها إلا السعادةَ. سمعنا عنكَ خيراً، ولكنْ، هل أنتَ مستعدٌّ حقاً لهذهِ المسؤوليةِ؟ هل ترى في "ليلى" الزوجةَ التي تبحثُ عنها، أمْ أنَّ الأمرَ مجردُ إعجابٍ عابرٍ؟"
شعرَ "فارسٌ" بأنّ السؤالَ قدْ لامسَ وترَ قلقهِ الداخليِّ. أجابَ بصدقٍ: "سيدي أحمد، أرى في "ليلى" كلَّ ما أتمناهُ في شريكةِ حياتي. إنها ذاتُ خلقٍ ودينٍ، وعقلٍ راجحٍ. ولربما، في تجاربي السابقةِ، كنتُ أتسرعُ أحياناً. ولكنْ، معَ "ليلى"، أشعرُ بشيءٍ مختلفٍ، بشيءٍ يجعلني أرغبُ في الاستقرارِ وبناءِ أسرةٍ صالحةٍ."
توقفَ السيدُ "أحمد" لبرهةٍ، ثمَّ قالَ: "إنّ التسرعَ قدْ يكونُ مفتاحَ الندمِ. الزواجُ ليسَ لعبةً. إنهُ ميثاقٌ غليظٌ. يجبُ أنْ تعرفَ أنكَ ستتحملُ مسؤوليةَ هذهِ الفتاةِ، ومسؤوليةَ مستقبلها. هل أنتَ مستعدٌّ لذلكَ؟"
"أنا مستعدٌّ بإذنِ اللهِ، وسأسعى بكلِّ ما أوتيتُ من قوةٍ لأكونَ لها خيرَ زوجٍ وخيرَ سندٍ." أجابَ "فارسٌ" بحزمٍ، محاولاً أنْ يُقنعَ نفسه قبلَ أنْ يُقنعَ السيدَ "أحمد".
بعدَ انتهاءِ الحديثِ، طلبَ السيدُ "أحمد" من "فارسٍ" الانتظارَ قليلاً، وذهبَ ليتحدثَ معَ زوجتهِ وابنتهِ. لم يكنْ "فارسٌ" يعرفُ ماذا يدورُ في الغرفةِ المجاورةِ، لكنهُ كانَ يشعرُ بتوترٍ شديدٍ. كانَ هذا اللحظةَ الحاسمةَ.
وبعدَ دقائقَ، عادَ السيدُ "أحمد" إلى "فارسٍ" وبابتسامةٍ خفيفةٍ على وجههِ. "لقدْ تحدثتُ معَ "ليلى" ووالدتها. وقدْ أبدتْ "ليلى" موافقتها. مبروكٌ لكَ يا "فارسٌ". نأملُ أنْ تكونَ هذهِ بدايةً لحياةٍ سعيدةٍ ومباركةٍ."
شعرَ "فارسٌ" بفرحةٍ عارمةٍ، وكأنّ حملاً ثقيلاً قدْ أزيحَ عنْ كاهلهِ. قامَ ليصافحَ السيدَ "أحمد" بحرارةٍ، وشكرهُ على ثقتهِ.
وفيما كانَ "فارسٌ" يستعدُّ للمغادرةِ، دخلتْ "ليلى" الغرفةَ. كانتْ ترتدي ملابسَ محتشمةً، وعيناها تلمعانِ بالفرحِ والحياءِ. تبادلَ الاثنانِ نظراتٍ مليئةً بالمعاني، نظراتٍ كشفتْ عنْ مشاعرَ عميقةٍ تتجاوزُ الكلماتِ.
"أنا سعيدٌ جداً يا "ليلى"." همسَ "فارسٌ" وهو يمدُّ يدهُ ليصافحها، وكأنهُ يطلبُ منها مباركةً.
"وأنا أسعدُ بكَ يا "فارسٌ". أسألُ اللهَ أنْ يجمعنا على خيرٍ." أجابتْ "ليلى" بصوتٍ هادئٍ، ولكنْ كانَ فيهِ الكثيرُ من الصدقِ.
بعدَ لقاءِ السيدِ "أحمد"، شعرَ "فارسٌ" بأنّهُ قدْ تجاوزَ عقبةً كبيرةً. لكنْ، ما لم يكنْ يعلمهُ هو أنّ هذا النجاحَ لم يكنْ نهايةَ الصراعِ، بل كانَ بدايةً لفصلٍ جديدٍ مليءٍ بالتحدياتِ. فبينما كانَ في طريقهِ للمنزلِ، تلقى اتصالاً من رقمٍ غيرِ معروفٍ.
"مرحباً يا "فارسٌ"." قالَ صوتٌ نسائيٌّ غريبٌ، يحملُ نبرةً غامضةً.
"من يتحدثُ؟" سألَ "فارسٌ" بقلقٍ.
"لا يهمُّ من أكونُ. المهمُّ هو أنني أعرفُ عنكَ الكثيرَ. أعرفُ عنْ سهراتكَ المتأخرةِ، وعنْ رغباتكَ المكبوتةِ. هل تعتقدُ أنَّ "ليلى" تستحقُّ رجلاً بهذهِ الصفاتِ؟"
تجمدَ الدمُ في عروقِ "فارسٍ". لقدْ كانَ هذا الصوتُ بمثابةِ ظلٍّ مخيفٍ يلاحقُهُ من ماضٍ كانَ يعتقدُ أنّهُ قدْ طواه. كانتْ هذهِ أولُ علامةٍ على أنّ تجاربهُ السابقةِ لم تتركْهُ وشأنَهُ، وأنّ هناكَ منْ يحاولُ العبثَ بسعادتهِ القادمةِ.